الْفَصْلُ 60
بِمُجَرَّدِ خُروجِنا مِن فَتْحَةِ السُّور، ظَهَرَت أَمامَنا المَدينَةُ بِناسِها الذينَ يَتَحَرَّكونَ بِنَشاط.
وبَعْدَ قَليل، خَرَجَ آين وهو يُصْدِرُ أَصْواتاً تَدُلُّ على المَشَقَّة.
كانَ آين يَنْظُرُ إِليَّ بِنَظْرَةٍ مَليئَةٍ بالعِتاب.
كانَ تَعْبيرُ وَجْهِهِ يَبْدو وكأَنَّهُ يَقول: “لِنَعُد إلى المَنْزِلِ حالاً”.
تَنَهَّدَ آين بِعُمقٍ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ أَشارَ إِليَّ بِيَدِه.
“هَم؟ ماذا هناك؟”
عِنْدَما انْحَنَيْتُ لِأُساويَ مُسْتَوى نَظَري بِنَظَرِه، قامَ بِوَضْعِ قُبَّعَةِ الرِّداءِ التي كانَت مُلْقاةً خَلْفَ ظَهري عَلى رَأسي.
ثُمَّ أَشارَ إلى ضَوْءِ الشَّمْسِ السَّاطِع.
“آه، هل تَفْعَلُ ذلِكَ خَوْفاً مِن أَنْ تَحْتَرِقَ بَشَرَتي مِن الشَّمْس؟ يا لَكَ مِن طِفْلٍ لَطيف.”
لا يَجِبُ أَنْ تَحْتَرِقَ بَشَرَةُ آين أَيْضاً.
عِنْدَما ضَغَطْتُ عَلى قُبَّعَةِ رِدائِه لِأُغَطِّيَ رَأْسَه، نَظَرَ إِليَّ بِوَجْهٍ غامِض.
ثُمَّ أَمْسَكَ بِيَدي بِقُوَّة.
“حَسَناً، لِنَرَ إلى أَيْنَ سَنَذْهَب.”
أَمْسَكْتُ بِيَدِ آين وتَوَجَّهْتُ نَحْوَ حُشودِ النَّاسِ في الشَّوارِع.
لِأَنَّها العاصِمَة، كانَت الشَّوارِعُ مُكْتَظَّةً بالنَّاس.
كانَت المَتاجرُ مُتَنَوِّعَةً وتَشُدُّ الانْتِباه؛ مِن مَتاجرِ المَوادِّ الغِذائيَّةِ المَليئَةِ بالمُنْتَجاتِ المَحَلِّيَّةِ التي أراها لِأَوَّلِ مَرَّة، إلى مَتاجرِ الأَدَواتِ السِّحْريَّةِ ومَتاجرِ المَلابِس.
لكِنَّ آين بَدا قَلِقاً، وكانَ يَلْتَفِتُ حَوْلَهُ باستِمْرار.
وفي إِحْدى المَرَّات، بَدا وكأَنَّهُ رَأى شَيْئاً ما فارتَعَدَ خَوْفاً، ثُمَّ سَحَبَني مِن يَدي نَحوَ زُقاقٍ جانِبيّ.
تَفَحَّصْتُ المَكانَ ظَنّاً مِني أَنَّهُ رَأى “تيرينا” أَوْ أَحَدَ كَهَنَةِ المَعْبَد، لكِن لم يَكُن هُناكَ أَيُّ شَخْصٍ مُريبٍ بَيْنَ المارَّة.
“لا بَأْسَ يا آين. لا تَخَف، سأَحْميك.”
رَغْمَ كَلامي الواثِق، إلا أَنَّ القَلَقَ لم يُفارِقْ عَيْنَيْ آين.
هل يَبْدو أَنَّني لا أَسْتَحِقُّ الثِّقَة؟
رَغْمَ أَنَّني لَم أَتَعَلَّم سِوى سِحْرِ النَّيْزَك كَسِحْرٍ هُجوميّ، لكِنَّني أَسْتَطيعُ حِمايةَ طِفْلٍ مِثْلِ آين.
شَعَرْتُ بالآسَى وأنا أَرى آين الذي لم يَسْتَطِع الاسْتِمْتَاعَ بالجَوْلَةِ وكانَ مُنْشَغِلاً بِمُراقبَةِ المُحيطِ بِحَذَر.
عِنْدَما يَشْعُرُ المَرْءُ بالقَلَقِ والتَّوَتُّر، فإِنَّ الطَّعامَ اللَّذيذَ هو الحَلُّ الأَمْثَل.
تَحَرَّكْتُ بِسُرْعَةٍ واشْتَرَيْتُ أَنْواعاً مُخْتَلِفَةً مِن الطَّعامِ مِن المَحَلاتِ القَريبَة.
وعِنْدَما قَدَّمْتُها لِآين، أَمالَ رَأْسَهُ بِتَعَجُّب.
نَظَرَ إِليَّ وكأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ ما إِذا كانَ هذا الطَّعامُ لَهُ.
أوه، هل هِيَ المَرَّةُ الأُولى التي يَرى فيها هذا؟
قَطَعْتُ جُزْءاً صَغيراً مِن حَلْوى القُطْن ووَضَعْتُهُ في فَمِ آين.
في البِدايَة، قَطَّبَ آين جَبينَهُ وكأَنَّهُ يَأْكُلُ شَيْئاً لا يُؤْكَل، لكِن بَعْدَ أَنْ تَذَوَّقَ الحَلْوى، ظَهَرَت عَلاماتُ الدَّهْشَةِ عَلى وَجْهِه.
نَظَرَ إِليَّ وإلى الحَلْوى بالتَّناوُب، ثُمَّ بَدَأَ يَأْكُلُها بِإِعْجاب.
“هاهاها، هذهِ حَلْوى. تُشْبِهُ القُطْن، أَلَيْسَ كَذلِك؟”
وأنا أُراقبُ آين وهو يَأْكُلُ الحَلْوى بِوَجْهٍ مُشْرِق، شَعَرْتُ بِوَجَعٍ بَسيطٍ في قَلْبي.
أَيُّها الأَشْرار، كَيْفَ تَرَكْتُم طِفْلاً يَتَجاوَزُ العاشِرَةَ دونَ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنى حَلْوى القُطْن!
“الآن، سَنَذْهَبُ إلى مَكانٍ مُزْدَحِمٍ قَليلاً. يَجِبُ أَنْ تَمْسِكَ بِيَدي جَيِّداً وأَنْ لا تَتْرُكَها!”
أَوْمَأَ آين بِرَأْسِهِ مُوافِقاً.
‘هِمم، قالَ المُساعِدُ إِنَّ حَفْلَ التَّوْقيعِ سَيَكونُ في مَكانٍ قَريبٍ مِن هُنا.’
بَحَثْتُ في كُلِّ زاوِيَةٍ حَتَّى لا أَفوتَ المَوْعِد، وعِنْدَما انْعَطَفْتُ عِنْدَ رُكْنِ أَحَدِ المَباني، رَأَيْتُ حَشْداً مِن النَّاسِ يَقِفون أَمامَهُ.
وكانَ هُناكَ طابورٌ طَويلٌ في جِهَةٍ أُخْرى.
“آه! يَبْدو أَنَّهُ ذلِكَ المَكان!”
عِنْدَما وَصَلْتُ إلى مَكانِ حَفْلِ التَّوْقيع، تَرَدَّدْتُ لِلَحْظَة.
“هَل… هَل يُحِبُّ لويد هذا النَّوْعَ مِن الكُتُب؟”
[سَأُحَقِّقُ لَكُم الحُبّ. 50 أَلْفَ ثُنائيٍّ تَمَّ جَمْعُهُم! حَفْلُ تَوْقيعِ الكِتابِ الجَديدِ لِخَبيرةِ الاسْتِشاراتِ العاطِفيَّةِ البارونَةِ “بيرتيني”!]
عِنْدَما رَأَيْتُ الكِتابَ المُغَطَّى بالقُلوبِ الوَرْدِيَّة، شَعَرْتُ بِالدُّوارِ لِقَليلٍ مِن الوَقْت.
‘هذا غَيْرُ مُتَوَقَّع، ذَوْقُ لويد غَريب.’
أَنْ يَقْرَأَ شَخْصٌ جادٌّ مِثْلُ لويد كُتُبَ هذهِ المَرْأَةِ باستِمْرار!
فَكَّرْتُ لِلَحْظَةٍ أَنَّني رُبَّما أَتَيْتُ إلى المَكانِ الخاطِئ، لكِنَّني حَسَمْتُ أَمْري.
حَسَناً، المُساعِدُ يَعْمَلُ تَحْتَ إِمْرَةِ لويد مُنْذُ سَنَوات، لِذا لا بُدَّ أَنَّ مَعْلوماتِهِ صَحيحَة.
لِكُلِّ شَخْصٍ ذَوْقُهُ الخاصّ.
وَقَفْتُ خَلْفَ الطابورِ الطَّويلِ وأَنْتَظِرُ دَوْري.
❁❁❁
في ذلِكَ الوَقْت، في مَكْتَبِ دوقِيَّةِ هيلديريوس.
كانَ لويد ودابين مَعَ المُساعِدِ يَجْلِسونَ أَمامَ مَكْتَبٍ واسِعٍ ويُرَتِّبونَ الأَوْراق.
بَيْنَما كانَ لويد يَشْرَحُ لِدابين الأَوْراقَ التي سَتَتَوَلَّى مَسْؤُولِيَّتَها وأُمورَ القَصْرِ الإمْبِراطورِيِّ أَثْناءَ غِيابِهِ في الأَراضي، وَجَدَت دابين بَعْضَ الكُتُبِ وَسَطَ كومَةِ الأَوْراق.
“هَم؟ ما هذا.”
[101 طَريقَةً لِتَحْقيقِ الحُبِّ الأَوَّل]
[هكَذا تَعْتَرِفُ بِحُبِّك!]
[أَسْرارُ لَيْلَةِ الزَّفافِ الأُولى☆]
تَقَلَّصَ وَجْهُ دابين عِنْدَما قَرَأَت عَناوينَ الكُتُبِ المَليئَةِ بالقُلوبِ واللَّوْنِ الوَرْدِيّ.
“إييه… لويد، هل تَقْرَأُ أَشْياءً كَهذه؟”
نَظَرَ لويد إلى الأَوْراقِ وأَجابَ بِبُرود:
“قالَ المُساعِدُ إِنَّها كُتُبٌ مُوصى بِها لِلزَّواج، لِذا قَرَأْتُها لِمَرَّةٍ واحِدَةٍ فَقَط.”
ثُمَّ نَظَرَ إلى المُساعِدِ وتَحَدَّثَ بِهُدوءٍ وكأَنَّهُ تَذَكَّرَ شَيْئاً:
“قَرَأْتُها بِنَاءً عَلى تَوْصِيَتِك، لكِنَّني لا أَفْهَمُ أَبَداً ما تُريدُ هذهِ الكاتِبَةُ قَوْلَه. يَبْدو أَنَّها لا تُناسِبُني.”
قَفَزَ المُساعِدُ مِن مَكانِهِ بِدَهْشَة:
“ماذا! سَيِّد لويد، لَقَد قُلْتَ بِنَفْسِكَ إِنَّها مُمْتِعَة؟”
أَنْكَرَ لويد ذلِكَ بِوَجْهٍ يَتَساءَلُ عَمَّا يَقُولُه:
“لم أَقُل أَبَداً إِنَّها مُمْتِعَة. لَقَد أَحْضَرْتَ أَنْتَ الكُتُبَ بَيْنَ ذِراعَيْكَ وأَلْحَحْتَ عَليَّ، لِذا قَرَأْتُها فَقَط.”
“حَسَناً، رُبَّما لم تَقُل صَراحَةً إِنَّها مُمْتِعَة، لكِنَّكَ استَمْرَرْتَ في قِراءَتِها.”
“رُبَّما… عَلى كُلِّ حال، هِيَ لا تُعْجِبُني.”
بَعْدَ كَلامِ لويد، بَدأَت دابين في تَوْبيخِ المُساعِد:
“أَنْتَ! تَقْرَأُ مِثْلَ هذهِ الكُتُبِ ولا تَدْخُلُ في عَلاقَةٍ حَقيقِيَّة، لِهذا سَتَظَلُّ أَعْزَباً طَوالَ حَياتِك. يَجِبُ أَنْ تَنْظُرَ إلى الواقِع. ما فائِدَةُ النَّظَرِيَّاتِ إِذا لم تَقُمْ بالتَّطْبيق؟”
صَرَخَ المُساعِدُ في سِرِّه:
‘تَبّاً، أَنْتُم أَيْضاً عُزَّاب! لِماذا تُوَبِّخونَني أَنَا فَقَط؟’
ثُمَّ تَذَكَّرَ فجأةً أَنَّهُ نَصَحَ “كاي” بِحَماسٍ أَنْ تَشْتَرِيَ الكِتابَ الجَديدَ لِهذهِ الكاتِبَةِ كَهَدِيَّةٍ لِلويد.
‘حَسَناً، سَيَسيرُ الأَمْرُ عَلى ما يُرامُ بِطَريقَةٍ ما.’
طَرَدَ المُساعِدُ فِكْرَةَ “كاي” مِن رَأْسِهِ وبَدأَ يَنْشَغِلُ بالأَوْراقِ بَيْنَما تُواصِلُ دابين تَوْبيخَه.
❁❁❁
كانَت هُناكَ سَيِّدَةٌ سَمينَةٌ قَليلاً وذاتُ وَجْهٍ بَشوشٍ تَضْحَكُ بِصَوْتٍ مُمَيَّز.
إِنَّها البارونَةُ “بيرتيني”، بَطَلَةُ حَفْلِ التَّوْقيع.
كانَت تُخْرِجُ الكُتُبَ الجَديدَةَ المُتَراكِمَةَ بِجانِبِها واحِداً تِلْوَ الآخَرِ وتُوَقِّعُ عَلَيْها.
أَخَذَ الشَّخْصُ الذي كانَ أَمامي الكِتابَ بابتسامَةٍ عَريضَةٍ ومَضى.
وجاءَ دَوْري.
“تَشَرَّفْتُ بِلِقائِكِ، سَيِّدَتي الكاتِبَة.”
“أوهوهو. مَرْحَباً بكِ يا آنِسَة. سُرِرْتُ بِلِقائِكِ.”
رَحَّبَت بي البارونَةُ بيرتيني بِطَريقَةِ كَلامٍ غَريبَةٍ نَوْعاً ما.
لَمَحْتُ سيرَتَها الذَّاتِيَّةَ المَوْجودَةَ عَلى الطاوِلَة، وكانَت تَمْلِكُ خِبْرَةً عَجيبَة:
[تَمَّ جَمْعُ 50 أَلْفَ ثُنائيّ.]
[مُديرةُ مَكْتَبِ الاسْتِشاراتِ العاطِفيَّة.]
[خَبيرةُ التَّنْجيمِ وأَوْراقِ التاروت.]
يا إِلهي، هل تَقومُ بارونَةٌ بِمِثْلِ هذهِ الأَعْمال؟
يَبْدو أَنَّ العاصِمَةَ تَجْمَعُ كُلَّ أَنْواعِ البَشَر.
عُدْتُ بِنَظَري إلى البارونَة، لكِنَّها لم تُوَقِّع عَلى الكِتاب، بَل ظَلَّت تَنْظُرُ إلى وَجْهي بِمَلَل.
لِماذا تَنْظُرُ إِليَّ هكَذا؟ هل لأَنَّني لم أَذْكُر الاسْم؟
“هل يُمْكِنُكِ التَّوْقيعُ باسم ‘لويد’ لَوْ سَمَحْتِ؟”
لكِنَّها تَجاهَلَت كَلامي وظَلَّت تَنْظُرُ إِليَّ وهي تُميلُ رَأْسَها، ثُمَّ فجأةً ضَحِكَت وقامَت بالتَّوْقيعِ عَلى الكِتابِ بِأَناقَة.
[مَعَ كُلِّ الحُبِّ لِلسَّيِّدِ لويد.]
وعِنْدَما كُنْتُ أَهُمُّ بِأَخْذِ الكِتاب، كانَت البارونَةُ لا تَزالُ تَتَفَحَّصُ وَجْهي.
هل هُناكَ شَيْءٌ عالِقٌ عَلى وَجْهي حَقّاً؟
قَبْلَ أَنْ أَسْأَلَها عَمَّا يَحْدُث، تَحَدَّثَت هِيَ:
“أَيَّتُها الآنِسَة. أَنْتِ يا آنِسَة.”
“نَعَم؟”
نَظَرَت البارونَةُ حَوْلَها، ثُمَّ أَشارَت بِيَدِها لِأَقْتَرِبَ مِن أُذُنِها.
اقْتَرَبْتُ مِنْها، فَهَمَسَت في أُذُني:
“أَنْوارٌ ساطِعَةٌ تُلاحِقُكِ. احْذَري.”
صَوْتُ البارونَةِ الذي كانَ خَفيفاً قَبْلَ قَليلٍ أَصْبَحَ عَميقاً وهادِئاً، مِمَّا جَعَلَ القَشْعَريرَةَ تَسْري في جَسَدي.
“ماذا… ماذا تَعْنين؟”
لكِنَّها لم تُجِب، وبَدأَت تَضْحَكُ مَرَّةً أُخْرى وهي تُسَلِّمُني الكِتاب، ثُمَّ نادَت عَلى الشَّخْصِ التالِي.
“انْتَظِري قَليلاً! ماذا تَقْصِدين…”
حاوَلْتُ سُؤالَها مَرَّةً أُخْرى، لكِنَّ شَخْصاً يَبْدو أَنَّهُ المَسْؤولُ عَن الحَفْلِ اقْتَرَبَ بِمَلامِحَ مُنْزَعِجَة.
“بِما أَنَّكِ حَصَلْتِ عَلى التَّوْقيع، فَعَلَيْكِ المَغادَرَة. لِحَجْزِ اسْتِشارَة، عَلَيْكِ التَّوَجُّهُ لِمَكْتَبِ الاسْتِشارات.”
مَعَ كَلامِ المَسْؤول، شَعَرْتُ بِنَظَراتِ النَّاسِ في الطابورِ تُلاحِقُني.
اضْطُرِرْتُ لِتَرْكِ المَكان.
‘احْذَري مِن الأَنْوار؟’
فَكَّرْتُ في كَلامِها الغامِض، ثُمَّ تَذَكَّرْتُ أَنَّها تَعْمَلُ في التَّنْجيم.
هل هي مُجَرَّدُ حيلَةٍ لِجَذْبِ الزَّبائِن؟
بَعْدَ أَنْ وَصَلْتُ إلى هذا الاسْتِنْتاج، نَظَرْتُ إلى الكِتاب.
بالتَّأْكيدِ سَيُعْجِبُ لويد، أَلَيْسَ كَذلِك؟
لكِن، هذا غَريب.
رَغْمَ أَنَّني تَوَقَّعْتُ المُحْتَوى مِن العُنْوان، إلا أَنَّهُ كانَ غَيْرَ عادِيّ.
[أَسْرارُ اللَّيْلِ لِلبارونَةِ بيرتيني. كَيْفَ تَأْسِرُ الطَّرَفَ الآخَر.]
“…؟”
في وَسَطِ الغِلافِ المَليءِ بالقُلوب، كانَ هُناكَ ظِلُّ رَجُلٍ وامْرَأَةٍ يَتَعانَقان.
“لحظة! ما هذا؟”
فَتَحْتُ الكِتابَ بِذُهولٍ لِأَتَفَحَّصَ المُحْتَوى.
كانَ مَليئاً بأُمورٍ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها في كُتُبِ الأَطْفال.
احْمَرَّ وَجْهي بِشِدَّةٍ وأَغْلَقْتُ الكِتابَ فَوْراً.
‘هل جُنِنْتَ أَيُّها المُساعِد؟ كَيْفَ أُهْدي شَيْئاً كَهذا!’
وبَيْنَما كُنْتُ أَشْعُرُ بالخَجَل، حَدَثَ أَمْرٌ ما.
“آخ!”
قامَ شَخْصٌ ما بِدَفْعي بِمَنْكِبِهِ بِقُوَّة، فَسَقَطْتُ عَلى الأَرْضِ في وَسَطِ الشَّارِع.
لِحُسْنِ الحَظِّ أَنَّني تَرَكْتُ يَدَ آين في لَحْظَةِ السُّقوط، وإلا لَكانَ قد أُصيبَ هو أَيْضاً.
أَصْبَحَ الكِتابُ والرِّداءُ في حالَةٍ فَوْضَوِيَّة.
تَنَهَّدْتُ وحاوَلْتُ النُّهوض، لكِنَّ شَخْصاً ما مَدَّ يَدَهُ إِليّ.
“آنِسَة! هل أَنْتِ بِخَيْر؟”
كانَ شَخْصاً غَريباً يَرْتَدي رِداءً أَسْوَد.
تَحَدَّثَ بِمَلامِحَ قَلِقَة.
“آه، نَعَم. أَنا بِخَيْر.”
حاوَلْتُ نَفْضَ الغُبارِ عَن الكِتابِ ووَضْعَهُ في الحَقيبَة، لكِنَّ ظِلالَ النَّاسِ بَدأَت تُحيطُ بي فجأة.
“هل أَنْتِ بِخَيْر؟”
“هل نُساعِدُكِ؟”
بَدأَ النَّاسُ يَتَسارَعونَ لِمَدِّ يَدِ العَوْنِ لي.
هل أَهْلُ العاصِمَةِ لُطَفاءُ إلى هذا الحَدّ؟
شَعَرْتُ أَنَّ الجَميعَ بَدأَ يَتَجَمَّعُ حَوْلي بِشَكْلٍ غَريب.
وبَيْنَما كُنْتُ أَشْعُرُ بالخَجَلِ وأُحاوِلُ النُّهوضَ بِسُرْعَة، قامَ آين بِوَضْعِ قُبَّعَةِ الرِّداءِ عَلى رَأسي بِقُوَّة، ثُمَّ أَمْسَكَ بِيَدي وبَدأَ يَرْكُضُ بي إلى مَكانٍ ما.
“آ… آين؟”
كانَت قُوَّةُ هذا الطِّفْلِ الصَّغيرِ كَبيرةً جِدّاً، لِدَرَجَةِ أَنَّني انْسَقْتُ خَلْفَهُ دُونَ قُدْرَةٍ عَلى مَنْعِه.
“انْتَظِر… انْتَظِر قَليلاً!”
بَدأَ آين يَرْكُضُ في الأَزِقَّةِ وكأَنَّ شَخْصاً ما يُلاحِقُنا.
بَعْدَ فَتْرَةٍ مِن الرَّكْض، وَصَلْنا إلى زُقاقٍ مَسْدود.
كانَ آين يَتَنَفَّسُ بِصُعوبَةٍ ويَنْظُرُ إِليَّ بِوَجْهٍ مُرْتَبِك، وكانَت نَظَراتُهُ تَهْتَزُّ بِقُوَّة.
“ما بِكَ يا آين مُنْذُ قَليل.”
في تِلْكَ اللَّحْظَة، جَفَلَ آين ونَظَرَ خَلْفَ كَتِفي.
“هوف. ظَنَنْتُ أَنَّني فَقَدْتُكِ، لكِنَّكِ هُنا. أَيَّتُها الآنِسَةُ الجَميلة.”
سَمِعْتُ صَوْتاً غَريباً ومُريباً خَلْفي تَماماً.
التَفَتُّ بِسُرْعَة، فوَجَدْتُ الرَّجُلَ الذي يَرْتَدي الرِّداءَ الأَسْوَدَ يَقِفُ هُناك.
وخَلْفَهُ، مَجْموعَةٌ مِن الرِّجالِ ذَوي الأَجْسادِ الضَّخْمَةِ الذين يَبْدونَ وكأَنَّهُم عِصابَة.
التعليقات لهذا الفصل " 60"