كانت ذِراعي تَرْتجِفُ وهي تُحاوِلُ إدخالَ البسكويتِ إلى فمي.
وعندما رأى يُوتياس ذلك، ابتسمَ بإشراقٍ وجلسَ بجانبي تماماً، ثم أسندَ ذراعَهُ على الأريكةِ وأخذَ يُراقِبُني.
”هُممم، عادةً ما يقعُ الجميعُ في حُبي عندَ هذا الحدّ، لكنَّ الأمرَ صعبٌ قليلاً مع الآنسة كاي.”
بسبب ذراعي التي كانت تتحركُ من تلقاءِ نفسها، اضطررتُ لحشوِ فمي بالبسكويت، وقلتُ بغضبٍ وصوتٍ مكتومٍ وأنا أمضغ:
“اصمُت وافتَحِ البابَ فحسب!”
لكنه اكتفى بالضحكِ بخفّة.
“عندما لا تسيرُ الأمورُ كما نُحب، من الأفضلِ الاستعانةُ بقوّةِ الكُتب، أليسَ كذلك؟”
حكَّ رأسَهُ ثم أخرجَ كتاباً من مساحتِهِ السِّحرية.
كان الكتابُ ذا غلافٍ مُزخرفٍ وعنوانُه: «101 طريقة لِجذبِ الجنسِ الآخر».
وعلى شريطِ الكتاب، كُتبت العباراتُ التالية بخطٍّ لامع:
«أسرارُ المواعدةِ للفارسِ كيلوميل الذي واعدَ خمسةَ آلافِ امرأةٍ كُشفَ عنها أخيراً!»
مستحيل… أيعقلُ أنه يفعلُ كلَّ هذا بناءً على ذلك الكتاب؟
”هُممم، البدايةُ الأولى بلقاءٍ غيرِ مُتوقّع. الثانية، استعرِض ثروتَك. الثالثة، الرجلُ القويُّ هو الرجلُ الحقيقي. …الرابعة، جهِّز هديّةً من الحلوياتِ اللذيذةِ التي يصعُبُ الحصولُ عليها.
إنه أمرٌ صعب، فالآخرون كانوا يحبونني بمجردِ ظهوري وابتسامتي، لذا لم أحتج لمثلِ هذه الكُتب من قبل.”
ترددت كلماتُهُ في أذني كصدى.
لقاءٌ غيرُ مُتوقع… استعراضُ الثروة… إظهارُ القوة…
وتقديمُ… الحلويات… كهدية؟
عندما تذكرتُ كلماتِ يُوتياس في غرفةِ كبارِ الشخصيات، وادّعاءَهُ المجيءَ بسببِ الصداعِ وحديثَهُ عن مئةِ عُملةٍ ذهبية، ثم رأيتُ البسكويتَ الذي على شكلِ أرنبٍ أمامي، شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في جسدي.
هل اتّبعَ الكتابَ حرفياً حقاً؟
لكنه، دون أن يُبالي، استمرَّ في تقليبِ الصفحاتِ بوجهٍ غارقٍ في التفكير، ثم قال:
“ما رأيُكِ في هذه؟ الخامسة، القُبلةُ يجبُ أن تكونَ عنيفة.”
ضاقت عينا يُوتياس وهو ينظرُ إلى الكتاب.
قُـ… قُبلة؟ عن ماذا يتحدث!
ابتسمَ برقةٍ ثم أغلقَ الكتابَ بقوة، ونهضَ من مكانِهِ ليقتربَ مني ببطء.
“تـ… توقف! انتظر لحظة! توقف عن هذا! هذهِ جريمة، أتعلم؟”
“هوووم، لكنَّ جسدَ الآنسة كاي يقولُ شيئاً آخر.”
بمجردِ أن أنهى كلامَهُ، بدأ جسدي اللعينُ بالتحركِ والاقترابِ من يُوتياس ببطءٍ مرّةً أخرى.
“لا… ليسَ كذلك! توقف!”
كان وجهُ يُوتياس يقتربُ أكثر فأكثر.
أرجوكُم، فليُساعِدني أحد!
في تلك اللحظةِ تماماً، سُمِعَ دويُّ انفجارٍ وكأنَّ طبلةَ الأذنِ ستتمزق، وتحطمَ البابُ الضخمُ الذي رفضَ أن يُفتحَ وانهارَ تماماً.
“يُوتياس.”
وسطَ الغبارِ الكثيف، انبعثَ صوتٌ جهوريٌّ منخفض.
ومع صوتِ خطواتٍ ثابتة، خرجَ لُويْد من وراءِ البابِ المُحطّم.
وعندما رأى يُوتياس بجانبي، تشنجَ وجهُهُ وتصلب.
”ها ها ها، إنه الابنُ الأصغرُ لعائلة هيلديريوز. ظننتُ أنَّ بطلاً من أبطالِ العدالةِ قد ظهر.”
ابتسمَ يُوتياس ابتسامةً مُتكلفة، ثم نظرَ إليَّ وكأنهُ في موقفٍ مُحرج.
“يا للإزعاج، يبدو أنَّ القُبلةَ يجبُ أن تُؤجلَ للمرةِ القادمة بسببِ هذا الدخيل. يمكنكِ أن تتطلعي لذلك، آنسة كاي.”
ظهرت دائرةٌ سِحريةٌ أرجوانية تحتَ قدمي يُوتياس وبدأت تلمعُ بقوة.
نفضَ ثيابَهُ بسرعةٍ ونظرَ إليَّ وغمزَ بعينِهِ اليسرى، وفي تلك اللحظة…
وُوش!
انغرسَ سهمٌ مُتوهجٌ باللونِ الأحمر تحتَ قدمي يُوتياس.
”أوه… ما هذا؟”
بدأت الدائرةُ السحريةُ التي انغرسَ فيها السهمُ تفقدُ ضوءَها وتتلاشى ببطء.
صفقَ يُوتياس بدهشةٍ وهو يرى ذلك.
“واو! هل أصبحتَ قادراً على إلقاءِ السِّحرِ دونَ تعاويذ مثل دابين؟ هذا تطورٌ مُذهل!”
لكنَّ لُويْد كان يُحدقُ في يُوتياس بنظراتٍ قاتلة.
كانت هالةُ القتلِ تفيضُ منهُ لدرجةِ أنها جعلت جلدي يشعرُ بالوخز.
لويد الذي كان تحتَ تأثيرِ سِحرِ الارتداد، إذا كانت هالتُهُ قويةً لدرجةِ وخزِ الجلد، فمن المؤكدِ أنَّ الشخصَ العاديَّ كان سيُصابُ بأذىً جسيم.
ومع ذلك، ظلَّ يُوتياس واقفاً بتعبيرٍ مُسترخٍ وكأنَّ شيئاً لم يكن.
كان وجهُ لُويْد مُحمراً حتى أُذنيه، وكان يتلعثمُ بكلماتٍ غيرِ مفهومة.
’آه، صحيح. لقد قلتَ إنني الأولى في حياتك.’
لقد كان مُنشغلاً بأعمالِ الدوقيةِ مؤخراً وكان يُظهرُ دائماً جانبَهُ القويَّ أمامي، لكن عندما فكرتُ في الأمر، تذكرتُ أنَّ هذا الرجلَ الذي أمامي ساذجٌ جداً لدرجةِ أنهُ يعتقدُ أنَّ الطفلَ يأتي بمجردِ استيقاظِ الرجلِ والمرأةِ بجانبِ بعضهما في اليومِ التالي.
رغمَ أنهُ الوريثُ الشرعيُّ لعائلةِ الدوق، إلا أنَّ معلوماتَهُ الثقافية صِفر، ولم يُواعد امرأةً قط.
عندما رأيتُ هذا الوسيمَ بوجهِهِ المُحمّر وهو غيرُ قادرٍ على النظرِ في عينيَّ من شدةِ الارتباك، تحركَ قلبي فجأةً.
وقفتُ على أطرافِ أصابعي وأمسكتُ بياقةِ ملابس لُويْد.
ارتعشَ لُويْد ونظرَ إلى وجهي.
كانت وُجهتي بالطبع، هي تلك الشِّفاهُ الرطبة التي قابلتُها قبل قليل.
’لُويْد. ما حدثَ قبل قليل كان مجردَ ملامسةِ شِفاه، أما هذه… فهي قُبلةُ الكِبار.’
فتحتُ عينيَّ قليلاً فرأيتُ عينيهِ الأرجوانيتين قد اتسعتا بشدة.
أغمضتُ عينيَّ مرةً أخرى وابتسمتُ في داخلي.
يُوتياس، أنا آسفة، لكنني أكرهُ المجانين المنحرفين الذين يحبسونَ النساءَ في غُرف ويُحاولونَ تقبيلَهُنَّ قسراً.
هذا الرجلُ البريء هو ذوقي المفضل.
بعد ذلك اليوم، أصبحَ العملُ في مفرِ المُعالجين الإمبراطوري شاقاً ومُرهقاً حقاً.
وفوق ذلك، رغمَ أنَّ دابين هي من حطمت غرفةَ كبارِ الشخصيات، إلا أنها جاءت وطالبت بتعويضٍ عن الضررِ النفسي الذي سبّبهُ يُوتياس وأحدثت جلبةً كبيرة.
لقد حطمت مكتبَ رئيسِ المقرّ تماماً.
وعندما رأى رئيسُ المقرّ ذلك، استشاطَ غضباً وبدأ يتشاجرُ مع دابين ويُشيرُ إليها بإصبعِه.
وفي النهاية، لم يهدأ الأمرُ إلا بعد تدخل حرس القصر الإمبراطوري، وبسبب ذلك الموقف، أصبحتُ منبوذةً من قِبلِ رئيسِ المقرّ.
لذا، تلاشت الامتيازاتُ التي كنتُ أتمتعُ بها في اليوم الأول وكأنها فقاعات.
الكرسيُّ الواسعُ المريح والمكتبُ الفاخر والمكتبُ ذو الإطلالةِ الجميلة أصبح لشخصٍ آخر، وأصبح مكتبي عبارة عن مكتبٍ صغير وعتيق في زاويةٍ منسيّة من المقرّ.
علاوةً على ذلك، بدأ رئيسُ المقرّ اللعينُ بإغراقي بمهام شاقة جداً.
وبسبب المرضى المزعجين ورئيس المقر المستفز، كانت الأيامُ تمرُّ بجهدٍ وعناء.
اقترحت زميلتي لُوسـي أن أخبرَ دابين أو لُويْد، لكنني لم أستطع فعل ذلك لأنَّ صورةَ رئيسِ المقرّ وهو يتشاجرُ مع دابين ظلت عالقةً في ذهني.
في المرةِ السابقة، تراجعوا لأنَّ لُويْد حطمَ غرفةَ كبارِ الشخصيات ودابين حطمت مكتبَ الرئيس، فلم تكن مواقفُهُم قوية، لكن لو أخبرتُهُم الآن، فمن المؤكدِ أنَّ رئيسَ المقرّ سيموتُ أو يعيشُ حياةً أسوأ من الموتِ على يدِ دابين الغاضبة.
لا يُمكنني تحويلُ دابين إلى مُجرمة.
لذا، كان الوضعُ الحاليُّ المُرهق أهونَ عليَّ من الناحيةِ النفسية.
وعندما كان رأسي يُؤلِمني من ضغطِ العملِ الزائد، كنتُ أفكرُ أحياناً في “السيد المبعوث”.
الشخصُ الذي سأل عن أحوالي لأول مرة منذ مجيئي لهذا العالم، واهتمَّ بشأني وكأنهُ شأنه الخاص.
الشخصُ الذي قال إنَّ وجهي يبدو مُتعباً وطلبَ مني العودةَ إليهِ في أيِّ وقتٍ إذا شعرتُ بالإرهاق.
والآن، هو شخصٌ لا يُمكنني لقاؤُه.
قبل رحيلهِ إلى دوركان، وعندما كنتُ أُعاني من ضغطِ العملِ لمدةِ 16 ساعة، جاءَ لزيارتي ومعه هديّة.
عندما حانَ وقتُ الانصراف، ودعتُ زميلتي وخرجتُ من المقرّ.
ومن بعيد، رأيتُ ظِلاً ينتظرني.
“لُويْد”
“كاي.”
كان ينتظرني أحياناً أمام المقرّ عندما يتزامنُ وقتُ خروجهِ مع خروجي.
وبالطبع، كان معهُ تلك العربةُ الضخمة والفاخرة بشكلٍ مُبالغٍ فيه.
“أُخططُ للذهابِ إلى السيدِ الرسول ( المبعوث) اليوم، ما رأيك؟ هل تأتي معي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 50"