بعدَ قليل، يبدو أنني لم أكنِ الوحيدةَ التي شمت هذهِ الرائحة، فقد عادَ صوتُ الزمجرةِ من حولي.
لم يكن صوتاً لـوحشٍ واحد، بل كان دوياً قوياً يوحي بـتجمعِ العشرات.
تمتمَ لويد وهو يسمعُ تلكَ الأصوات:
“إذا كنتِ لا تستطيعينَ التحمل، فلا داعيَ للتحمل. فلا يوجدُ أحدٌ هنا.”
بعدَ أن قالَ هذا الكلامَ الغامض، رمى شيئاً من ملابسه.
رنـيـن.
سقطَ خنجرٌ أمامي.
ما هذا؟ خنجر؟ هل يريدُ مني أن أشاركَه القتال؟
بينما كنتُ أنظرُ بـذهولٍ لـذلكَ الخنجرِ الذي أعطاني إياهُ فجأة، سُمِعَ صوتُ حفيفٍ من كلِّ مكان.
“لقد جاؤوا.”
أعادَ لويد إمساكَ سيفه.
“كـوووووووه!”
ظهرت وحوشُ من كلِّ حدبٍ وصوب.
كانت أجسادُهم الضخمةُ والثقيلةُ تهتزُّ غضباً، ويبدو أنهم غضبوا لرؤيةِ زميلِهم الذي تحولَ لـقطعِ لحم.
اندفعوا بـسرعةٍ نحوي ونحو لويد.
انكمشتُ بـفعلِ ردةِ الفعلِ الغريزيةِ مجدداً.
تشـاخ.
شعرتُ بـهالةِ لويد الذي كان أمامي قد أصبحَ خلفي.
عندما يكونُ الشخصُ سريعاً جداً، تشعرُ وكأنهُ ينتقلُ آنياً.
جلستُ بـذهولٍ وأنا أرتجفُ وأنظرُ لـلويد.
كان يقطعُ الوحوشَ المندفعةَ بـسرعة.
لا، كان يقطعُ رؤوسَهم واحداً تلوَ الآخر، ويفجرُ أحشاءَهم، وكأنهُ يريدُ أن يريني مشهدَ موتِهم البشع، فكان يفككُ تلكَ الوحوشَ الكثيرةَ فرداً فرداً.
“كـووووه! كـيييييك!”
صرخاتُ الوحوشِ كانت تخترقُ أذني من كلِّ مكان.
تحولت تلكَ الوحوشُ الكثيرةُ إلى قطعِ لحمٍ أمامَ سيفِ لويد.
لقد كانت مجزرةً من طرفٍ واحد. بدا لويد، الذي تلطخَ خداهُ بالدماء، بارداً وقاسياً لدرجةِ التجمد.
تقطير، تقطير.
فجأة، أصبحَ المكانُ من حولي مغطىً بـدماءِ وقطعِ لحمِ الوحوش.
وبينما كنتُ أشاهدُ لويد يذبحُهم، فهمتُ معنى الخنجرِ الذي أعطاني إياه.
في الرواية، بدأت إيفليانا تُدمنُ القتلَ وتفقدُ عقلَها.
في البداية، كانت تشبعُ رغبتَها في القتلِ بـقتلِ حيواناتٍ صغيرة، لكنها لاحقاً أصبحت تعاني من أعراضِ الانسحابِ إذا لم تقتلْ حيواناً ضخماً أو بشراً.
وعندما كانت تقفُ في ساحةِ القتل، لم تكن تستطيعُ كبحَ رغبتِها، فكانت تقتلُ الكائناتِ بـسيفِها كـالمجنونة، ويُقالُ إنها أشعلتِ الحروبَ عمداً لـتمارسَ القتل.
يبدو أنَّ هذا البطلَ الذي يعرفُ هذهِ الحقيقةَ فكان يختبرني عمداً.
لهذا السببِ أحضرني إلى هنا بـعذرٍ تافهٍ كـمعالجةٍ خاصة.
بعدَ أن قضى على جميعِ الوحوش، حدقَ بي لويد وكأنهُ ينتظرُ مني أن أُجَنَّ وأبدأَ بالقتل.
لكن لـلأسف، لم أكنِ الشريرةَ إيفليانا، بل تحطمت نفسيتي الضعيفةُ تماماً.
تدحرج.
تدحرجَ شيءٌ ما أمامي.
كانت عينُ أحدِ الوحوش.
رغمَ أنني رأيتُ دماءَ وموتَ البشرِ في مركزِ العلاج، إلا أنها كانت المرةَ الأولى التي أشاهدُ فيها مجزرةً حيةً أمامَ عيني.
بمجردِ أن شممتُ رائحةَ الدماءِ القويةِ ورأيتُ تلكَ العينَ الملطخة، شعرتُ بـغثيانٍ لا يُقاوم.
“أووووه.”
تقيأتُ هناكَ مباشرة.
عندما غطى قيئي تلكَ العين، بدأت تلكَ الحدقةُ البنيةُ تتدحرجُ وتلاقت مع حدقةِ عيني.
بدت وكأنها عينُ إنسانٍ منزوعة، فـقشعرَّ جسدي بالكاملِ من الاشمئزاز.
جسدي الذي كان متعباً من مشيِ أربعِ ساعات، ونفسيتي التي كانت تُجهدُ منذُ الصباح، لم يستطيعا التحملَ أكثر، وانقطعَ خيط عقلي.
وبينما كانت الرؤيةُ تسودُّ وتدورُ أمامي، صرختُ في داخلي:
إذا كان سيغمى عليَّ، فـلِـماذا لم يحدث ذلكَ منذُ أن كنا في قلعةِ دوركان!
التعليقات لهذا الفصل " 16"