الفصل 23
ماذا عساي أن أفعل؟
كنتُ أرغبُ في الهروبِ من هذا الموقفِ
بـأسرعِ وقتٍ والركوبِ في عربةٍ سريعةٍ تـتجهُ إلى زيرونيا.
تـحركْ! تـحركْ أيها العقل!
عقلي الذي كان يـعملُ جيداً في العادة، تـجمدَ في هذهِ اللحظةِ كـالحجرِ ولم أستطعِ التفكيرَ في شيء.
قررتُ أن أراقبَ الوضعَ أولاً ثم أهرب.
“بـالمناسبة، لـقد تأخرنا في التعارف. اسمي إيدل هيلديريوز. وكما تـعلمين، أنا المسؤولةُ عن إدارةِ شؤونِ هذا القصر. ما هو اسمُكِ أيتها الآنسة؟”
فهمتُ المطلبَ الخفيَّ وراءَ كلماتِ الدوقةِ المبتسمة.
(مَن أنتِ؟ ومن أيِّ عائلةٍ تـنحدرين؟ هذا هو القصد، أليسَ كذلك؟)
لقد نـسيتُ لـلحظةٍ بـسببِ ردةِ فـعلهم اللطيفة، لكنَّ هؤلاءِ نـبلاء.
عندما تـحملُ عاميةٌ طـفلاً من سليلِ عائلةٍ نـبيلة، ماذا يحدثُ عادةً في الروايات؟
إما أن يـتمَّ نـفيُها إلى مكانٍ بـعيدٍ بـعدَ تـركِ الطفل، أو تـنتهي حياتُها.
هل سـأموتُ هكذا؟
شعرتُ أنَّ الموتَ بـسيفِ دابين قبلَ قليلٍ أهونُ من النفي أو الإعدام.
قـلتُ بـيأسٍ بـعدما شعرتُ بـاقترابِ “النهايةِ السيئة”:
“اسـمي… هو كاي. بـما أنني لستُ نـبيلة، فـليسَ لديَّ اسمُ عائلة.”
كيفَ سـتكونُ ردةُ فـعلهم أمامَ هذا الفارقِ الطبقيِّ الهائل؟
تـواردت في ذهني المشاهدُ التي كنتُ أراها في الدراما قبلَ أن أنـتقلَ لـهذا العالم.
سـيداتٌ يـقدمنَ مـغلفاً من المالِ لـلانفصالِ عن ابـنهن، أو يـسكبنَ الماءَ على الـوجه.
بـينما كنتُ أفكرُ في أنني قد أتـلقى صـفعةً على الأقل، بـدا وجـهُ الدوقةِ هادئاً بـشكلٍ مـفاجئ.
فقط وجـهُ الدوقِ مـرَّ عليهِ كـدرٌ بـسيطٌ لـلحظة.
“كاي… إنهُ اسمٌ جـميل.”
هذا كلُّ ما في الأمر.
ثم نظرَ إليَّ الدوقُ بـعينينِ قـلقتينِ وقال:
“هـم، نـحنُ لا نـمانع، ولكن سـيكونُ هناكَ اعـتراضٌ كـبيرٌ من الآخرين.”
“حـسناً، يـمكننا شراءُ لـقبٍ نـبيل. هذا الأمرُ ليسَ صـعباً.”
أن يـشتروا لـقباً لـعاميةٍ ظهرت فـجأةً فـقط لأنها تـحملُ طـفلاً؛ لـم أرَ نـبلاءً بـمثلِ هذا الانـفتاحِ مـن قبل.
حتى دابين، الـوحيدةُ العاقلةُ بينهم، بـدت مـندهشةً لـلغاية.
وفجأة، نظرت الدوقةُ إلى مـلابسي وبـدا عليها الذهول:
“يـا إلهي، كـيفَ لـحاملٍ أن تـرتديَ مـلابسَ كـهذه؟ لا يـجوز، هـذا لا يـجوز ألـفريد، أحـضرْ مـلابسَ مـريحةً فـوراً.”
أمـرت ألـفريد بـعدما تـفحصت مـلابسي الضيقةَ عـندَ الخصر.
“وجـههَا إلى غـرفةِ الزمردِ في الـطابقِ الثاني، وقـم بـتدفئةِ السرير. آه، وشـاي ‘الرويبوس’ سـيكونُ جـيداً.”
“أمـرُكِ دوقة تـفضلي مـعي، السيدة كاي.”
تـحدثَ ألفريد بـعدما انـحنى بـأدب.
رائـع، حـان وقتُ الهروب!
نـهضتُ بـسرعة.
قال لي لويد وهو يـنظرُ إلي:
“ارتـاحي جـيداً يا كاي.”
خلفَ الـدوقِ والـدوقةِ ولـويد الذين يـبتسمونَ بـلطف، رأيتُ دابـين بـتـعبيرٍ مـرعب.
لا تـقلقي يا دابين! سـأختفي بـسرعة!
تـبعتُ الجدَّ كـبيرَ الخدم.
❁❁❁
كان قـصرُ الـدوقِ ضـخماً ومـهيباً بـشكلٍ لا يـصدق.
القطعُ الأثـريةُ والـلوحاتُ الـمزينةُ بـفخامةٍ جعلتني أشعرُ وكأنني في مـتحفٍ راقٍ.
بـينما كنتُ أتـبعُ كـبيرَ الخدمِ وأبـحثُ عـن مـخرجٍ لـلهرب، نـحنحَ وقـال:
“شـكراً… شـكراً لـكِ…”
ارتبكتُ بـسببِ شـكرِهِ المفاجئ:
“نـعم…؟ لـماذا؟”
“السيّد لويد رَجـلٌ ذكـي، لـكنهُ لم يـكن مـهتماً بـالنساء إطـلاقاً. لـقد حاولَ الـدوقُ والـدوقةُ تـرتيبَ لـقاءاتٍ لـه عـدةَ مـرات، لـكنهُ كان يـرفضُ بـشدة، بـل وصـلَ بهِ الأمـرُ لـلإعلانِ بـأنهُ لـن يـتزوج. كان ذلكَ خـبراً صـاعقاً لـلدوقِ والـدوقةِ اللذينِ يـتوقانِ لـرؤيةِ أحـفاد، خـاصةً مع وجودِ مـسألةِ وريثِ العائلة.”
“آه…”
“وبـالإضافةِ لـذلك، بـسببِ نـبوءةِ مـتنبئةٍ مـشهورةٍ في الـعاصمةِ بـأنَّ صـوتَ بـكاءِ الأطفالِ لـن يُـسمعَ في عـائلةِ هـيلديريوز، كـان قـلقُهما كـبيراً جـداً. ولـكن أن يـحضرَ ذلكَ الـشابُّ الجامدُ الـسيدةَ كاي فـجأة… شـهقة. أنا، كـبيرُ الخدم، مـمتنٌ جـداً لـكِ. سـأبذلُ قـصارى جـهدي لـرعايتِكِ مـستقبلاً.”
عـندما رأيتُ كـبيرَ الخدمِ يـهتزُّ ويـحاولُ كـتمَ بـكائه، بدأ قـلبي يـشعرُ بـالثقل.
فهمتُ الآنَ سـببَ تـرحيبِ الـدوقِ وزوجـتِهِ بـي رُغـمَ أنني عامية.
أن يـحضرَ الـرجلُ الـذي رفـضَ الـزواجَ شـخصاً مـثلي؛ شـعرتُ أنـهم لـن يـتركوني أرحلُ بـسهولة.
ازدادت رغـبتي في الهروبِ مـن هنا بـأسرعِ وقـت.
وصـلنا أمامَ بـابٍ ضـخمٍ مـزينٍ بـشكلٍ رائـع.
عـندما فـتحَ الـباب، ظـهرت غـرفةٌ تـلمعُ بـفخامة.
غـرفةٌ واسـعةٌ بـها سـريرٌ ذو أعـمدةٍ مـثلَ تـلكَ الـتي لا نـراها إلا في الأفلام.
“ارتـاحي لـقليلٍ من الـوقت، سـأستدعي الخادماتِ لـمساعدتِكِ في تـغييرِ مـلابسِكِ.”
انـحنى كـبيرُ الخدمِ وأغـلقَ الـباب.
بـينما كنتُ أبـحثُ عـن مـخرج، رأيتُ أغـراضي مـوضوعةً بـعنايةٍ في زاويةِ الغرفة.
لـقد كانت الأغـراضُ التي أحـضرتُها مـعي من دوركـان.
عـندما فـتحتُ الحقيبة، وجـدتُ كـيسَ الـمالِ الثقيلَ الـذي أعطاني إياهُ لويد.
جـيد. سـأهربُ بـهذا المالِ عـندما تـسنحُ الفرصة.
الآن أنـا صـابرةٌ بـسببِ خـوفي من دابـين، لـكن لا أعلمُ كـيفَ سـيتحولُ الموقفُ إذا اكـتُشفَ أنني لستُ حـاملاً.
حـسبتُ الأيام، وكـانت “الـطبيعة” تـقترب.
بـدأتُ أشعرُ بـألمٍ بـسيطٍ أسفلَ بـطني، مـما يـعني أنَّ “تـلكَ السيدة” سـتزورني قـريباً.
رغـمَ أنـهم كـانوا أغـربَ وأطـيبَ نـبلاءَ قـابلتُهم، إلا أنني لا يـمكنني البقاءُ هنا أكـثر.
لـيست دابـين الـتي تـريدُ قـتلي هي المشكلةُ الوحيدة، بـل إنَّ رؤيـتي لـهؤلاءِ الناسِ الذين يـعقدونَ الآمالَ عـليَّ بـناءً على سـوءِ فـهمٍ تـشعرني بـالذنب.
في تـلكَ اللحظة.
طـق طـق طـق.
“لـقد جـئنا لـمساعدتِكِ في تـغييرِ مـلابسِكِ.”
“آه، نـعم. تـفضلن بـالدخول.”
فُـتحَ الـبابُ ودخـلت الـخادماتُ في صـفٍ واحد.
“اتـركنَ الـملابسَ وارحـلن. يـمكنني الـقيامُ بـذلكَ بـنفسي.”
ألـيسَ مـن الأفضلِ لـكنَّ ألا تـعملن، ولـي ألا أكـشفَ جسدي؟
لـكنهنَّ كـنَّ حـازمات:
“نـحنُ نـعتذر، آيـتُها الآنسة. هـذا أمـر.”
“سـنساعدُكِ لـكي لا تـشعري بـعدمِ الارتياح. نـرجوكِ.”
(نـحنُ سـنُطردُ إذا عـدنا هكذا)؛ هـذا مـا قـالـتْهُ نـظراتـُهُـنَّ، فـاستسلمتُ لـلأمر.
وفـجأة، صـرخت الخادمةُ الـتي كـانت تـرتبُ شـعري وتـنزعُ الـفستان:
“آاااااه!”
لـماذا؟ مـاذا هناك؟
نظرتُ إليها فـوجدتُ دمـاءً على طـرفِ الـفستان.
سـحقاً، لـقد انـتهى أمـري. لـقد جـاءَ “ذلكَ الـيومُ” في هذا الـوقتِ تـحديداً.
آاااه، كـان يـجبُ أن أهـربَ قـبلَ مـجيءِ الخادمات!
شـحبت وجـوهُ الخادماتِ وبـدأنَ يـنظرنَ إليَّ بـقلق.
انـتهت حـياتي.
سـارعنَ بـإلباسي ثـوباً مـريحاً وخـرجنَ مـسرعات.
قـريباً سـيصلُ هذا الـخبرُ لـلدوقِ والـدوقة.
هـل سـتأتي دابـين مـجدداً بـسيفِها؟ أم سـيأتي الـدوقُ والـدوقةُ بـسببِ خـداعي لـهما؟
لا، أنـا لـم أفعلْ شـيئاً خـاطئاً!
كـلُّ هذا بـسببِ لويد الـذي أسـاءَ الفهمَ واخـتطفني.
طـق طـق طـق.
بـعدَ رحـيلِ الخادماتِ بـقليل، سُـمعَ طـرقٌ آخـر.
“الـسيدةُ إيـدل سـتـدخل.”
هـذا صـوتُ الـخادمة.
آاه، وأخـيراً، هـل هذا هـو الـيومُ الذي تـنتهي فيهِ حـياتي؟
“نـعم.”
فُـتحَ الـبابُ ودخـلت الـدوقة.
كـان الـحزنُ يـملأُ وجـهَها.
وبـما أنَّ عـينيها كـانتا مـحمرتين، فـلا بـدَّ أنها كـانت تـبكي قـبلَ مـجيئِها.
وعـندما تـلاقت نـظراتـُنا، انـهمرت الـدموعُ مـن عـينيها.
“أنا… أنـا آسـفة.”
اقـتربت مـني فـجأةً واحـتضنتني.
“كـان يـجبُ عـليَّ مـنعُ دابـين الـطائشة، أنـا آسـفة. كـلُّ مـا حـدثَ هـو خـطئي.”
كـنتُ مـذهولةً ولا أفـهمُ مـاذا يـحدث.
“في بـدايةِ الـحمل، يـجبُ الـحذرُ ثـم الـحذر… لـقد حـدثَ إجـهاض.”
صـدمتني كـلماتـُها.
نـعم…؟
رأتِ الـدوقةُ دهـشتي فـازدادَ حـزنُها:
“عـائلةُ هـيلديريوز سـتبذلُ كـلَّ مـا في وُسـعِها لـكي تـعيشي مـرتاحةً يا سـيدة كاي. ارتـاحي جـيداً.”
خـرجت مـن الـغرفةِ وهي تـبكي.
كـما شـعرتُ دائـماً، أفرادُ عـائلةِ هـيلديريوز لا يـستمعونَ لـكلامي أبـداً؛ يـسيؤونَ الـفهمَ ثـم يـقررونَ بـأنـفسهم.
يـبدو أنـهم مـتأكدونَ هـذهِ المرةَ أنني “أجـهضتُ” بـسببِ فـوضى دابـين.
نـهضتُ بـسرعةٍ مـن مـكاني بـعدَ أن كـنتُ مـذهولة.
يـجبُ أن أقـولَ الـحقيقة.
سـأذهبُ وأخـبرُهم بـأنني لـم أفعلْ شـيئاً مـع لويد سـوى الـنوم، وأنَّ هـذا مـجردُ عـارضٍ شـهريٍّ طـبيعي.
فـتحتُ الـبابَ بـقوةٍ لـأذهبَ لـلدوقة، لـكنني وجـدتُ دابـين تـقفُ أمـامي.
“آااااااااه!”
كـانت دابـين تـنظرُ إليَّ بـوجهٍ مـرعب.
صـرختُ مـن الـخوفِ بـسببِ وجـهِ الـبطلةِ الـمخيف، فـسدت دابـين فـمي بـسرعة.
“ووب!”
سـحبتني دابـين لـلداخلِ وأغـلقت الـبابَ بـقوة.
ثـم أمـسكت بـياقةِ قـميصي وهـمست بـغضب:
“أنـتِ، هـل تـريدينَ الموت؟ مـا هـي خـطتُكِ؟ دعـكِ مـن والـديَّ، لـكن كـيفَ أغـويتِ لويد لـفعلِ هـذا؟”
كـان صـوتـُها مـليئاً بـنيةِ الـقتل.
“أجـيبي. هـل نـسيتِ المـاضي عـندما فـسختِ الخطوبةَ مـع لويد لـتصبحي زوجـةَ ولـيِّ الـعهدِ ودَمـرتِ عـائلـتـنا؟ هـل نـسيتِ أنـكِ انـتزعتِ قـلبَ أخـي وقـلبي؟”
كـقـارئةٍ تـابعت تـصرفاتِ الـبطلة، كـنتُ أتـفهمُ فـعلـَها تـماماً.
مـن الـطبيعيِّ لـلبطلةِ أن تـعاملني هـكذا إذا رأتِ الـشريرةَ في بـيـتِها.
ولـكن هـذا مـن مـنظورِ الـقارئةِ فـقط.
مـاذا عـن مـنظورِ كاي الـتي سـقطت هـنا وعـاشت حياةً صـعبة؟
خـلال الـعشرِ سـنواتِ الماضية، تـركتُ مـنظورَ الـقارئةِ مـنذُ زمـنٍ بـعيد.
كـيف لـي، أنـا الـتي عـشتُ دونَ أن أؤذيَ أحـداً، أن أتـفهمَ مـوقـفَها؟
فـي هـذهِ الـحياة، عـائلـتـُها بـخير، ووالـداهـا عـلى قـيدِ الـحياة، أليسَ كـذلك؟
لـقد انـفجرتُ مـن الـظلمِ لأنَّ الـبطلةَ تـريدُ قـتلي رُغـمَ أنني عـشتُ بـهدوء.
رُغـمَ ارتـجافي مـن خـوفِ الـقتل، فـتحتُ فـمي لـلرد.
ربـما تـعطلَ عـقلي بـسببِ المـواقفِ الـغريبةِ المـتتاليةِ مـنذُ الـصباح.
رُغـمَ تـساقطِ دمـوعي، نـظرتُ إلى دابـين بـتـحدٍ وسـألتـُها:
“إذن، هـل فـسختُ خـطوبتي مـع الـسيّد لويد وأصـبحتُ زوجـةَ ولـيِّ الـعهدِ الآن؟”
“مـاذا…؟”
“أم أنـني دَمـرتُ عـائلةَ هـيلديريوز حـالـياً؟”
“أنـتِ…”
“قـولي لـي يـا سـيدة دابـين. هـل انـتزعتُ قـلبـَكِ وقـلبَ الـسيّد لويد الآن؟”
“هـذا… هـذا لـم يـحدثِ الآن، ولـكن…!”
“لـقد عـشتُ حـياتي دونَ أن أؤذيَ أحـداً. مـا هو الـخطأُ الـذي فـعلتـُهُ لـأتعرضَ لـهذا التهديد؟”
عـندما صـرختُ بـاكـية، بـدا الارتباكُ عـلى وجـهِها.
فـي تـلكَ اللحظة.
التعليقات لهذا الفصل " 23"