الْفَصْلُ 56
كانت هالةً قاتلةً ومرعبة، لدرجةِ أنها جعلت جسدي يرتجفُ وكأنَّ آلافَ الإبرِ تخترقه، تماماً كما شعرتُ عندما استهدفَ دابين ولويد حياتي أولَ مرة.
التفتُّ بـذعرٍ نحو مصدرِ تلكَ الهالة، فوجدتُ “السيد المبعوث” واقفاً هناكَ بوجهٍ مخيفٍ لم أعهدهُ فيه.
طوالَ معرفتي به، لم أرهُ غاضباً ولو لمرةٍ واحدة، لذا بدأ جسدي ينتفضُ رعباً من هيئتِهِ تلك.
تقدمَ نحوي بخطواتٍ واسعةٍ ووجـهٍ مرعب، ثم أمسكَ بمعصمي وجذبهُ بقوةٍ كادت تهشمُ عظامي.
صرختُ من الألم، لكنهُ لم يُحرِّك ساكناً ولم يُجب.
كنتُ أتعثرُ وأسقطُ مع كلِّ خطوةٍ بسببِ قوتِهِ المفرطة، لكنهُ لم يكترث، بل استمرَّ في سحلي بـقسوةٍ نحو مكانٍ مجهول.
نظرتُ للأشخاصِ الذين ألبستُهُم أكاليلَ الزهورِ وتوسلتُ إليهم أن ينقذوني، لكنَّ أحداً لم ينطق.
كانت وجوهُهُم قد تيبست ببرود، واكتفوا بمراقبتي وأنا أُسحبُ بعيداً.
أرجوكم، ليساعدني أيُّ أحد!
لم أملك سِوى البكاءَ تحت وطأةِ الألمِ في معصمي وتلكَ الهالةِ القاتلة.
وفجأة، سُمِعَ صوتُ صريرٍ حاد.
وفي ذلكَ الفضاءِ الأبيضِ الذي لا حدودَ له، ظهرَ بابٌ أسود.
لم يكن خلفَ البابِ سوى سوادٍ حالك؛ مكانٌ بلا ظلال، بلا ضوء، بلا أيِّ شيءٍ سوى الظلمة.
بمجردِ رؤيةِ ذلكَ المكان، بدأ جسدي ينتفضُ ذعراً. لكنَّ “السيد المبعوث”، الذي كانَ يقبضُ على معصمي بقوة، اكتفى بالنظرِ إليَّ وابتسامةٍ باردةٍ تعلو شفتيه.
اهـربي!
لا يجبُ أن أدخلَ ذلكَ المكان! إنهُ مكانٌ مرعب.
كانَ هناكَ صوتٌ في رأسي يصرخُ بي ويحذرني بقوة.
لا أعرفُ من أينَ أتاني الشجاعة، لكنني نفضتُ يدَهُ بقوةٍ وبدأتُ أركضُ للهرب.
شعرتُ بصوتِ سخريةٍ يأتي من خلفي، لكنني استمررتُ في الركضِ بكلِّ قوتي لأبتعدَ عنه.
ركضتُ طويلاً حتى غطى العرقُ جسدي وصرتُ ألهثُ بصعوبة.
هل أنا بأمان الآن؟
في اللحظةِ التي أبطأتُ فيها خطواتي، أمسكت يدٌ قويةٌ بذراعي بعنف.
التفتُّ لأجدَ “السيد المبعوث” خلفي مباشرةً ينظرُ إليَّ ببرودٍ قاتل.
سحلني نحو البابِ الأسودِ الذي ظهرَ أمامي، وقامَ بـرميي داخلَهُ وكأنهُ يلقي بشيءٍ تافه.
طـاخ!
ارتطمَ جسدي بالأرضِ بقوةٍ شعرتُ معها أنَّ عظامي قد تحطمت.
الآنَ هي الفرصة! اخـرجي!
كانَ عقلي يصرخُ بي بـيأسٍ محذراً من ضرورةِ الخروجِ من هذا السواد.
حاولتُ الوقوفَ بسرعةٍ للخروج، لكنَّ الذي كانَ يقفُ أمامي هو “السيد المبعوث” مبتسماً بسعادة.
برغمِ أنها كانت نفسُ الابتسامةِ المشرقةِ التي رأيتُها أولَ مرة، إلا أنني لم أشعرْ هذهِ المرةَ إلا بالرعب.
كانَ يقفُ ساداً للمخرجِ الوحيدِ من هذا الفضاءِ المظلم، ومن خلفِهِ كانَ يظهرُ الفضاءُ الأبيضُ الباهرُ الضياء.
تملَّكَ الخوفُ جسدي من فكرةِ البقاءِ محبوسةً هنا للأبد.
أمسكتُ بطرفِ ثوبِهِ وأنا أبكي وأتوسل:
“أرجوك، دعني أخرج!”
جثوتُ على ركبتي أتوسلُ إليه، فنظرَ إليَّ بصمتٍ ثم انحنى ليصبحَ في مستوى نظري.
كانت تعلو وجهَهُ الجميلَ ابتسامةٌ في غايةِ القسوة.
مسحَ على خدي بلطفٍ ثم اقتربَ من أذني وهمس:
“££££££¶¶¶¶¶”
لم أسمعْ شيئاً سوى صوتِ تشويشٍ مزعج، لكنَّ جسدي بدأ يرتجفُ بجنونٍ فورَ سماعِ تلكَ الكلمات.
وعندما رأى حالتي، عادَ وجهُهُ للهدوءِ واللطف، ومسحَ على شعري وقالَ مجدداً:
“£££££¶¶¶¶¶¶.”
وبعدَ هذهِ الكلماتِ المشوشة، جذبَ وجهي وقبلني بـقسوةٍ وعنف.
لا أعرفُ إن كانت دموعي تنهمرُ بسببِ الألمِ في شفتي أم بسببِ كلماتِهِ التي لم أفهمها، لكنني استمررتُ في البكاء.
❁❁❁
“كاي! كاي!”
سَمِعتُ صوتَ دابين.
“يبدو أنها استعادت وعيَها!”
استيقظتُ على صرخةِ ساحرٍ قلق.
بدأت رؤيتي تتضحُ لأرى وجهَ دابين القلقِ ومن خلفِها صفوفُ السحرة.
“هل أنتِ بخير؟”
استعدتُ وعيي تماماً ونظرتُ حولي؛ كنتُ لا أزالُ داخلَ الزنزانة.
“ماذا حدثَ فجأة؟”
أجابت دابين وهي تسندني:
“بمجردِ دخولِكِ هنا سقطتِّ مغشياً عليكِ، وبدأتِ بالصراخِ والبكاء، كانَ وضعُكِ مرعباً.”
تذكرتُ فجأةً ذلكَ الحلمَ الغريبَ الذي رأيتُهُ أثناءَ غيابي عن الوعي.
رجلٌ يملكُ وجهَ “السيد المبعوث” لكن بشخصيةٍ مرعبة، وأنا سجينةٌ عندَهُ في مكانٍ مظلمٍ أبكي بـحرقة، والناسُ يتجاهلونَ توسلاتي.
قشعريرةٌ باردةٌ سرت في جسدي؛ لم يسبق لي أن حلمتُ بشيءٍ كهذا طوالَ حياتي.
“يبدو أنني تعرضتُ لضغوطٍ كبيرةٍ مؤخراً بسببِ العمل.”
حاولتُ الابتسامَ لإخفاءِ قلقي أمامَ دابين.
“أنا بخير يا دابين.”
نعم، لا بدَّ أنهُ التوتر.
كثرةُ العمل، والاهتمامُ بـ “آين” و “روبا”… لقد كانت أياماً شاقة.
أقنعتُ نفسي بهذا ونهضتُ بمساعدةِ دابين.
زمجرت دابين في وجهِ يوتياس:
“أيها اللعين، أعطها رخصةَ المُعالجة الرفيعة فوراً.”
لكنَّ يوتياس أجابَ ببرودٍ وهو يتفحصُ الغرفة:
“الأمرُ لم ينتهِ بعد.”
تنهدت دابين وبدأت تتفحصُ المكانَ هي الأخرى.
كانت الغرفةُ مليئةً بالعشراتِ من التماثيلِ الحجريةِ المنقوشةِ برموزِ كنيسةِ تيرينا.
“هممم، هل يمكنكم المجيءُ لهنا جميعاً؟”
نادى يوتياس الجميعَ بعدَ تفحصٍ طويل.
كانت بعضُ التماثيلِ محطمةً تماماً، وبعضُها لا يزالُ سليماً.
أشارَ يوتياس للتماثيلِ المحطمةِ وقال:
“إنها فارغةٌ من الداخل. يبدو أنها كانت تحتوي على شيءٍ ما. أرى بقايا لمادةٍ سوداء.”
وضعَ يدهُ فوقَ تمثالٍ، فومضَ المكانُ فجأة، وارتفعت قطرةُ ماءٍ سوداءُ في الهواء.
“آنسة دابين، ألا تبدو مألوفة؟”
حدقت دابين في القطرةِ وقالت بصوتٍ منخفض:
“تبدو كالمادةِ التي كانت تتكونُ منها الوحوشُ قبلَ قليل.”
أخذَ يوتياس يفكرُ قليلاً، ثم فجأةً ركلَ أحدَ التماثيلِ السليمةِ بقوة.
سقطَ التمثالُ وتحطم، وبدأ يتشقق.
“آاااااخ!”
صرخَ ساحرٌ كانَ يقفُ بجانبِ يوتياس.
داخلَ التمثالِ المحطم، كانت هناكَ جثةٌ في نفسِ وضعيةِ التمثال.
جثةٌ تملكُ شعراً أبيضاً وبشرةً باهرةَ البياض.
كانت الجثةُ تبدو وكأنها نائمة، لولا أنَّ أكثرَ من نصفِها قد تحولَ لمادةٍ سوداءَ لزجةٍ بدأت تذوب.
فتحَ يوتياس جفنَ الجثةِ بـقسوة.
“أوه.”
ثم نظرَ إليّ.
“شعرٌ أبيضٌ وعيونٌ حمراء. إنهُ لونٌ نادرٌ جداً.”
اقتربت دابين لتلقي نظرةً على الجثةِ وقالت بـانزعاج:
“هذا… هذا ليسَ بشرياً.”
فكرَ يوتياس قليلاً ثم قال:
“سنعرفُ الحقيقةَ إذا حطمنا بقيةَ التماثيل.”
“توقف!”
قبلَ أن تمنعَهُ دابين، لوحَ يوتياس بعصاهُ السحريةِ نحو التماثيل.
[صـاعـقة]°
هبطت صواعقُ قويةٌ من العدمِ على التماثيل، فبدأت تتشققُ وتتحطمُ مصدِرةً أصواتاً عالية.
“أيها المعتوه! كيفَ تتصرفُ بـهواك هكذا فجأة؟”
أمسكت دابين بسيفِها بـذعر.
“ما المشكلة؟ أنا أعلمُ أنَّ الآنسةَ دابين ستتعاملُ مع كلِّ شيء.”
ابتسمَ يوتياس بمكر.
بدأتِ الجثثُ تظهرُ من داخلِ التماثيلِ المحطمة.
كانت الحالاتُ متفاوتة؛ بعضُها بدأ يتحولُ لسائلٍ أسودَ من عندِ القدمينِ فقط، وبعضُها تحولَ تماماً لكتلةٍ سوداءَ لزجةٍ على الأرض.
والشيءُ الوحيدُ المشترك، أنَّ جميعَ أصحابِ هذهِ الجثثِ يملكونَ شعراً أبيضاً تماماً مثلي.
أخذَ يوتياس يتفحصُ عيونَ الجثثِ وهو يتجنبُ السائلَ الأسود.
“يا لهُ من ذوقٍ سيء. كلهم يملكونَ شعراً أبيضاً وعيوناً حمراء.”
وفجأة…
“آااااااه!”
تعالت صرخةُ ساحر، فالتفتنا لنرى السائلَ الأسودَ اللزجَ على الأرضِ يبدأُ بالارتفاعِ والتشكل.
وعلى عكسِ الوحوشِ السابقةِ التي كانت تملكُ مئاتِ العيون، كانَ لهذا الوحشِ عينانِ حمراوتانِ فقط.
بدأ الوحشُ السائلُ يزحفُ نحو الجثثِ الأخرى، وبدأ يلتهمُها بـأصواتٍ بشعةٍ ومقززة.
كانَ حجمُهُ يزدادُ مع كلِّ جثةٍ يبتلعُها.
“يا للقرف، هذا مقزز.”
أمسكت دابين بسيفِها لتهاجم، لكنَّ يوتياس أوقفها.
“انتظري لحظة.”
“ماذا الآن؟”
“لحظةٌ واحدةٌ فقط.”
وضعَ إصبعَهُ على شفتيهِ طالباً الصمت، وراقبَ السائلَ الأسود.
اختفت جثةٌ تماماً داخلَ السائل، وفوراً ظهرت عينانِ حمراوتانِ إضافيتانِ في جسدِ الوحش.
بدأ الوحشُ يتحركُ نحو جثةٍ أخرى.
حينها، لوحَ يوتياس بعصاه، فانفجرت نيرانٌ قويةٌ أحرقت الوحشَ والجثثَ معاً.
“كـيييييييييييـك!”
صرخَ الوحشُ متألماً وحاولَ الهجومَ على يوتياس، لكنَّ الأخيرَ فرقعَ أصابعَهُ “طاخ”،
فحولَ النيرانَ والوحشَ إلى رمادٍ تناثرَ على الأرضِ في ثانية.
“بهذا، يمكننا استنتاجُ هويةِ الوحوشِ التي رأيناها.”
مسحَ يوتياس يديهِ بخفة.
“لقد تمَّ تطهيرُ الزنزانة. شكراً لمساعدتِكِ أيتها الأميرة، وشكراً لكِ آنسة كاي.”
انحنى بـأناقة، وفجأةً ظهرت ورقةٌ ملفوفةٌ أمامي.
أمسكتُها وفتحتُها.
“رخصةُ مُعالجةٍ رفيعةِ المستوى…؟”
“نعم، الوعدُ هو الوعد، أليسَ كذلك؟”
ابتسمَ يوتياس.
وأضاف:
“إذا كنتِ تفكرينَ في الاستمرارِ كمُعالجة، فكري في الانضمامِ لـبرجِ السحرة. سأمنحُكِ ضعفَ الراتبِ الذي تتقاضينَهُ في المقر، وسأوفرُ لكِ مبنىً للسكنِ في العاصمة.”
حينها، قاطعتْهُ دابين بـسخرية…
التعليقات لهذا الفصل " 56"