الفصل 24
طـق طـق طـق.
طرقَ الزائرُ بابَ غرفتي.
“هل يمكنني الدخول؟”
لقد كان لويد.
عندما دخلَ لويد بـتعبيراتِهِ الكئيبة، كانت دابين قد اختفت بالفعلِ في لمحِ البصرِ مع الدائرةِ السحريةِ المتوهجةِ تحتَ قدميها.
“السيّد لويد.”
“كاي!”
فوجئَ بـشدةٍ عندما رأى آثارَ الدموعِ على وجهي واقتربَ مني.
“هل كنتِ تبكينَ وحدَكِ؟”
ثم مسحَ الدموعَ المنهمرة.
“أنا آسف، لم يكن عليَّ أن أتركَكِ وحدَكِ. سـأبقى بجانبِكِ من الآن.”
بدا محبطاً للغاية.
“السيّد لويد، لستَ مضطراً لـتحمُّلِ مسؤوليتي. فقط أعِدني إلى زيرونيا.”
لكنهُ رفضَ بـحزمٍ رداً على كلماتي:
“هذا غيرُ ممكن. لقد سمعتُ من والدتي في مثلِ هذهِ المواقف، لا بدَّ من الراحةِ التامة. ارتـاحي جيداً لـفترةٍ من الوقت.”
يبدو أنَّ هذا الرجلَ يصدقُ حقاً أنني قد أجهضت.
ولكن بـعدَ ذلك، فقدتُ القدرةَ على الكلامِ بـسببِ ما قالهُ لويد:
“لا بدَّ أنكِ حزينةٌ جداً لـفقدانِ الطفل… ولكن بما أننا يمكننا الحصولُ على واحدٍ آخرَ مستقبلاً، فلا تقلقي كثيراً.”
نعم؟ ماذا قلتَ للتو؟ أعتقدُ أنني سمعتُ خطأ؟
احمرَّ وجهُ لويد وهو ينظرُ إلى دهشتي وأكملَ كلامه:
“سـأبذلُ قصارى جهدي.”
كـيـااااااه كلا، كلا يا لويد. لا يجبُ أن يحدثَ ذلكَ أبداً!
في تلكَ اللحظة، تذكرتُ “ذلكَ الشيء” الذي لمحتهُ في الخيمة، والذي كان يشبهُ جسدَ صاحبهِ الضخم؛ لقد كنتُ أتجاهلهُ طوالَ الوقت.
كلا. مستحيل. لم يكن ذلكَ شيئاً بـشرياً.
بـمعنى آخر، سـأموت.
هززتُ رأسي بـسرعةٍ وصرختُ فيهِ بـارتباك:
“لـ… لحظةٍ واحدة! نـحنُ نـمنا فقط لـليلةٍ واحدة. طفل؟ وتبذلُ جـهدَك؟ ماذا يعني هذا؟”
أمالَ لويد رأسَهُ مستغرباً:
“رغمَ أننا لم نـقِمْ حفلَ الزفاف، إلا أنَّ نـومَ رجلٍ وامرأةٍ غيرَ متزوجينِ معاً يجعلنا كـالزوجين، أليسَ كذلك؟ وبما أنكِ، يا كاي، تبدينَ راغبةً في طفل، فـقصدي هو أنني سـأبذلُ جـهدي في أيِّ وقت.”
ماذا؟
هل هناك شـخصاً يـملكُ مـفاهيمَ مـنغلقةً عن العفةِ هكذا؟
ومن قالَ إنني أريدُ طفلاً! لقد بكيتُ فقط من الظلمِ لأنني تـعرضتُ لـلتهديدِ بـسببِ شيءٍ لم أفعله!
بينما كان ضغطُ دمي يـرتفع، وجهَ لويد الضربةَ القاضية:
“وأيضاً… تلكَ كانت ليلتي الأولى.”
احمرَّ وجهُهُ مـجدداً وأدارَ رأسَهُ وهو يتمتمُ بـصوتٍ خـفيض.
بـسببِ اعترافِهِ المفاجئ، شعرتُ أنَّ وعيي بدأ يـغيبُ وكأنَّ ضغطَ دمي قد انـفجر.
هكذا إذن.
لقد كان “رجلُ عذراء”.
هل لـهذا السببِ كان جاهلاً بـأمورِ الجنسِ إلى هذا الحد…؟
بينما كنتُ أحاولُ تـجميعَ شتاتِ نـفسي المنهارة، واصلَ لويد حديثَهُ بـنشاط:
“لقد أعطيتُكِ ‘أولي’، ألا يجبُ عليكِ أنتِ أيضاً تـحملُ مسؤوليتي؟”
يا إلهي…
تـحطمت نـفسيتي تـماماً مع كلماتِ لويد الأخيرة.
“إذن، سـأكونُ في عـهدتِكِ. كاي.”
أمسكَ بـيدي وقـبّلَ ظهرَها بـخفة، فغرقَ عـقلي في الـفوضى مـجدداً.
لكنَّ تلكَ الـفوضى لم تـدم طويلاً.
بدأ لويد بـفكِّ أزرارِ قميصِهِ الأبيضِ واحداً تـلوَ الآخر، وظـهرت أمامَ عـيني عـضلاتُهُ المفتولةُ وكتفاهُ العريضانِ وظـهرُهُ الـرجوليُّ الـفاتن.
عندها طـنَّ عـقلي مـجدداً واستعدتُ وعيي.
“لـ… لحظةٍ واحدة. لـماذا تـخلعُ مـلابسَك؟”
أمالَ لويد رأسَهُ بـوجهٍ بريءٍ وكأنهُ يـستغربُ سؤالي وأجاب:
“لقد تـأخرَ الـوقتُ والآنَ يـجبُ أن نـنام…؟”
“… سـننامُ مـعاً في هذا الـسرير؟”
أجابَ لويد بـابتسامةٍ مـشرقةٍ على سؤالي:
“أليسَ من الطبيعيِّ أن يـنامَ الزوجانِ مـعاً؟”
عـندما تلاقت عـيناي بـعينيهِ البنفسجيتين، ابـتلعتُ ريـقي دونَ وعي.
وجهٌ وسـيم، وجـسدٌ رائع، ورجلٌ عـذراءُ يـنتظرني على الـسرير.
لـلحظةٍ كدتُ أقـتربُ من الـسريرِ دونَ تـفكير، لـكنني استعدتُ رشـدي فوراً.
بـهذا الـوجهِ الـوسيمِ والجـسدِ المثالي، مـن غـيرِ العادلِ أن تـتحدثَ هكذا في روايةٍ لـكلِّ الأعمار، يا لويد!
صرختُ بـأعلى صـوتي:
“لا يـمكن!”
“؟”
“في… في زيرونيا، لا يـمكنُ الـنومُ مـعاً حتى يـتمَّ حفلُ الزفاف!”
ونـحنُ لـسنا زوجـينِ حـقاً أصلاً!
تـحدثتُ بـارتباكٍ دونَ أن أعرفَ مـاذا أقـول، ثم ركـضتُ نـحوَ لويد وألـبستُهُ الـقميصَ وأغـلقتُ الأزرارَ واحـداً تـلوَ الآخر، ثم قُـدتُهُ إلى خارجِ الـباب.
“إذن، طـابت لـيلتُك.”
طـراااخ.
وبـصوتِ إغلاقِ الـباب، اخـتفى لويد بـوجهِهِ المذهولِ من أمـامي.
جـلستُ مـستندةً إلى الـبابِ بـعدَ أن أصـبحتُ وحـيدةً مـجدداً في الـغرفة.
“ماذا يـحدثُ بـحقِّ الـسماء… .”
إحدى الـبطلاتِ تـهددني بـمراقبتي، والآخـرُ يـطالبني بـتحملِ مسؤوليةِ لـيلتِهِ الأولى… كـان عـقلي مـشتتاً لـدرجةِ الجنون.
“لـنـنم أولاً.”
سـأفكرُ بـعدَ الاستيقاظ.
نـفضتُ أفـكاري ونـمتُ تـحتَ الغطاءِ الـناعم.
دونَ أن أعـرفَ أنَّ لويد الـذي طُـردَ كـان يـتمتمُ وهو يـنظرُ لـبابِ غـرفتي:
“حـفلُ زفـاف… حـفلُ زفافٍ إذن.”
❁❁❁
فـتحتُ عـينيَّ بـينَ الأغطيةِ المـبعثرة.
نظرتُ من الـنافذةِ فـبدا أنَّ الـفجرَ قد بـزغ.
بـينما كنتُ أحكُّ رأسي، تـذكرتُ أنني صـرختُ بـاكيةً في وجـهِ الـبطلةِ الـتي جاءت لـتقتلني بـعدَ أن فـقدتُ أعـصابي بـالأمس.
لـقد جُـننتُ حـقاً. إنـها شـخصٌ مـرعبٌ تـقطعُ الصخرَ بـسيفها، لـكنني تـحدثتُ بـكلِّ جـرأة.
رُغـمَ أنَّ دابـين تـراجعت بـسببِ ظـهورِ لويد، إلا أنني لا أعلمُ مـتى سـتعودُ مـجدداً.
هـل أهـرب؟
لـلحظةٍ تـذكرتُ شكلَ لويد وهو يـطالبني بـتحملِ مسؤوليتِه، لـكنني هـززتُ رأسي.
لو انـخدعتُ بـمظهرِهِ وتـزوجتُه، فـسـيفتحُ لـي “بـابُ الجحيم” في حـياتي الزوجيةِ بـسببِ أخـتِ زوجي الـتي تـريدُ قـتلي.
هـذا الـفجرُ الـباكرُ حـيثُ يـنامُ الجميع، هو الـفرصةُ الـذهبيةُ لـلهربِ من عـائلةِ هـيلديريوز الـلعينة.
فـتحتُ حـقيبتي بـسرعةٍ وارتـديتُ مـلابسَ المـعالجة، ثم تـأكدتُ من كـيسِ المـال.
كـان الـذهبُ الـلامعُ لا يـزالُ في الـكيسِ الثقيل.
بـهذا الـقدر، سـأتمكنُ من الـوصولِ إلى زيرونيا بـسهولة.
فـكرتُ في الـخروجِ من الـنافذة، لـكن عـندما نـظرتُ لـلأسفل، غـيرتُ رأيـي.
رُغـمَ أنـها في الـطابقِ الثاني، إلا أنـها كـانت عـاليةً جـداً.
لـنخرج من الـبابِ أولاً!
تـشجعتُ وفـتحتُ الـبابَ الضخمَ بـحذر.
لا يـوجدُ أحـد، أليسَ كـذلك؟
لـم أتـوقع إطـلاقاً أن تـلتقي عـيناي بـعينينِ مـرعبتينِ لـلبطلةِ الـواقفةِ خـلفَ الـبابِ الـمفتوحِ قـليلاً.
أوه، سـحقاً! يـا لـلهول!
“…!”
مـنذُ مـتى وهـي تـقفُ هنا؟
أغـلقتُ الـبابَ بـهدوءٍ وأنـا أشعرُ بـدقاتِ قـلبي المتسارعة.
تـوسلتُ ألا تـدخل، لـكنَّ الـبابَ فُـتحَ بـبطء.
وقـفت دابـين أمـامَ الـبابِ بـتـعبيراتٍ مـخيفة.
“أنـتِ تـهربين، أليسَ كـذلك؟”
“أنـا… خـارجةٌ لـلتنزه؟”
“في الـفجرِ المـظلم، وبـعدَ تـغييرِ مـلابسِكِ وتـحضيرِ حـقيبتِكِ؟”
فـقدتُ الـقدرةَ على الـكلامِ بـسببِ مـلاحظةِ دابـين الـدقيقة.
حـسناً، ومـاذا لو هـربت؟
تـشجعتُ ونـظرتُ مـباشرةً في عـيني دابـين وقـلت:
“نـعم، في الـحقيقةِ أنـا ذاهـبةٌ لـمنزلي. لـذا ابـتعدي عن طـريقي أنـتِ أيضاً لا تـحبينَ وجـودي هنا، يـا سـيدة دابـين.”
“كلا، لا بـأسَ بـذلك”
“نـعم؟”
“لـقد ارتـفعت مـكانتُكِ فـجأةً رُغـمَ أنـكِ عـامية، لـذا يـجبُ أن تـبقي هنا لـفترة.”
ابـتسمت دابـين بـلطفٍ واقـتربت مـني.
كـانت تـملكُ جـمالاً بـاهراً يـليقُ بـبطلةِ هذهِ الـرواية.
شـعرٌ أسودُ قـصيرٌ لامـع، وعـينانِ بنفسجيتانِ حـادتان.
كـانت جـميلةً جـداً وهـي تـبتسم.
مـا الـذي حـدثَ لـها فـجأة؟
أكـملت دابـين حـديثَها بـوجهٍ سـمحٍ ومـبتسم:
“بـالأمسِ كـدتُ أنـخدعُ بـتـمثيلِك ظـننتِ أنـكِ إذا بـكيتِ بـوجهٍ بـريءٍ فـسـأنخدعُ كـما انـخدعَ لويد.”
انـبعثَ الـسمُّ مـن كـلماتِ دابـين.
“مـن يـعلمُ مـا هي الـمكائدُ التي سـتدبرينَها إذا تـركتُكِ تـرحلين؟”
هـززتُ رأسي وأجـبت:
“لـن أدبـرَ أيَّ شـيء كـما تـرين، أنـا مـعالجةٌ ولا أعـرفُ كـيفيةَ اسـتخدامِ السحرِ الأسود.”
“آه، هـذا لـيسَ مـن شـأني.”
“نـعم؟”
“أقـصدُ أن تـبقي هنا.”
“لا أريد. سـأعودُ إلى زيرونيا.”
عـندها تـجمدَ وجـهُها المـبتسم.
تـنهدت دابـين وقـامت بـتحريكِ رقـبتِها حـتى صـدرت فـرقعة.
“ألا تـفهمينَ الـكلام؟”
أمـسكت دابـين بـحاملِ مـلابسَ حـديديٍّ ثـقيلٍ وضـخمٍ كـان بـجانبِ الـبابِ ورفـعتـُهُ بـسهولة.
“أنـتِ مـخطئة، مـا أقـولـُهُ الآن لـيسَ اقـتراحاً بـل هـو أمـر.”
هـل تـريدُ قـتلي بـهذا الـشيء؟ مـاذا يـحدث؟
أمـسكت دابـين بـالحاملِ وطـوتـْهُ من الـمنتصفِ بـبساطةٍ وكـأنـها تـطوي ورقـة.
“يـمكنني طـيُّ عـمودِ الـشخصِ الـفقري بـهذهِ الـبساطة، هـل تـريدينَ أن أريـكِ؟”
كـان هـذا تـهديداً.
تـهديداً بـطيِّ عـمودي الـفقري بـهذا الـشكل.
شـعرتُ بـالارتباكِ مـجدداً بـسببِ كـلامِها.
“لـ… لـماذا تـفعلينَ هـذا؟”
“أعـطيكِ فـترةَ سـماحٍ لـأقررَ هـل أقـتلكِ أم لا. مـن يـعلم؟ ربـما أتـركُكِ تـرحلينَ حـية؟”
فُـهاق!
بـدأتُ أصـابُ بـالحازوقةِ فـجأةً بـسببِ الـرعبِ مـن نـظراتـِها الـحادة.
“آه، بـالطبع. قـد يـحدثُ الـعكسُ أيضاً.”
أعـادت فـتحَ الـحاملِ الحـديديِّ المـطوي.
بـعدَ أن قـبضت عـليهِ وقـامت بـفتحِهِ بـقوةٍ هـائلة، أصـبحَ الـحاملُ مـشوهاً ومـهترئاً ولا يـمكنُ اسـتخدامُه.
رمـت دابـين الـحاملَ بـإهمال.
سـقطَ الـحاملُ الـثقيلُ على أرضِ الـغرفةِ مـحدثاً صـوتاً قـوياً.
تـخيلتُ أنَّ هـذا هـو شـكلي بـعدَ أن تـطوي دابـين عـمودي الـفقري، فـبدأتُ أرتـجفُ مـجدداً.
“واصـلي تـمثيلـَكِ المـقرفَ هـذا سـينكشفُ أمـرُكِ قـريباً، لـكن حـتى ذلكَ الـحين، سـأستمتعُ أنـا أيضاً.”
نـظرت دابـين إليَّ وأنـا أرتـجفُ مـن الـرعب، ثم اقـتربت ومـسحت على خـدي بـخفة.
“إذا حـاولتِ الـهربَ مـجدداً وأمـسكتُ بـكِ، سـأرميكِ في الـسجنِ تـحتَ الأرض.”
ابـتسمت دابـين بـخبثٍ مـثلَ المـجرمينَ الـذين يـسرقونَ الـناسَ في الـشوارع، ثم فـتحت الـبابَ وخـرجت وهي تـقول:
“إذن، تـناولي إفـطاراً شـهياً.”
التعليقات لهذا الفصل " 24"