بمجردِ خروجِنا من ساحةِ التدريب، احتضنني بينَ ذراعيه.
كانت هذهِ هي المرةُ الثالثةُ التي يحملُني فيها “حملةَ الأميرة”.
“أنزِلني من فضلك. يمكنني المشيُ وحدي.”
“اِبقي هادئةً يا كاي. سـأستخدمُ السحرَ للوصولِ إلى المبنى الرئيسيِّ فوراً.”
تـخبطتُ رغبةً في النزولِ بـسببِ الإحراج، لكنني كنتُ بلا حيلةٍ أمامَ قوتِهِ الكبيرة.
“على كلِّ حال، لقد سمعتُ من الخادمة. لماذا أتيتِ لرؤيتي؟ لو قُلتِ كلمةً واحدةً لكنتُ قد أتيتُ إليكِ في الحال.”
“آه… ذلـك.”
كان السببُ الوحيدُ لمجيئي لرؤيتِهِ هو أن أطلبَ منهُ إعادتي إلى زيرونيا.
ولكن بما أنهُ قد قدمني أمامَ الفرسانِ على أنني سيدةُ قصرِ هيلديريوز، كانت نـفسيتي أضعفَ من أن أقولَ لهُ مباشرةً إنني سـأعودُ إلى زيرونيا، لذا لم يكن أمامي خيارٌ سوى التحدثِ بـشكلٍ مـلتوٍ.
“آه… أهاهاها. نعم، الراتبُ ضئيلٌ جداً مقارنةً بالعملِ الذي أقومُ به.”
ضحكتُ بـارتباكٍ أمامَ كلماتِهِ التي أصابت الحقيقةَ وأكملتُ حديثي:
“رغمَ ذلـك… لقد دخلتُ ذلكَ المكانَ بـعدَ اجتيازِ الاختبارِ الوطني. هناكَ جبلٌ من العملِ الذي يجبُ أن أُنهيَه، كما أنني أشتاقُ لرؤيةِ أصدقائي الذين أعيشُ معهم… لـذا أشعرُ بـبعضِ الضيق. فـهل يمكنُكَ… أن تـأخذني إلى زيرونيا… من فـضلك؟”
بينما كنتُ أنظرُ إليهِ بـأعينٍ متسعةٍ ومترجية، وقعت نظراتُ لويد على يدي.
“هذا الخاتمُ في يدِكِ… هل تـعرفينَ ما هو؟”
أطلبُ منهُ إعادتي إلى زيرونيا، فـلماذا يتحدثُ عن الخاتم؟
“كلا؟”
“إنهُ خاتمُ ‘لورينغيل’. لقد وجدتُهُ في سردابِ ‘أسينتا’.”
خاتمُ لورينغيل… لقد سمعتُ بهذا الاسمِ كثيراً؟
في تلكَ اللحظة، خطرت فكرةٌ في ذهني فجأة.
خاتمُ لورينغيل
كان الخاتمَ الذي وضعتهُ دابين في يدِ البطلِ الأصليِّ خلالَ حفلِ الزفافِ في نهايةِ الرواية.
“إنهُ خاتمٌ سحريٌّ صنعهُ القدماءُ وهم يـعاهدونَ بعضَهم على الحب. يمكنُ من خلالِهِ معرفةُ ما إذا كان الطرفُ الآخرُ حياً أم ميتاً. ألم تـرَي الدائرةَ السحريةَ المنقوشةَ على قلبِكِ؟”
بـالفعل، كانت هناكَ دائرةٌ سحريةٌ مـجهولةُ الهويةِ مرسومةٌ على قلبي.
كلُّ ما في الأمرِ أنني لم أهتمَّ بها لأنني كنتُ مـشتتةً…
“المشكلةُ هي أنهُ إذا ابتعدتِ عن الطرفِ الآخرِ لمسافةٍ تـتجاوزُ حداً معيناً، سـيحدثُ صدمةٌ في قلبِكِ.”
مـ… ماذا قُـلت؟
“المسافةُ ربما تـزيدُ عن 50 كيلومتراً، لذا إذا عدتِ إلى زيرونيا، سـيُصابُ قلبُكِ بـصدمة. وإذا استمرت تلكَ الصدمة، فقد تـموتين.”
“لـ… لقد وضعتَ خاتماً كهذا في يدي…؟”
اهتزت حدقتا عينِ لويد قليلاً وهو ينظرُ إلى تعبيراتِ وجهي المذعورة.
“كيف يمكنُ نزعُ هذا الخاتم؟”
“ذلـك…”
هل يجبُ أن أبقى هنا للأبدِ في حينِ أنَّ البطلةَ تـتربصُ بي لـتقتلني؟
أمسكَ بي لويد بـقوةٍ وصرخَ بـعزيمة:
“أنا، يمكنني تـحملُ المسؤولية.”
هل تـظنُّ أنَّ تحملَ المسؤوليةِ يـحلُّ كلَّ شيء؟ أيها الرجل! هل تـعرفُ كم مرةً قُـلتَ هذهِ الكلمة؟!
في تلكَ اللحظةِ تماماً…
“واو. المشهدُ جميلٌ يا لويد.”
كانت دابين تـقفُ هناك، ولا أعرفُ متى وصلت.
شعرتُ بـهالةِ القتلِ تـنبعثُ من دابين المبتسمة، لـدرجةِ أنَّ بشرتي بدأت تـوخزُني.
“تـنحَّي جانباً يا دابين.”
رداً على كلماتِ لويد، أفسحت دابين الطريقَ بـصمت.
بينما كان لويد يمرُّ من جانبِها متجاهلاً إياها، تـحدثت دابين:
“هل تـعرفُ يا لويد؟ لقد طلبَ مني والدي أن أتولى تـعليمَ زوجةِ أخي.”
عندها التفتَ لويد بـسرعةٍ وسأل:
“ماذا يعني هذا؟”
“بما أنكَ سـتكونُ مـشغولاً بـأعمالِ الخلافة، فقد طلبَ مني ذلكَ لأنني متفرغةٌ نـسبياً. من أجلِ زوجةِ أخي التي تـحولت فجأةً من عاميةٍ إلى نبيلة، سـأقومُ بـإخبارِها بـآدابِ عائلةِ هيلديريوز وكيفيةِ تـصرفِ النبلاء.”
“لا حاجةَ لـمثلِ هذا الهراء.”
“هذا رأيُكَ أنت.”
“دابين!”
رداً على صرخةِ لويد، ضحكت دابين ووجهت كلامَها إليّ:
“يا زوجةَ أخي، أرجو أن تـعتني بي جيداً في المستقبل! واِعلمي أنني أكونُ صـارمةً قليلاً كـمـعلمة لكِ.”
عندما وصلنا إلى المبنى الرئيسيِّ بينما كان لويد يحملُني، كان في انتظارنا زوجا الدوقِ هيلديريوز.
نـظرا إلينا ونحنُ ندخلُ مـعاً بـابتسامةٍ راضية.
بينما كنتُ أقدمُ الشاي بـلطف، أخبرني الدوقُ أنَّ دابين قـررت تـعليمي آدابَ العائلاتِ النبيلةِ والعديدَ من العلومِ كـنوعٍ من الاعتذار.
لويد، الذي كان قد خاضَ نـزاعاً مع دابين بـشأنِ هذا الأمر، عارضَ بـشدة، كما أبدت زوجةُ الدوقِ قـلقَها، لكنَّ قرارَ الدوقِ كان حازماً.
كان يـرى أنَّ لويد، الذي تـتراكمُ عليهِ الأعمالُ كـوريثٍ قادم، لا يمكنُهُ تولي مـهمةِ تـعليمي.
عندما دخلَ رئيس الخدمِ لـيخبرَ الدوقَ وزوجتَهُ بـأنهما مطلوبانِ بـشكلٍ عاجل، اعتذرا وخرجا من الغرفة.
عندها تـنهدَ لويد وجـثا على ركبتيهِ عندَ قدمي.
قامَ لويد بـعضِّ أصبعِهِ لـيخرجَ منهُ الدم، ثم بدأ يـرسمُ دائرةً سحريةً بـالدمِ النازفِ على الأرضِ فوراً.
“ماذا تـفعل؟”
صرختُ مـندهشةً من تـصرفِ لويد المفاجئ، لكنهُ لم يـرد.
بـمجردِ اكتمالِ الدائرةِ السحريةِ المصنوعةِ من الدم، بدأت تـتوهجُ بـاللونِ الأحمر.
يا لـهذا التناقض! لقد طلبَ مني بـوجهٍ جادٍ ألا أؤذيَ جسدي، ثم يقومُ هو بـعضِّ أصبعِهِ وجرحِ نـفسِهِ بـعدَ أقلَّ من ثلاثينَ دقيقة.
بينما كنتُ أشعرُ بالذهول، فُـتحَ البابُ بـقوةٍ ودخلت دابين.
نـظرت إلينا، أنا ولويد الجاثي تـحتي، ثم رأت الدائرةَ السحريةَ المرسومةَ على الأرضِ فـقطبت حاجبيها.
“لقد جُـننتَ يا لويد.”
لم يـهتم لويد بـما إذا كانت أختُهُ تـشتمُهُ أم لا.
التعليقات لهذا الفصل " 26"