بمجردِ خروجِها، ارتخت ساقايَ المرتجفتانِ وهويتُ جالسةً على الأرضِ دونَ وعيٍ من شِدّةِ التوتر.
يبدو أنَّ دابين كانت تؤمنُ بـقوةٍ أنني إيفليانا، وتعتقدُ أنني تسللتُ إلى عائلةِ هيلديريوز بـخطةٍ خفية.
ارتجفَ جسدي مجدداً عندما تذكرتُ نظراتِ دابين المليئةِ بـالسم.
ظللتُ جالسةً أرتجفُ حتى أحضرتِ الخادماتُ طعامَ الإفطار.
أنا لستُ إيفليانا الحقيقية.
لماذا أتيتُ إلى هذا المكانِ وأعاني كلَّ هذا العناء؟
فوجئتِ الخادمةُ التي أحضرتِ الإفطارَ برؤيةِ حالتي، فوضعت غطاءً كان على السريرِ فوقَ كتفيَّ.
“هل تشعرينَ بـبردٍ شديد؟”
لا، بل أنا خائفةٌ فقط.
دخلت خادماتٌ أخرياتٌ ومعهنَّ حطبٌ لـلمدفأةِ وأشعلنَ النار.
بـعدَ شربِ الشاي الذي قدمنَهُ لي، بدأ جسدي المرتجفُ يهدأُ تـدريجياً.
كنتُ أرغبُ في الهروبِ من هذا المكانِ المرعبِ بـأسرعِ وقت.
لكنني شعرتُ أنني لو هربتُ سراً، سـتمسكُ بي دابين وتـحبسُني في سجنٍ عميقٍ تحتَ الأرض.
في تلكَ اللحظة، تذكرتُ لويد.
لـأجرب أولاً أن أطلبَ من لويد إعادتي إلى زيرونيا.
لـأقلها على الأقل.
لا أظنهُ سـيطوي عمودي الفقريَّ أو يحبسُني في قبوٍ إذا أخبرتُهُ برغبتي في العودة.
لم أتناول من الطعامِ إلا القليل، ثم أمسكتُ بـالخادمةِ التي كانت تهمُّ بـأخذِ الصينيةِ وطلبتُ منها أن تأخذني إلى لويد.
“لقد قالوا إنَّ الآنسةَ تحتاجُ إلى الراحةِ التامةِ الآن؟”
“أرجوكِ، هذا طلبٌ ملحّ. أو على الأقلِ دليني على الطريق. أرجوكِ.”
استسلمتِ الخادمةُ لـطلبي الملحِّ وقالت:
“السيّدُ الصغيرُ يكونُ في هذا الوقتِ عادةً في ساحةِ التدريبِ الخاصة. سـيكونُ من الصعبِ عليكِ الذهابُ وحدَكِ، لذا سـأرافقُكِ.”
أخرجت مـلابسَ الخروجِ من الخزانة. ورغمَ إصراري على ارتدائِها بـنفسي، إلا أنها أصرت على مساعدتي حتى النهاية، ثم قادتني إلى ساحةِ التدريبِ حيثُ يوجدُ لويد.
“إذا شعرتِ بـتعب، أخبريني فوراً.”
مشيتُ خلفَ الخادمة.
كان أمامَ المبنى حديقةٌ كبيرةٌ ومنسقةٌ بـشكلٍ رائع.
كانت هناكَ ممراتٌ من الحصى الأبيضِ تـلتوي في الحديقة، وبعدَ مشيٍ طويلٍ خلفَها، أشارتِ الخادمةُ بـيدِها إلى أحدِ المباني الكبيرةِ الظاهرةِ من بعيد.
“تلكَ هي ساحةُ التدريبِ الخاصةِ بـالسيّدِ الصغير.”
يا لـهذا البذخ! ساحةُ تدريبٍ لـشخصٍ واحدٍ فقط؟ إنها ضخمةٌ جداً.
بما أنَّ الأرضَ نفسَها شاسعة، فلا بدَّ أن تكونَ مساحةُ التدريبِ بهذا الحجم.
لولا وجودُ الخادمةِ لـتوجيهي، لـضعتُ في هذهِ الملكيةِ الهائلة.
أدركتُ حينها أنَّ خـطةَ الهروبِ وحدي كانت جـنوناً.
لو خرجتُ وحدي لـضللتُ الطريقَ وأمسكت بي دابين وأرسلتني إلى القبو.
أجسادُ الفرسانِ التي كانت مـغطاةً بـالدماءِ والجروحِ بـدأت تُـشفى في لمحِ البصر.
ارتبكَ المانتيكورُ عندما رأى عشراتِ الفرسانِ يـتعافونَ في وقتٍ واحد.
“هيا! استعيدوا قـوتَكم مـجدداً!”
عندما صرخَ رجلٌ يـبدو أنهُ قائدُ الفيلق، اندفعَ الفرسانُ الآخرونَ نـحوَ المانتيكور مع صـيحةٍ قـوية.
تـشجعوا أيها الفرسان!
رغمَ عودةِ الفرسانِ لـلقتال، إلا أنَّ المانتيكور ظلَّ وحشاً لا يُستهانُ به.
لم يستسلم وهاجمهم بـإصرار.
ولكن بـما أنَّ العلاجَ الجماعيَّ يـستمرُّ بـشكلٍ لانهائيٍّ طالما يـوجدُ “مانا” في الدائرةِ التي رسمتُها، سـقطَ الوحشُ في النهايةِ بـصوتِ ارتطامٍ قـويٍّ تـحتَ هجماتِ الفرسانِ الذين لا يـتوقفُ شـفاؤهم.
الفرسانُ الذين كانوا على وشكِ الموتِ قبلَ وصولي، استعادوا حـيويتَهم وبدأوا يـتحدثونَ حولَ جثةِ المانتيكور.
الحمدُ لله. لقد نـجا الجميع!
الآن، سـأذهبُ لـلقاءِ لويد.
في تلكَ اللحظةِ التي كنتُ أمسحُ فيها الدائرةَ السحريةَ التي بدأت تـتبخر…
“ما الذي أتى بـكِ إلى هنا؟”
شعرتُ بـأنفاسٍ وصوتٍ رخـيمٍ قـريبٍ جداً من أذني.
“…؟”
التفتُّ بـسرعةٍ من المفاجأة، فـتلاقت عيناي بـعينينِ بنفسجيتينِ كانت قـريبةً جداً من وجهي.
“السيّد لويد؟”
رائحةٌ مـنعشةٌ مع رموشٍ طويلةٍ وأنفٍ حادٍّ مرت بـأنفي.
بـسببِ الظهورِ المفاجئ لـهذا الرجلِ الوسيم، كادَ قـلبي يـنفجر لـدرجةِ أنني فـكرتُ لـلحظةٍ في البقاءِ هنا والزواجِ منهُ بدلاً من الذهابِ إلى زيرونيا.
تـماسكي يا كاي، تـذكري دابين التي تـستهدفُ حـياتَكِ!
“جسدُكِ ليسَ بـخير، ماذا كنتِ تـفعلين؟”
اتجهت نظراتُهُ نـحوَ الدائرةِ السحريةِ التي كنتُ أحاولُ مـسحَها بـجد.
“هذا؟”
أمسكَ لويد بـيدي اليمنى وهو مـندهش.
أصبعي الذي أمسكت بهِ يدُ لويد الكبيرة، كان مـصاباً بـجرحٍ سـيئٍ بـسببِ عـضي لـه بـكلِّ قـوتي.
تـصلبت ملامحُ وجهِ لويد وهو يُـمسكُ بـيدي.
“لماذا استخدمتِ سحرَ العلاجِ الجماعيِّ هنا؟”
هل فـعلتُ شيئاً خـاطئاً؟
ارتبكتُ أمامَ سؤالِهِ الذي تـقطرُ منهُ البرودةُ وأجبت:
“ذلـك… لأنَّ وحشاً ظهرَ في ساحةِ التدريب.”
“وحش؟”
“رأيتُ الفرسانَ مـصابينَ بـجروحٍ بليغة، فـخفتُ أن يـحدثَ مكروه…”
كان وجهُ لويد مـليئاً بـالبرودِ بينما كنتُ أجيبُ بـصوتٍ خـفيض.
“هل طلبَ منكِ الفرسانُ المساعدة؟”
“آه… لا.”
“فيلقُ هيلديريوز يـتدربُ شـهرياً على وحوشٍ تـمَّ أسرُها من السراديب. هذا أمرٌ معتاد. والمعالجونَ في الفيلقِ يـتولونَ أمرَ الجروح، لـقد قـمتِ بـعملٍ غيرِ ضروري.”
لقد كان مكاناً مـجنوناً رغمَ عِلمي بـقوةِ فـرسانِ هيلديريوز وصـرامةِ تـدريباتِهم، إلا أنَّ التدريبَ على وحوشٍ ضخمةٍ مثل المانتيكور شـهرياً يـبدو كـمهنةٍ شـاقةٍ لـلغاية.
هل يـكرفونَ أتباعَهم لأنهم هم أنفسُهم أقوياء؟
اعتذرتُ لـه وأنا أشعرُ بـالأسى على الفرسانِ الذين يـخاطرونَ بـحياتِهم من أجلِ المال.
حسناً، لقد كان تـصرفي غـيرَ ضروريٍّ بـالفعل.
“لقد رأيتُ المانتيكور الذي لم أرهُ إلا في الكتب، فـأخطأتُ دونَ قـصد. عـادةً ما أتـحركُ تـلقائياً عندما أرى أناساً مـصابينَ بـجروحٍ خطيرة إنهُ تـصرفٌ لا إراديٌّ بـسببِ المـهنة… أنا آسفةٌ لـتداخلي في تـدريبِ الفرسان.”
“مانتيكور؟”
عندما اعتذرت، التفتَ لويد بـسرعةٍ نـحوَ ساحةِ التدريب.
“ما هذا…”
عندما وقعت عيناهُ على جثةِ المانتيكور وسطَ الفرسانِ الذين يـتحركون بـانشغال، بـدا عليهِ الذهولُ الواضحُ وأمسكَ بـيدي فـجأة.
“هل تـأتينَ مـعي لـلحظة؟”
“نـ… نعم؟”
ولكن قبلَ أن يسمعَ ردي، قادني بـخفةٍ داخلَ ساحةِ التدريب.
شعرتُ بـنظراتِ الفرسانِ تـتجهُ نـحوي، لكن بـإشارةٍ من يدِ لويد، أعادوا نـظراتِهم وواصلوا أعـمالَهم.
“السيّد لويد!”
ركضَ رجلٌ يرتدي زيَّ القائدِ ونادى باسمه.
“ماذا يـحدثُ هنا يا تـيرنر؟ ألم يكن وحشُ التدريبِ اليوم هو ‘غوبلن الهياكل العظمية’؟”
أجابَ تـيرنر بـنبرةٍ عسكريةٍ حازمة:
“نعم، هذا صحيح. ولكن ما خرجَ من أداةِ الختمِ كان المانتيكور.”
“مانتيكور…؟”
“يـبدو أنَّ الختمَ على المانتيكور الذي أسـرهُ السيّدُ لويد العامَ الماضي من سردابِ ‘جـينشو’ قد تـحطمَ قليلاً، وتـسربَ إلى أداةِ خـتمِ غوبلن الهياكلِ العظميةِ المجاورة.”
بدأ وجهُ لويد يـرتجفُ قليلاً.
“هذا جـنون. كيف تـديرونَ أدواتِ الختم! كم عددُ الضحايا؟”
عندما صرخَ لويد بـغضب، أجابَ تـيرنر بـارتباك:
“قد لا تـصدق، ولكن لا يوجدُ ضحيةٌ واحدة. عندما كنا على وشكِ الإبادة، استخدمَ شـخصٌ ما سحرَ العلاجِ الجماعي بـفضلِ ذلك، لم يُـصب أيُّ فـردٍ من الفيلقِ الخامسِ أو المعالجينَ بـأيِّ جـرح.”
اتجهت نظراتُ لويد نـحوي مـجدداً.
كان وجهُهُ لا يـزالُ صـارماً، لكنهُ قـبّلَ ظهرَ يـدي بـلطفٍ وقال:
“هذا بـفضلِكِ. شكراً لكِ.”
في تلكَ اللحظة، شعرتُ بـنظراتِ الفرسانِ في الساحة، بـما في ذلك تـيرنر، تـخترقُ مؤخرةَ رأسي.
لكنَّ لويد لم يـهتم.
“ولكنني لا أستطيعُ مـسامحتَكِ على إيذاءِ جسدِكِ. لا تـفعلي ذلكَ مـجدداً.”
عندما رفعَ لويد شـفتيهِ عن يدي، استغلَّ تـيرنر الفرصةَ وتحدثَ بـحذرٍ وهو يـراقبُ الموقف:
“عـذراً… السيّد لويد، مَن تـكونُ هذهِ السيدة…؟”
أجابَ لويد بـابتسامةٍ خـفيفةٍ وهو يـنظرُ إلي:
“إنها الشخصُ الذي أنقذَ جـميعَ أفرادِ الفيلقِ الخامسِ اليوم وهي الـمرأةُ التي سـتـكونُ سـيدةَ قـصرِ هـيلديريوز مـستقبلاً.”
وبـمجردِ انـتهائِهِ من الكلام، انـطلقت صـيحاتُ الـفرسانِ لـتـملأَ سـاحةَ الـتـدريب.
التعليقات لهذا الفصل " 25"