الفصل 17
أنا أعرفُ الإجابةَ بالفعل.
لا بدَّ أنكَ فعلتَ ذلكَ لأنني قطعتُ قلبك قبلَ العودةِ بالزمن.
لكنني طرحتُ هذا السؤالَ لـأقولَ لكَ بـشكلٍ غيرِ مباشر:
تخلَّ عن شكوكِكَ، ولـيمضِ كلُّ واحدٍ منا في طريقِه.
لم أكن مهتمةً بـإجابتِهِ بـشكلٍ خاص، ففكرتُ بـهذا في سري وسحبتُ كيسَ النومِ حتى كتفيَّ.
“أنتِ تشبهينَ خطيبتي.”
ماذا؟ خطيبتُه؟ اتسعت عيناي من الدهشةِ وأعدتُ السؤالَ بـسببِ ردِّهِ غيرِ المتوقع.
“تشبهينَ خطيبتي التي تخلت عني وتزوجت من شخصٍ آخر.”
يا إلهي.. هل كانت إيفيليانا روزيبلير ولويد خطيبين؟ لقد ذُهلتُ من هذا الإعدادِ الذي لم يظهر في الروايةِ أبداً.
إيفليانا تلك… هل تخلت عن خطيبِها وأبادت عائلتَهُ أيضاً؟
يا لها من امرأةٍ مذهلةٍ بـكلِّ المقاييس.
“آه، فهمتُ… خيانةُ السيّدِ لويد؟ إنها امرأةٌ مذهلةٌ حقاً… .”
في لحظة، تحولَ البطلُ إلى رجلٍ بائسٍ يطاردُ حبيبَتَهُ السابقةَ بـسيفه، لكنهُ لم يبدُ مكترثاً.
بما أنني أعرفُ خلفيةَ الأحداث، نظرتُ إلى ظهرِ لويد الذي بدا وحيداً وفكرت:
يا لويد، إيفليانا روزيبلير لم تعد موجودة. انسَ تلكَ المرأةَ السيئةَ وابدأ حياةً جديدة.
تمنيتُ لهُ بدايةً جديدةً ثم غَرقتُ في النوم.
❁❁❁
أشرقت شمسٌ دافئةٌ وصاحبَها زقزقةُ العصافير.
انبعثت رائحةٌ شهيةٌ أوحت لي أنَّ بري قد أعدتِ الإفطارَ وخرجت.
كان السريرُ الذي تنبعثُ منهُ الرائحةُ الطيبةُ ناعماً ومريحاً جداً.
ولم أرغبْ في الخروجِ من تحتِ اللحافِ الدافئ بـسببِ الهواءِ الباردِ الذي شعرتُ بهِ على وجهي.
في تلكَ اللحظة، سُمِعَ صوتُ شخصٍ ما:
“استيقظي.”
هل عليَّ الذهابُ للعملِ اليوم؟
لم أستطع التخلي عن النومِ اللذيذ، فتمتمتُ بـنعاس:
“بري، خمسَ دقائقَ أخرى فقط.”
“هي، أنتِ.”
بدأت بري تهزني بـقوة.
“بري، خمسَ دقائقَ أخرى… .”
تذمرتُ وسحبتُ رأسَ بري وعانقتُه.
انبعثت رائحةٌ منعشةٌ ونقيةٌ من ذلكَ الشعرِ الخشن.
“أوه، بري، هل استعملتِ شامبو؟”
تحسستُ الشعرَ بـيدي فـوجدتهُ ناعماً، على غيرِ عادةِ شعرِ بري القاسي.
ما هذا يا بري؟ هل اخترعتِ منعماً للشعرِ في هذا العالم؟
فتحتُ عينيَّ قليلاً لأرى ما الأمر، فلم أجدِ الشعرَ الرمادي، بل رأيتُ شعراً أسود.
“أوه… .”
رمشتُ بـعينيَّ بـعدمِ استيعاب، ثم مرَّت ذكرى بـسرعةٍ في عقلي.
°لقد تمَّ تعيينُكِ معالجةً خاصة.°
يا إلهي! لستُ في المنزل!
إذن، الرأسُ الذي أمسكُهُ ليسَ لـبري، بل… .
إنهُ رأسُ لويد، الذي كان يشكُّ بـهويتي حتى الأمس.
صرختُ بـقوةٍ ودفعتهُ بعيداً ونهضتُ فجأة.
بسببِ كيسِ النومِ الفاخرِ والناعمِ الذي استخدمتُهُ بعدَ طولِ انقطاع، نمتُ بـعمقٍ وكأنني في سريري بـالمنزل.
لم أتخيلْ أبداً أنَّ الشخصَ الذي حاولتُ عانقَهُ لأنامَ أكثرَ كما أفعلُ مع بري سـيكونُ لويد.
كان شعرُ لويد، الذي أمسكتُ بـه، مبعثراً كأنهُ عشُّ غراب، وكان وجهُهُ محمراً، ربما من الغضب.
لقد هلكتُ!
انحنيتُ مراراً وتكراراً أطلبُ العفو:
“أنا… أنا آسفة! أعتذرُ بـشدة، أيها السيّد!”
لقد اعتذرَ لي بالأمس، لكنهُ قد يسحبُ اعتذارَهُ ويعودُ لـتهديدي بالسيفِ مجدداً.
نظرَ لويد إلى حالتي المرتبكةِ وهزَّ رأسَه:
“… لا بأس. تناولي إفطارَكِ.”
نظرتُ حيثُ أشار، فـوجدتُ قدراً من الحساءِ يغلي فوقَ نارِ المخيم.
“واو! هل صنعتَ هذا أيها السيّد لويد؟”
أومأَ بـرأسه، ثم سكبَ مغرفةً من الحساءِ الساخنِ في طبقٍ وقدمها لي مع قطعة خبز.
لأنني قضيتُ اليومَ السابقَ جائعةً من المشيِ ثم أُغْمِيَ عليَّ بعدَ مشهدِ ذبحِ الوحوش، أصدرتْ معدتي صوتاً بمجردِ رؤيةِ الطعامِ اللذيذ.
“سـآكلُ بـهناء!”
بدأتُ أرتشفُ الحساءَ بـسرعة.
بمجردِ أن دخلَ الحساءُ المليءُ باللحمِ والخضرواتِ إلى فمي، شعرتُ وكأنني في عالمٍ آخر، وطفت كلمةُ لذيذ في عقلي.
يا لهُ من حساءٍ رائع! لو فُتِحَ مطعمٌ بـهذا
المذاقِ لـحققَ نـجاحاً باهراً!
بدأتُ ألتهمُ الحساءَ بـنهم.
أستطيعُ القولَ إنهُ ألذُّ من الحساءِ الغالي في المطعمِ الشهيرِ في زيرونيا.
“أيها السيّد لويد، إنهُ لذيذٌ حقاً. أنتَ طباخٌ ماهر!”
أنهيتُ الطبقَ في لحظةٍ وأنا أثني عليه، فبدا لويد محرجاً من المديحِ المفاجئ وتنحنح:
“كـهـم، تناولي طبقاً آخر.”
ملأَ طبقي بـالحساءِ مجدداً.
حينها خطرَ لي فجأة:
أليسَ من المفترضِ أن أقومَ أنا بـهذهِ المهامِ كوني عامية؟
نظرتُ إلى لويد بـحذر، لكنهُ لم يبدُ مهتماً، وبما أنَّ طعامَهُ كان بـمنتهى اللذة، فقد واصلتُ الأكلَ بـهدوء.
يا للروعة! بارعٌ في القتال، قويُّ البنية، وطباخٌ ماهر. أنتَ يا لويد زوجٌ مثالي.
ارتفعت مرتبتُهُ في عيني بـسببِ هذا الطعامِ اللذيذ.
بعدَ الانتهاءِ من الأكلِ وتنظيفِ المكان، حزمتُ أمتعتي بـسرعةٍ وسألتُ لويد الذي كان ينتظرني:
“عذراً أيها السيّد، متى سنصلُ إلى الأرضِ المقدسةِ في غابةِ الظلام؟”
“لقد وصلنا.”
“نعم…؟”
هذهِ المساحةُ الخاليةُ هي الأرضُ المقدسة؟
أليسَ من المفترضِ أن يكونَ في الأرضِ المقدسةِ صخرةٌ كبيرةٌ أو نـصبٌ تذكاريٌّ أو شيءٌ من هذا القبيل؟
يبدو أنَّ لويد قرأ تعابيرَ وجهي، فـمشى نحوَ شجيراتٍ كثيفةٍ واختفى فجأة.
ظننتُ أنهُ انتقلَ آنياً وتركني، فناديتُهُ بـقلق:
“أيها السيّد لويد؟ إلى أينَ ذهبت؟ أيها السيّد! أينَ أنت؟”
“سيري باتجاهي.”
سُمِعَ صوتُ لويد من مكانٍ قريب.
توجهتُ بـسرعةٍ نحوَ الشجيرات، فـوجدتُ حاجزاً شفافاً.
وضعتُ يدي عليه، فـبدت يدي وكأنها قُطِعت لأنها اختفت خلفَ الحاجز.
“هل هو جهازٌ سحري؟”
تمتمتُ ودخلتُ عبرَ الحاجزِ الشفاف.
“واو… .”
تغيرت تضاريسُ الغابةِ تماماً.
رأيتُ سماءً كئيبةً وسهلاً واسعاً يقفُ فيهِ لويد وحيداً.
كانت مجردَ شجيراتٍ عاديةٍ من الخارج، لكنَّ الداخلَ كان عالماً مختلفاً.
في السهلِ الواسعِ كانت هناكَ أرضيةٌ حجريةٌ بـحجمِ ملعبٍ رياضي، وفي وسطها صخرةٌ أسطوانيةٌ كبيرة.
كانت الصخرةُ مغطاةً بـالنقوشِ التي تظهرُ كثيراً في مذهبِ تيرينا.
“هذهِ هي الأرضُ المقدسة.”
تبعتُ لويد وأنا أنظرُ حولي بـانبهارٍ نحوَ الصخرةِ الأسطوانية.
“أوه… ما هذا؟”
عندما اقتربنا من الصخرة، بدأتِ النقوشُ تضيءُ بـسطوع.
“يا للجمال! هل تضيءُ هكذا دائماً؟”
أصبحَ وجهُ لويد جاداً:
“… لا، هذهِ هي المرةُ الأولى.”
إذن هذهِ مشكلة.
لماذا يشتعلُ الضوءُ فجأة؟ بينما كان لويد يتفحصُ الصخرة، توقفَ فجأة:
“تعالي وانظري هنا.”
أشارَ لويد بـإصبعِهِ إلى فجوةٍ في الصخرة، وكان هناكَ جسمٌ يتوهجُ بـسوادٍ يتحركُ داخلها.
شعرتُ بالاشمئزازِ من رؤيةِ ذلكَ الشيءِ وهو يتحرك.
“مقرف! ما هذا؟”
“إنها ‘الماجي’ (الطاقة الشيطانية) تتسربُ من هنا.”
ازدادَ وجهُ لويد صرامة.
ماذا نفعل؟ لو كان بـإمكاني، لـأحضرتُ إسمنتاً وسددتُ تلكَ الفجوة.
شعرتُ بالقشعريرةِ من كلمةِ “ماجي” وتراجعتُ لـلخلف، فـدُستُ على شيءٍ ما.
نظرتُ لـلأسفل، فـوجدتُ قطعةَ حجرٍ صغيرةً سقطت على الأرض، وكانت تملكُ نفسَ شكلِ وحجمِ الفجوةِ التي في الصخرة.
“هناك قطعةٌ سقطت هنا.”
التقطتُ القطعةَ وسألتُ لويد:
“ألا يمكننا وضعُ هذهِ القطعةِ داخلَ الفجوة؟”
فكرَ لويد لـفترةٍ طويلةٍ ثم أومأَ بـرأسه.
وضعتُ القطعةَ داخلَ الفجوة، فـأصدرت صوتاً وومضت بـضوءٍ ثم خمدت.
اختفتِ الفجوةُ وكأنها لم تكن موجودةً من قبل.
“واو، لقد كنتُ محقة!”
أومأَ لويد مجدداً.
وبعدَ قليل، اختفتِ النقوشُ المضيئةُ من على الصخرةِ وعادت إلى شكلِها الأول.
“هل سنعودُ الآن؟”
كان الأمرُ بسيطاً، لكنني شعرتُ بـإنجازِ المهمة.
لقد ذبحَ لويد وحوشَ الأورك بالأمس، وسددنا فجوةَ الماغي في الصخرة، فلم يبقَ سوى العودة، أليس كذلك؟ أردتُ العودةَ لـلمنزلِ والراحة.
تمطيتُ بـانتظارِ ردِّه، لكنهُ لم يجب.
نظرتُ إليهِ فـوجدتهُ يحدقُ في الصخرةِ بـصمت.
في المكانِ الذي كان ينظرُ إليه، ظهرَ زرٌّ لم يكن موجوداً من قبل، وكان يضيءُ باللونِ الأحمر.
“ما هذا الزر؟”
“لا أعلم.”
بما أنهُ يضيءُ بالأحمر، شعرتُ أنهُ لا يجبُ لمسُه، فـسألتُ لويد بـقلق:
“ألا يجبُ أن نعودَ الآن؟ أيها السيّد لويد؟”
لكنَّ لويد تجاهلَ كلامي.
وبعدَ ذلك ضغطَ على الزرِّ كأنهُ مسحور.
وفي تلكَ اللحظة…
“ويييييييييييييييينغ!”
انطلقَ صوتُ صفارةِ إنذارٍ قويٌّ من الصخرة، وبدأتِ النقوشُ تضيءُ باللونِ الأحمر.
بدأتِ الصخرةُ تدورُ بـقوة، وانطلقَ شعاعٌ أحمرُ من إحدى النقوش.
بدأ الشعاعُ يتحركُ للأعلى والأسفلِ بـصوتٍ مدوٍ، محطماً الأرضيةَ الحجريةَ بـقسوة.
نظرتُ حولي، فـبدا أنَّ الشعاعَ لا يتجاوزُ حدودَ الأرضيةِ الحجرية.
“أعتقدُ أننا سنكونُ بخيرٍ إذا خرجنا من نطاقِ الأرضيةِ الحجرية. فلنركض بـسرعة!”
لكنَّ لويد كان يحدقُ في الزرِّ الأحمرِ بـوجهٍ تائه.
“احذر!”
رأيتُ الشعاعَ يقتربُ منا، فـدفعتُ لويد الذي كان شاردَ الذهنِ وتدحرجنا على الأرض.
“كاااه.”
سُمِعَ أنينُ لويد.
اقتربتُ منهُ بـسرعة:
“أيها السيّد، انهض بـسرعة الشعاعُ يقتربُ مجدداً.”
مع دورانِ الصخرة، كان الشعاعُ يعودُ نحونا بـسرعةٍ منتظمة.
استعادَ لويد وعيَهُ ونهضَ فوراً.
“اتبعني بـسرعة!”
صرختُ في لويد وبدأتُ أركضُ بـجنونٍ خارجَ الأرضيةِ الحجريةِ وأنا أتفادى الأشعة.
“نـجونا.”
عندما وصلتُ للأرضِ العادية، نظرتُ خلفي.
كانت الأشعةُ المنبعثةُ من الصخرةِ تدورُ بـسرعةٍ وتحطمُ الأرضيةَ الحجريةَ بـجدية.
التفتُّ إلى لويد.
كان يعقدُ حاجبيهِ ويمسكُ بـذراعِهِ اليمنى.
الدماءُ كانت تقطرُ من ذراعِهِ التي لم يعدْ لها وجود.
“سيـ… سيّد لويد. أين ذهبت ذراعُك؟”
نظرَ بـصمتٍ نحوَ الأرضيةِ الحجرية. هناك، كانت ذراعُ لويد ملقاةً في بركةٍ من الدماء.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"