الفصل 33
كانَ خـلفَ ظـهـرِهِ حـقيبةُ سـفـرٍ ذاتُ حـجمٍ هـائل.
“الـرحلةُ مـن الـعاصمةِ إلـى جـيرونـيا تـستغرقُ أسـبوعاً كـاملاً بـالـعربة. لـقد جـهزتُ أشـياءَ كـثيرةً لـكي لا تـشعرَ كاي بـأيِّ ضـيقٍ خـلالَ ذلـك. لـن تـكونَ الـرحلةُ مـتعبةً أبـداً.”
نـظرَ إلـيَّ لويد وكـأنـهُ يـنتظرُ مـني مـديحاً.
رؤيـةُ ذلـك جـعلت دابـين تـكتمُ ضـحكـتـها وهي تـراقبُـني.
عـندما اخـتـطفـني إلـى هـنا، اسـتـخدم لـفافةَ انـتـقال، فـلـماذا نـعودُ بـالـعربة؟
قـلتُ لـلـويـد بـحزم:
“لويد، لـقد جـئـنا إلـى هـنا بـاستـخدامِ لـفافةِ الانـتـقالِ الـفوري، فـلـماذا نـعودُ بـالـعربة؟
سـأعـودُ بـاستـخدامِ الـلفافة. إذا كـنتَ تـرغبُ حـقاً فـي ركـوبِ الـعربة، فـلن أمـنعَـك.”
“لـفافةُ انـتـقالٍ… فـوري؟”
تـملكـتني الـحيرةُ وأنـا أنـظرُ إلـى وجـهِ لويد الـيائس.
ألا يُـعـتـبرُ مـن الـبـديهيِّ أنـنا كـما اسـتـخدمـنا الـلفافةَ فـي المـجيء، أن نـستخدمَـها فـي الـعودة؟
دابـين، الـتي كـانت تـحاولُ جـاهدةً كـتمَ ضـحكـتِـها أمـامَ وجـهِ لويد المـنـهار، انـفـجرت بـالـضحكِ فـي الـنهاية.
“هـا هـا هـا! ألـستَ أحـمـقَ تـماماً؟”
“دابـين، لـقد كـنـتِ تـعرفـين كـنـتِ تـعرفـينَ وأنـا أجـهزُ أغـراضـي، ولـم تـخـبرينـي ولـو لـمرةٍ واحـدة؟”
“كـحم، هـه هـه…! لويد، لـقد كـنتَ تـجمعُ أغـراضَـكَ بـحماسٍ لـأنـكَ تـريدُ الـسفرَ مـع كاي، فـكيفَ لـي أن أُفـسدَ عـلـيكَ خـطـتـَك؟”
“أنـتِ… يـا دابـين.”
“بـصراحة، بـما أنـكَ كـنتَ تـجمعُـها بـتـوقٍ شـديد، خـشيتُ أن أُخـبـرَكَ فـتـشعرَ بـالخـيـبة. هـه هـه. أنـا آسـفة، لويد.”
أخـرجت دابـين لـسانـَها وحـكَّـت رأسَـها مـعـتذرةً، مـما جـعلَ لويد يـشعرُ بـالـغيظِ الـشديد.
بـدأت هـالةٌ حـمراءُ تـنـبـعثُ مـن حـولِ جـسدِه.
هـل تـنـويانِ الـشجارَ هـنا أيـضاً؟
لـم أكـن الـوحـيدةَ الـتي شـعرت بـالطاقةِ المـقـلـقة، فـتـدخلَ الـدوق.
“إذن، لـنـستـعدَّ لـلرحيل، يـا كاي.”
فـورَ انـتـهاءِ كـلامِ الـدوق، حـملـتـني دابـين بـخـفةٍ بـينَ ذراعـيـها.
ثـم أخـرجت لـفافةً لا أعـرفُ مـتى أحـضرتـها وصـرخت:
“سـأذهبُ أولاً! سـاحةُ بـرجِ الـساعةِ فـي جـيرونـيا!”
ومـا إن نـطقت بـكـلمةِ الـتـفعيل، حـتى ظـهرت دائـرةٌ سـحريةٌ تـحتَ أقـدامِـنا وبـدأت تـتوهج.
ومـن خـلالِ الـضـوءِ الـساطعِ داخـلَ الـدائرة، رأيـتُ لويد ويـغلي الـغضبُ فـي عـيـنـيـه نـحوَ دابـين.
“تـعالَ راكـبـاً الـعربة.”
أخـرجت دابـين لـسانـَها لـلـويـد بـسرعة.
كـنتُ آمـلُ فـقط ألّا يـتـشاجرا فـي جـيرونـيا.
❁❁❁
تـحولَ المـنظرُ الـضخمُ لـقصرِ هيلديريوز إلـى مـشهدٍ ضـبابيّ، ثـم سـرعانَ مـا تـحولَ إلـى مـنظرِ المـديـنةِ المـألوفِ حـيثُ يـظهـرُ بـرجُ الـساعة.
الـنـافورةُ الـكبيرةُ أمـامَ الـبـرج، والـطرقُ الـحـجريةُ المـنـظمة، والـتجارُ الـنشيطونَ فـي الـشوارع، وحـتى هـواءُ المـديـنةِ الـساحـليةِ المـشبعُ بـرائحةِ المـلـح…!
“لـقد عُـدت!”
صـرختُ بـأعلى صـوتـي، فـنـظرَ إلـيَّ المـارةُ بـاستـغراب.
أوبـس، لـأهـدئ قـليلاً، يـا كاي.
إنـها جـيرونـيا حـقاً.
بـعدَ شـهرٍ مـن اخـتـطافي مـن قـبلِ الأبـطال، ظـلـت جـيرونـيا كـما هي.
كـنتُ قـلـقةً جـداً وخـشيتُ ألّا أعـودَ إلـى هـنا بـسببِ بـقائي فـي هيلديريوز.
انـحـنيتُ لـدابـين شـاكـرةً:
“دابـين، شـكراً لـأنـكِ جـئتِ مـعي إلـى هـنا.”
الآن عـودي، سـأرسلُ لـكِ رسـائلَ اطـمـئنانٍ أحـياناً.
أجـابت دابـين عـلى تـحـيـتي بـابتـسامةٍ عـريضة:
“هـل تـظـنـينَ أنـني سـأرحلُ بـعدَ وصـولي إلـى هـنا فـقـط؟ سـأبـقى لـأستـمـتعَ قـليلاً!”
آه، فـهـمت.
فـي الـحقيقة، لـيسَ مـن الـلائقِ إرسـالُـها هـكذا بـعدَ أن اسـتـخدمت لـفافةً غـالـيةَ الـثمن.
“حـسناً. سـأجـعـلُـكِ تـقومينَ بـجولةٍ سـياحيةٍ رائـعةٍ فـي جـيرونـيا.”
“دابـين!”
فـي تـلكَ الـلحظةِ رُسـمت دائـرةٌ سـحريةٌ بـجانـبـنا وظـهرَ لويد.
اقـتربَ مـن دابـين وهو يـلهثُ غـضباً.
“آه، لويد! وصـلتَ بـاكراً؟ ألـم تـكن سـتأتي بـالـعربة؟”
اسـتـفزت دابـين لويد بـكلِّ مـا أوتـيت مـن قـوة.
لا، أيُّـها الـرفـيقان الـشجارُ مـمـنوعٌ هـنا.
سـارعتُ بـالـتحدثِ لـتـشـتيتِ انـتـباهِ الـتـوأمين:
“دابـين، لويد، هـناك مـطعمٌ مـشـهورٌ جـداً هـنا فـي جـيرونـيا! مـا رأيـكما أن نـذهبَ إلـى هـناك؟”
“أوه، هـذا جـميل. لـنـذهب إذن.”
دابـين، الـتي كـانت تـثيرُ أعـصابَ لويد، أمـسكت بـذراعـي.
رؤيـةُ ذلـك جـعلت تـعبيراتِ وجـهِ لويد تـزدادُ سـوءاً.
“لويد، تـعالَ بـسرعة أو يـمكنُـكَ المـجيءُ بـالـعربة.”
أخـذتُ دابـين الـتي لا تـتوقفُ عـن المـزاحِ ولويد الـذي يـكتمُ غـضـبَهُ إلـى كـشكٍ قـريب.
المـكانُ الـذي أتـوجهُ إلـيهِ هو أحـدُ أكـثرِ الأماكنِ شـعبـيةً فـي جـيرونـيا، لـذا كـان الـناسُ يـصـطفونَ فـي طـوابـير.
وقـفتُ خـلفَ الـناسِ وتـرددتُ قـليلاً.
آه، بـالـمناسبة، هـما أبـناءُ عـائلةِ نـبلاء، فـهل سـيـأكلانِ طـعامَ الـشوارعِ هـذا…؟
لـم يـدم تـرددي طـويلاً، فـقد طـمـأنـتني صـرخةُ دابـين:
“واو! هـذه مـقـلـياتُ ‘جـونـيـبـر’ الـشهيرةُ فـي جـيرونـيا! لـقد سـمعتُ أنـها لـذيـذةٌ جـداً!”
لـقد عـرفت مـقـلـياتِ “جـونـيـبـر” الـلـذيـذة، طـعامُ الـشوارعِ الـذي لا يُـؤكلُ إلا فـي جـيرونـيا.
مـقـلـياتُ جـونـيـبـر هي طـعامٌ يـمـيـزُ هـذهِ المـنطقة، حـيثُ تُـقطعُ لـحومُ الأسـماكِ الـطريـة، والـروبـيانُ الـسمـيك، والأخـطبوطُ الـعـملاقُ الـذي لا يُـصطادُ إلا فـي جـيرونـيا، ثـم تُـخلطُ وتُـقـلى فـي الـزيتِ حـتى تـصبحَ مـقرمشة.
عـندما تـغـمـسُ المـقـلـياتُ الـساخـنةُ فـي الـصلصة، فـإنَّـها تـصبحُ طـعاماً سـحرياً يـجعلكَ تـرغبُ فـي مـشروبٍ بـجانـبه.
“بـما أنـنا فـي جـيرونـيا، سـأدفعُ أنـا الـثمن!”
فـي تـلكَ الـلحظة، شـعرتُ وكـأنـني أحـاولُ الـتظاهرَ بـالـثراءِ أمـامَ أبـناءِ عـائلةِ الـدوقِ الـذين يـنـفقونَ المـالَ كـالماء، وكـأنـني أشـتري لـهم فـطيرةً بـسيطة، ولـكن لا بـأس.
بـعدَ انـتـظارٍ طـويل، جـاءَ دوري أخـيـراً.
أخـيـراً دوري!
بـسببِ تـفـكيري فـي الـطعامِ الـذي لـم آكـلـهُ مـنذُ مـدة، تـحدثتُ إلـى صـاحبِ المـحلِ بـابتـسامةٍ مـشرقة:
“مـرحباً أيُّـها الـرئـيس، مـرت مـدةٌ طـويـلة. أريـدُ ثـلاثَ حـصصٍ مـن مـقـلـياتِ جـونـيـبـر لـلـسفري!”
هـذا الـكشكُ بـالـذاتِ كـنتُ أزورهُ كـثـيراً لـأنَّ كـمـيـتـهُ وفـيرةٌ جـداً.
“أيَّـتـُها المـعالجـة، مـرت مـدةٌ طـويـلة.”
عـرفـني صـاحبُ الـكشكِ وابـتـسمَ بـفرح.
“لـم تـظهـري لـفترة، فـخـشيتُ أنَّ مـكروهاً قد أصـابَـكِ بـما أنـكِ جـئتِ بـعدَ غـيـاب، سـأعـطـيـكِ الـكثـير. رؤيـةُ وجـهـكِ أيَّـتـُها المـعالجـةُ تـزيـلُ الـتعبَ وتـجعلُنـي بـخير.”
بـدأ الـرجلُ بـالـثرثرةِ وهو يـضعُ المـقـلـياتِ الـساخـنةَ بـكـرمٍ شـديد.
وسـرعانَ مـا قـدمَ لـي كـيساً مـلـيئاً بـالمـقـلـياتِ الـتي تـشبهُ الـجـبل.
“لا داعـي لـدفعِ المـال. أرجـوكِ زوريـنا دائـماً.”
قـالَ الـرجلُ وهو يـشـعرُ بـالخـجل.
هـذا الـرجلُ بـدأ مـجدداً.
عـندما كـنتُ أحـاولُ إخـراجَ الـعـملاتِ مـن جـيـبي لـأرفضَ كـرمَهُ كـالـعادة.
“مـرفـوض، خُـذ حـقـكَ الـعادِل.”
مـن خـلفـي، نـظرَ لويد إلـى صـاحبِ المـحلِ بـتـعبيراتٍ مـخـيفةٍ وقـدمَ لـهُ المـال.
عـندما ارْتـبـكَ الـرجلُ وأخـذَ المـال، وضـعَ لويد يـدهُ فـجأةً عـلى كـتـفي وقـال:
“إذن، لـنـنـتقل إلـى مـكانٍ آخـر.”
وكـانت عـيـناهُ لا تـزالانِ تـنظرانِ بـحقدٍ إلـى صـاحبِ الـكشك.
وبـسببِ رغـبـتي فـي ألّا يـنجرحَ صـاحبُ المـحلِ الـطيـب، انـتـقـلـتُ بـسرعةٍ إلـى مـكانٍ آخـر.
❁❁❁
“هـذا هو مـعـلمُ جـيرونـيا، مـيناءُ جـيرونـيا!”
“واو! مـن الـجميلِ رؤيـةُ الـبحرِ بـعدَ مـدة!”
الـناسُ الـذين يـتحركونَ بـنـشاط، والـسفنُ الـكبيرة، وطـيـورُ الـنورسِ الـصارخة، والـبحرُ المـلـيءُ بـالرائحةِ المـلـحـية، هـذا هو المـكانُ المـثاليُّ لـأولئك الـذين يـعيشونُ فـي الـيابـسةِ فـقط.
لـقد اعـتـقـدتُ أنـهُ أفـضلُ مـكانٍ سـياحيٍّ لـهم.
كانت دابـين مـتـحمـسةٌ جـداً بـسببِ الأفـقِ الـواسع.
ولـكن فـي المـقابل، لـم تـكن تـعبيراتُ لويد جـيـدةً مـنذُ أن تـسـلمَ مـقـلـياتِ الـسمكِ مـن الـكشك.
“لويد، ألا تـحبُّ الـبحر؟”
ولـكنـهُ أجـابَ عـلى سـؤالي بـإجابةٍ مـختـلفةٍ تـماماً.
“كاي، ذلـك الـرجلُ قـبلَ قـليـل هـل تـقـابـلـيـنـَهُ كـثـيراً؟”
“آه، مـن؟ صـاحبُ الـكشك؟ بـما أنـني زبـونـةٌ دائـمة، أذهبُ لـلـشراءِ هـناك كـثـيراً، لـذا رأيـتُـهُ كـثـيراً.”
بـالـواقع، أنـا زبـونةٌ مـهمةٌ جـداً فـي ذلـك الـكشك.
“لا تـقـابـلـي ذلـك الـرجلَ كـثـيراً.”
“نـعم؟”
“نـظراتُـهُ مـريـبة.”
مـا هـذا الـهراءُ بـحقِّ صـاحبِ المـحلِ الـطيـبِ الـذي يـعطي طـعاماً وفـيراً ولـذيـذاً؟
عـندما كـنتُ أحـاولُ الاحـتجاج، تـذرعَ لويد بـأنهُ يـشعرُ بـالـعطشِ وسـيـشتـري مـشروباً ودخـلَ مـحلاً قـريـباً.
“مـا بـالُ لويد؟”
سـألت دابـين بـتـعبيراتٍ مـتـحيـرة.
ألـيست هـذهِ غـيرة؟
حـاولتُ كـتمَ الإجابةِ فـي حـلـقي.
“كـحم، سـأذهبُ لـأرى حـالـتَه. كاي، لا تـذهبـي لـأيِّ مـكانٍ وابـقـي هـنا.”
ركـضت دابـين نـحوَ المـحلِ الـذي دخـلـهُ لويد.
بـقـيتُ وحـدي وغـرقتُ فـي تـفـكيري.
كـنتُ أعـلمُ مـنذُ مـدةٍ أنَّ لويد يـحبُّـني.
إعـطاؤُهُ لـي عـقـداً ثـمـيـناً، والـهدايا الـصغيرةُ الـتي يـشـتريـها لـي رغـمَ انـشغـالـهِ بـالعمل، ونـظراتُـهُ الـتي أشـعرُ بـها أحـياناً، واحـمـرارُ وجـهـهِ عـندما تـلـتـقي أعـيـنُـنا.
لـن يـكونَ المـرءُ غـبـياً لـدرجةِ ألّا يـلاحظَ ذلـك.
وأنـا أيـضاً لـم أكـن أكـرهُ لويد.
رغـمَ أنَّ حـمايـتـَهُ المـفرطةَ واهـتـمامَهُ كـانا مـرهـقـين، إلا أنَّ شـعوري كـان جـيـداً.
أعـيشُ فـي هـذا الـعالمِ مـنذُ عَـشرِ سـنوات، عـشتُ وحـيدةً بـلا أقـارب، لـذا كـان حـبُّ شـخصٍ آخـرَ لـي حـلواً جـداً.
ولـكن، بـما أنـني عـشتُ كـمواطنةٍ عـاديةٍ بـسيطةٍ قـبلَ الانـتـقالِ إلـى هـنا وحـتى الآن، فـإنَّ خـلفـيـتـَهُ كـانت تـشكلُ ضـغطاً كـبـيراً عـليَّ.
الـقصرُ الـفخم، والـخدمُ الـكثيرون، والمـكانةُ الـعالـية، والـقوةُ الـنـفـسيةُ الـلازمةُ لـتحملِ كـلِّ ذلـك.
هـناك مـثـلٌ يـقول : “مـن يـريدُ ارتـداءَ الـتاج، عـليهِ تـحملُ وزْنـِه.”
عـندما تـذكرتُ الـواجـباتِ الـكثـيرةَ الـتي يـجبُ عـلى الـنبلاءِ تـحمـلُـها، والـتي تـعلمتُـها فـي هيلديريوز، شـعرتُ بـالدوار.
مـن إدارةِ الأراضي إلـى الـحياةِ الاجـتـماعية.
لـم أكـن أمـلـكُ الـقدرةَ عـلى تـحملِ ذلـك الـوزن.
كـان يـنـاسـبُـهُ ابـنةُ نـبلاءٍ حـكيـمةٌ أكـثرُ مـن فـتاةٍ عـاميةٍ تـقـمصت شـخصـيةً فـي هـذا الـعالم.
بـما أنـني عُـدتُ الآن إلـى جـيرونـيا، فـإنَّ غـيـرتـَهُ هـذهِ لـن تـكونَ إلا لـهذهِ الـلحظة.
بـمجردِ عـودتـهِ إلـى الـعاصمة، سـيـنسى الأمـرَ بـسرعة.
فـالـقـاعدةُ تـقول “الـبعيدُ عـن الـعين، بـعيدٌ عـن الـقـلب.”
ربـما سـأشـتاقُ أحـياناً لـحُـبـهِ الـأخرق الـذي كـان يـقـدمُـهُ لـي.
مـتى سـأحـصلُ عـلى حـبِّ سـيدٍ شـابٍّ وسـيمٍ مـرةً أخـرى؟
ولـكن يـكـفي أنـني حـظـيـتُ بـالحـبِّ لـمرةٍ واحـدة.
لـديَّ الـعديـدُ مـن الـعلاقاتِ الـتي كـونـتُـها فـي جـيرونـيا.
يـمكنُ مـلءُ الـحـبِّ بـحـبٍّ آخـر.
لـقد انـتـهـيتُ مـن الاسـتـعدادِ لـوداعِـهِ بـهـدوء.
فـي تـلكَ الـلحظة، تـحدثَ إلـيَّ شـخصٌ مـا.
“أوه؟ ألـستِ الـكبيرةُ كاي؟”
بـسببِ الـتحـيةِ المـفاجئة، رفـعتُ رأسي بـسرعة.
أمـامي كـان يـقـفُ رجـلٌ نـحـيـلٌ يـرتدي زيَّ المـعالجينَ الإمـبراطوري.
شـعرٌ بـلونٍ بـيـج، وعـيـنانِ تـلـمعانِ بـالاحـترامِ والـتـقديـرِ وهـو يـنظرُ إلـيَّ.
بـدا هـذا المـنظرُ مـألوفاً جـداً.
°واو! لـقد كـنـتِ رائـعةً حـقاً قـبلَ قـليل! لـماذا أنـتِ فـي جـيرونـيا؟ بـمـهارتِـكِ أيَّـتـُها الـكـبـيرة، يـمكنُـكِ الـذهابُ إلـى الـعاصمةِ والـحـصولُ عـلى تـرقـيةٍ اسـتـثـنائية!°
لـقد كـان مـعالجاً جـديـداً انـضـمَّ هـذا الـعام مـع مـيـكا.
كـان يـرافقُ مـيـكا دائـماً ويـثـني عـلى كـلِّ عـملٍ أقـومُ بـه كـلما سـنحت لـهُ الـفـرصة.
دَعـني أرى، مـا كـان اسـمـه؟
“زاد؟”
التعليقات لهذا الفصل " 33"