الفصل 128
“لَا يُمْكِنُنِي المَوْتُ هَكَذَا!”
فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ، تَوَقَّفَتْ نِهَايَةُ العَالَمِ وَعُدْتُ إِلَى الحَيَاةِ بِقُوَّةِ الإِلَهِ.
لَقَدْ كَانَتْ مُعْجِزَةً بِحَقٍّ.
لَكِنَّ لَحْظَةَ اللِّقَاءِ المُؤَثِّرَةِ مَعَ التَّوْأَمِ، اللَّذَيْنِ ذَرَفَا الدُّمُوعَ لِعَوْدَتِي، لَمْ تَدُمْ طَوِيلًا.
‘كَمْ كَانَ الأَمْرُ شَاقًّا خِلَالَ تِلْكَ الفَتْرَةِ!’
يُمْكِنُنِي القَوْلُ إِنَّنِي عَانَيْتُ الأَمَرَّيْنِ.
رُغْمَ أَنَّهَا كَانَتْ لَحْظَةً، إِلَّا أَنَّ جُزْءًا مِنَ العَالَمِ قَدْ غَرِقَ فِي الظَّلَامِ، وَنَتَجَ عَنْ ذَلِكَ كَوَارِثُ شَتَّى فِي القَارَّةِ.
فَقَدْ تَشَقَّقَتِ الأَرْضُ بِسَبَبِ زِلْزَالٍ عَنِيفٍ، وَاخْتَفَتْ قَرْيَةٌ كَامِلَةٌ بِفِعْلِ هُجُومِ الوُحُوشِ.
وَكَانَ عَدَدُ القَتْلَى وَالمَفْقُودِينَ هَائِلًا.
لَمْ أَكُنْ أَسْتَطِيعُ الوُقُوفَ وَالمُشَاهَدَةَ فَقَطْ.
فَقَدْ كَانَ وَاجِبِي هُوَ العِلَاجُ.
لِذَلِكَ تَبِعْتُ لُويْد إِلَى مَوَاقِعِ الكَوَارِثِ، وَعَالَجْتُ المَصَابِينَ.
أَمَّا المَانَا الَّتِي كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ تَنْفَدَ بِاسْتِخْدَامِ الأَدَوَاتِ السِّحْرِيَّةِ، فَقَدْ بَقِيَتْ فِي جَسَدِي، رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ تَدْبِيرًا مِنَ الإِلَهِ.
وَبِفَضْلِ ذَلِكَ، سَاهَمَ سِحْرُ العِلَاجِ الوَاسِعِ النِّطَاقِ الَّذِي أَتَمَيَّزُ بِهِ فِي تَقَدُّمِ أَعْمَالِ الإِعْمَارِ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ.
تَقَدَّمَتْ أَعْمَالُ تَرْمِيمِ المَنَاطِقِ المُتَضَرِّرَةِ بِانْتِظَامٍ.
وَكَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَسِيرُ بِسَلَاسَةٍ.
المُشْكِلَةُ الوَحِيدَةُ، هِيَ أَنَّ قُدْرَتِي كَانَتْ مُفِيدَةً لِلْغَايَةِ؟
لَقَدْ ظَلَلْتُ أَعْمَلُ دُونَ تَوَقُّفٍ حَتَّى مَوْعِدِ الِاسْتِعْدَادِ لِحَفْلِ الخُطُوبَةِ.
كُنْتُ أُنْقِذُ النَّاسَ مَعَ لُويْد، وَأُعَالِجُهُمْ، ثُمَّ أُنْقِذُ المَزِيدَ…
‘وَبَعْدَ كُلِّ هَذَا أَمُوتُ؟’
لَا! هَذَا أَمْرٌ مَرْفُوضٌ تَمَامًا!
لَكِنْ بَيْنَمَا كُنْتُ أُبَالِغُ فِي رَدَّةِ فِعْلِي وَحْدِي، ثَبَتَ تِلْقَائِيًّا أَنَّ الشَّايَ لَمْ يَكُنْ مَسْمُومًا.
إِذْ لَمْ يَحْدُثْ أَيُّ مَكْرُوهٍ مِثْلَ نَزْفِ الدَّمِ أَوْ فُقْدَانِ الوَعْيِ.
لَقَدْ كَانَ طَعْمُ الشَّايِ غَرِيبًا فَحَسْبُ.
‘لَقَدْ قَلِقْتُ دُونَ دَاعٍ’.
سَأَلَتِ الخَادِمَةُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى وَجْهِي المُنْقَبِضِ بِقَلَقٍ:
“هَلْ تَشْعُرِينَ بِأَيِّ انْزِعَاجٍ؟”
“آه، طَعْمُ الشَّايِ غَرِيبٌ فَقَطْ”.
يَبْدُو أَنَّ الشَّايَ قَدْ فَسَدَ.
فُوجِئَتِ الخَادِمَةُ بِإِجَابَتِي وَاعْتَذَرَتْ بِارْتِبَاكٍ:
“أَنَا آسِفَةٌ جِدًّا يَا سَيِّدَة كَاي. لَقَدْ ارْتَكَبْتُ مِثْلَ هَذَا الخَطَأِ…. سَأُحْضِرُ شَايًا آخَرَ فَوْرًا”.
لَوَّحْتُ بِيَدِي قَائِلَةً إِنَّ الأَمْرَ لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنَّ الخَادِمَةَ أَصَرَّتْ وَهِيَ تَشْعُرُ بِالذَّنْبِ.
وَقَبْلَ رَحِيلِهَا، قَالَتْ إِنَّهَا سَتُخْبِرُ المَطْبَخَ بِأَنَّ أَوْرَاقَ الشَّايِ قَدْ فَسَدَتْ، ثُمَّ شَمَّتِ الإِبْرِيقَ:
“الرَّائِحَةُ تَبْدُو جَيِّدَةً…؟ هَلِ الرَّائِحَةُ فَقَطْ هِيَ السَّلِيمَةُ؟”
أَمَالَتِ الخَادِمَةُ رَأْسَهَا بِحَيْرَةٍ ثُمَّ أَخَذَتِ الإِبْرِيقَ وَاخْتَفَتْ فِي الرَّوَاقِ.
بَعْدَ قَلِيلٍ، دَخَلَتْ خَادِمَةٌ أُخْرَى تَحْمِلُ بَاقَةً كَبِيرَةً مِنَ الزُّهُورِ.
“سَيِّدَة كَاي، لَقَدْ وَصَلَتْ هَدِيَّةٌ”.
لَقَدْ كَانَتْ زُهُورَ زَهْرَةِ المَسَاءِ الصَّفْرَاءَ.
فَرِحْتُ وَأَخَذْتُ البَاقَةَ، فَلَحَظْتُ رِسَالَةً صَغِيرَةً بَيْنَ الزُّهُورِ.
[بُرْجُ السِّحْرِ مَفْتُوحٌ دَائِمًا لَكِ يَا سَيِّدَة كَاي. نَعِدُكِ بِمُمَيَّزَاتٍ لَا تُقَارَنُ بِمَا تَمْلِكُهُ هِيْلْدِيرِيُوز].
“هَهَه، يُوتِيَاسُ”.
ابْتَسَمْتُ وَأَنَا أَشْعُرُ بِالِامْتِنَانِ، لَكِنَّنِي اكْتَشَفْتُ شِيكًا عَلَى بَيَاضٍ مَوْضُوعًا فِي أَسْفَلِ الرِّسَالَةِ كَمُكافَأَةٍ.
“… سَأَرْفُضُ هَذَا يَا سَيِّدَ بُرْجِ السِّحْرِ”.
أَجَبْتُ بَصَوْتٍ خَافِتٍ عَلَى رِسَالَتِهِ ثُمَّ أَعَدْتُ البَاقَةَ لِلْخَادِمَةِ:
“رَائِحَةُ الزُّهُورِ جَمِيلَةٌ، ضَعِيهَا فِي مِزْهَرِيَّةٍ مِنْ فَضْلِكِ”.
أَوْمَأَتِ الخَادِمَةُ وَأَخَذَتِ الزُّهُورَ.
“كَاي”.
رَفَعْتُ رَأْسِي عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتٍ رَخِيمٍ قُرْبَ البَابِ.
لَقَدْ ظَهَرَ البَطَلُ الآخَرُ لِهَذَا اليَوْمِ.
كَانَتِ البَدْلَةُ الأَنِيقَةُ تُلَائِمُ طُولَهُ الفَارِعَ تَمَامًا.
يَبْدُو أَنَّ الخَدَمَ قَدْ بَذَلُوا جُهْدًا كَبِيرًا مَعَهُ أَيْضًا، فَقَدْ كَانَ يَلْمَعُ مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى قَدَمَيْهِ.
‘يَا لَهُ مِنْ عَرِيسٍ وَسِيمٍ’.
نَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مَمْلُوءٍ بِالفَخْرِ وَابْتَسَمْتُ، فَاحْمَرَّ وَجْهُهُ عِنْدَمَا تَلَاقَتْ أَعْيُنُنَا، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنِّي.
“أَنْتِ جَمِيلَةٌ اليَوْمَ أَيْضًا، يَا خَطِيبَتِي العَزِيزَةَ”.
قَالَ لُويْد بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ بِحَذَرٍ.
لَقَدْ كِدْتُ أَمُوتُ عَلَى يَدِ هَذِا الوسيم عِنْدَمَا التَقَيْنَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
مَنْ كَانَ يَتَخَيَّلُ أَنَّهُ سَيُصْبِحُ زَوْجِيَ المُسْتَقْبَلِيَّ اليَوْمَ.
ابْتَسَمْتُ بِرِقَّةٍ وَوَضَعْتُ يَدِي فَوْقَ يَدِهِ الكَبِيرَةِ.
حِينَهَا ابْتَسَمَ لُويْد بِرِقَّةٍ وَقَبَّلَ ظَهْرَ يَدِي، ثُمَّ سَاعَدَنِي عَلَى النُّهُوضِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرْتُ بِأَلَمٍ مَفَاجِئٍ فِي ظَهْرِي.
“أُوه”.
عِنْدَمَا أَمْسَكْتُ بِظَهْرِي وَقَطَّبْتُ حَاجِبَيَّ، تَفَحَّصَ لُويْد لَوْنَ وَجْهِي بِقَلَقٍ:
“هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟”
لَسْتُ بِخَيْرٍ.
كُلُّ هَذَا الأَلَمِ فِي ظَهْرِي بِسَبَبِكَ.
أَرَدْتُ قَوْلَ كَلِمَةٍ مَا، لَكِنَّ العُيُونَ وَالآذَانَ هُنَا كَانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا.
“يَا لَكُمَا مِنْ زَوْجٍ رَائِعٍ. أَنْتُمَا جَمِيلَانِ جِدًّا”.
ضَمَّتْ أَلَادِي يَدَيْهَا وَهِيَ تَرَانَا مَعًا، وَبَدَتِ الدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْهَا.
ابْتَسَمْتُ لَهَا، ثُمَّ أَمْسَكْتُ بِيَدِ لُويْد وَغَادَرْتُ الغُرْفَةَ بِسُرْعَةٍ.
مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، كُنْتُ أَشْعُرُ بِأَلَمٍ فِي ظَهْرِي وَسَاقَيَّ، لَكِنَّنِي حَاوَلْتُ التَّظَاهَرَ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ طَبِيعِيٌّ.
هَمَسَ لُويْد فِي أُذُنِي: “مَا رَأْيُكِ فِي تَلَقِّي العِلَاجِ الآنَ؟”.
رَفَعْتُ نَظَرِي إِلَيْهِ، فَكَانَ وَجْهُهُ مَمْلُوءًا بِالقَلَقِ.
هَلْ تَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ المُشْكِلَةَ سَتَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ تَلَقِّي العِلَاجِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؟
تَذَمَّرْتُ أَمَامَهُ بِوَجْهٍ عَابِسٍ:
“لِذَلِكَ قُلْتُ لَكَ، كَانَ عَلَيْكَ التَّوَقُّفُ عِنْدَمَا طَلَبْتُ مِنْكَ ذَلِكَ!”
ارْتَبَكَ لُويْد عِنْدَ سَمَاعِ تَذَمُّرِي، وَنَظَرَ إِلَيَّ مِثْلَ جَرْوٍ حَزِينٍ:
“بِمَا أَنَّكِ قُلْتِ إِنَّ المَرَّةَ الوَاحِدَةَ فِي اليَوْمِ هِيَ الحَدُّ الأَقْصَى… لَمْ أَسْتَطِعْ تَمَالَكَ نَفْسِي لِلَحْظَةٍ. أَنَا آسِفٌ”.
إِنَّهُ وَعْدٌ لَنْ يَلْتَزِمَ بِهِ أَبَدًا.
رُغْمَ أَنَّنِي اتَّفَقْتُ مَعَ لُويْد عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ فِي اليَوْمِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَفِ بِوَعْدِهِ وَلَا مَرَّةً وَاحِدَةً.
فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَتَوَسَّلُ لِي لِلْقِيَامِ بِذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، وَرُغْمَ عِلْمِي بِمَكْرِهِ، كُنْتُ أَنْجَرُّ خَلْفَهُ وَلَا أَنَامُ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَاليَوْمُ أَيْضًا، لَمْ أَنَمْ إِلَّا عِنْدَمَا بَدَأَ نُورُ الفَجْرِ يَظْهَرُ.
بِالتَّفْكِيرِ فِي الأَمْرِ، هَذَا هُوَ سَبَبُ نُعَاسِي قَبْلَ قَلِيلٍ.
لِأَنَّنِي لَمْ أَحْصُلْ عَلَى نَوْمٍ عَمِيقٍ!
“سَأُحَاوِلُ التَّحَكُّمَ فِي نَفْسِي حَقًّا الآنَ”.
نَظَرَ إِلَيَّ بِنَظْرَةٍ رَقِيقَةٍ.
هَلْ يَجِبُ أَنْ أُصَدِّقَ ذَلِكَ؟
هَزَزْتُ رَأْسِي لَا أَصُدِّقُ، فَقُوَّةُ تَحَمُّلِهِ تِلْكَ لَا يُمْكِنُ مُجَارَاتُهَا.
“أَيُّ تَحَكُّمٍ. لَا تَحْلُمْ بِذَلِكَ لِفَتْرَةٍ مِنَ الوَقْتِ. مَمْنُوعٌ”.
“وَلَكِنْ…!”
قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ بِالِاعْتِذَارِ، دَخَلْتُ بِسُرْعَةٍ إِلَى قَاعَةِ الحَفَلَاتِ.
فِي القَاعَةِ الفَاخِرَةِ، رَأَيْتُ الكَثِيرَ مِنَ الوُجُوهِ المَأْلُوفَةِ بَيْنَ النَّاسِ الَّذِينَ جَاءُوا لِتَهْنِئَتِي بِخُطُوبَتِي.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي ابْتَسَمْتُ فِيهَا بِفَرَحٍ لِرُؤْيَتِهِمْ.
‘أُوغ، مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ؟ أَشْعُرُ أَنَّنِي سَأَتَقَيَّأُ’.
كَانَ الأَمْرُ غَرِيبًا.
رُغْمَ أَنَّ القَاعَةَ مُزَيَّنَةٌ بِالزُّهُورِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَمَمْلُوءَةٌ بِأَطْعِمَةٍ تَبْدُو لَذِيذَةً، إِلَّا أَنَّ رَائِحَةً كَرِيهَةً انْبَعَثَتْ فِي المَكَانِ.
لَقَدْ كَانَتْ رَائِحَةً زَهِمَةً (مِثْلَ رَائِحَةِ الزَّفَرِ) جَعَلَتْنِي أُقَطِّبُ حَاجِبَيَّ دُونَ قَصْدٍ.
لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ لُويْد الَّذِي كَانَ يَقِفُ بِجَانِبِي، وَكَذَلِكَ جَمِيعَ النَّاسِ فِي القَاعَةِ، لَمْ يَشُمُّوا تِلْكَ الرَّائِحَةَ.
فَلَوْ شَمُّوهَا، لَمَا كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَيَّ جَمِيعًا بِتِلْكَ الِابْتِسَامَاتِ.
يَبْدُو أَنَّ جَسَدِي مُتْعَبٌ جِدًّا اليَوْمَ.
حَاوَلْتُ التَّحَكُّمَ فِي تَعَابِيرِ وَجْهِي وَأَنَا أَرَى النَّاسَ يَتَجَمَّعُونَ حَوْلِي.
“كَاي، شُكْرًا لَكِ لِأَنَّكِ أَصْبَحْتِ جُزْءًا مِنْ عَائِلَتِنَا. أُهَنِّئُكِ مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِي عَلَى الخُطُوبَةِ”.
رَحَّبَتْ بِي السَّيِّدَةُ إِيدِيلُ بَصَوْتٍ حَنُونٍ.
لَقَدْ تَحَدَّثَتْ مَعِي بِوَجْهٍ طَيِّبٍ، هِيَ الَّتِي كَانَتْ دُوقَةَ هِيْلْدِيرِيُوز السَّابِقَةَ وَسَتُصْبِحُ حَمَاتِي.
وَخَلْفَهَا، كَانَ السَّيِّدُ فْرِيدْرِيكُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ بِوَجْهٍ مَسْرُورٍ.
لَقَدْ كَانَا نَائِمَيْنِ دُونَ وَعْيٍ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، وَلَمْ يَسْتَيْقِظَا إِلَّا مُؤَخَّرًا.
وَقَدْ رَحَّبَا بِخَبَرِ خُطُوبَتِنَا المُفَاجِئِ بِكُلِّ صِدْقٍ.
لَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ، بَلْ قَامَا بِتَحْضِيرِ هَذَا الحَفْلِ بِنَفْسَيْهِمَا حِينَ كُنَّا نَحْنُ مَشْغُولِينَ بِأَعْمَالِ التَّرْمِيمِ.
وَعِنْدَمَا عُدْنَا إِلَى المَنْزِلِ لِإِقَامَةِ الحَفْلِ، قَالَا إِنَّ العُثُورَ عَلَى شَرِيكِ الحَيَاةِ يَعْنِي الِاسْتِقْلَالَ، فَجَأَةً نَقَلَا لَقَبَ الدُّوقِ إِلَى لُويْد.
وَقَالَا إِنَّهُمَا بَعْدَ انْتِهَاءِ الزِّفَافِ، يُرِيدَانِ الذَّهَابَ إِلَى الإِقْلِيمِ لِلْعَيْشِ بِهُدُوءٍ وَتَسَلُّقِ الجِبَالِ الثَّلْجِيَّةِ.
العَيْشُ بِهُدُوءٍ فِي الجِبَالِ الثَّلْجِيَّةِ لِلإِقْلِيمِ الشَّمَالِيِّ حَيْثُ تَمْتَلِئُ بِالوُحُوشِ وَالِارْتِفَاعَاتِ الشَّاهِقَةِ…
عِنْدَمَا سَمِعْتُ كَلَامَهُمَا الَّذِي يَبْدُو وَكَأَنَّهُمَا ذَاهِبَانِ لِلنُّزْهَةِ خَلْفَ المَنْزِلِ، فَكَّرْتُ أَنَّهُمَا حَقًّا وَالِدَا التَّوْأَمِ.
“سَيِّدَة كَاي!”
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَكَضَ آيِينُ نَحْوِي وَهُوَ يُلَوِّحُ بِيَدِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَأْكُلُ الحَلْوَى بَعِيدًا.
“سَيِّدَة كَاي! لَقَدْ أَصْبَحَ المَنْزِلُ جَمِيلًا جِدًّا! وَجَاءَ الكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ بِثِيَابٍ رَائِعَةٍ. لَكِنَّنِي أَظُنُّ أَنَّكِ الأَجْمَلُ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا”.
“شُكْرًا لَكَ يَا آيِينُ”.
مَسَحْتُ عَلَى رَأْسِ آيِينُ.
فَلَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَابْتَسَمَ بَيْنَمَا كَانَتْ بَقَايَا الكَعْكِ عَلَى فَمِهِ.
لَقَدْ عَادَ آيِينُ إِلَى هِيْلْدِيرِيُوز.
بِالطَّبْعِ، لَمْ تُرِدِ الكَنِيسَةُ تَرْكَهُ لِأَنَّهُ كَانَ وِعَاءً لِلإِلَهِ ذَاتَ يَوْمٍ.
لَكِنَّ آيِينُ أَعْرَبَ بِقُوَّةٍ عَنْ رَفْضِهِ لِلْعَوْدَةِ إِلَيْهَا، وَبَقِيَ فِي هِيْلْدِيرِيُوز.
مُؤَخَّرًا، أَصْبَحَ آيِينُ مَحْبُوبًا مِنْ جَمِيعِ مَنْ فِي المَنْزِلِ، وَبَدَأَ الدِّرَاسَةَ تَحْتَ إِشْرَافِ لُوسِي.
يَقُولُ إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُصْبِحَ مُعَالِجًا رَائِعًا.
الطُّمُوحُ شَيْءٌ جَيِّدٌ.
ابْتَسَمْتُ بِسَعَادَةٍ وَأَنَا أَتَذَكَّرُ آيِينُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ.
لَكِنْ، هَذَا غَرِيبٌ…. أَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ رَائِحَةُ الكَعْكِ زَكِيَّةً وَحُلْوَةً؟
لِمَاذَا أَشُمُّ هَذِهِ الرَّائِحَةَ الزَّهِمَةَ (الزَّفِرَةَ)؟
وَبِالنَّظَرِ إِلَى آيِينُ الَّذِي يَأْكُلُ بِتَلَذُّذٍ، يَبْدُو أَنَّ الطَّعْمَ مُمْتَازٌ أَيْضًا.
هَلْ هُنَاكَ خَلَلٌ فِي حَاسَّةِ الشَّمِّ لَدَيَّ؟
لِلأَسَفِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَمْرًا عَارِضًا، فَقَدْ ظَلَّ قَلْبِي يَنْقَبِضُ غَثَيَانًا طَوَالَ حَفْلِ الخُطُوبَةِ.
وَبِسَبَبِ ذَلِكَ، مَرَّ الحَفْلُ دُونَ أَنْ أُدْرِكَ مَاذَا يَحْدُثُ.
انْتَهَتْ مَرَاسِمُ الخُطُوبَةِ البَسِيطَةِ، وَأَخِيرًا جَاءَ دَوْرُ كَلِمَةِ الإِمْبِرَاطُورَةِ.
تَمَنَّتْ لَنَا السَّعَادَةَ بِكَلِمَاتٍ دَافِئَةٍ.
كَانَتْ هُنَاكَ كَلِمَاتٌ مُؤَثِّرَةٌ جِدًّا، لَكِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعِ التَّرْكِيزَ.
لِأَنَّ حَالَتِي الصِّحِّيَّةَ بَدَأَتْ تَسُوءُ تَدْرِيجِيًّا.
وَالآنَ، بَدَأَ العَالَمُ يَدُورُ حَوْلِي.
بَعْدَ انْتِهَاءِ الكَلِمَةِ، حَانَ وَقْتُ الخُرُوجِ.
كُنْتُ أَسِيرُ وَأَنَا أَسْتَنِدُ تَمَامًا عَلَى لُويْد حَتَّى خَرَجْنَا مِنَ القَاعَةِ وَدَخَلْنَا غُرْفَةَ الِانْتِظَارِ.
لَقَدْ كَانَ وَقْتَ تَبْدِيلِ المَلَابِسِ مِنْ أَجْلِ حَفْلِ الِاسْتِقْبَالِ.
جَلَسْتُ عَلَى أَرِيكَةِ غُرْفَةِ الِانْتِظَارِ بِلَا حَوْلٍ وَلَا قُوَّةٍ وَأَسْنَدْتُ رَأْسِي لِلْخَلْفِ، فَفُتِحَ البَابُ بِقُوَّةٍ وَدَخَلَتِ السَّيِّدَةُ إِيدِيلُ وَالسَّيِّدُ فْرِيدْرِيكُ.
قَالَا إِنَّهُمَا تَبِعَانِي لِأَنَّ حَالَتِي لَمْ تَبْدُ جَيِّدَةً، وَبَدَا القَلَقُ عَلَى وَجْهَيْهِمَا.
“كَاي، هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟”
نَظَرَ إِلَيَّ لُويْد الجَالِسُ بِجَانِبِي بِقَلَقٍ.
“لِمَاذَا وَجْهُكِ شَاحِبٌ هَكَذَا؟”
انْدَهَشَتِ السَّيِّدَةُ إِيدِيلُ وَنَادَتِ الخَادِمَةَ.
“أَشْعُرُ بِالغَثَيَانِ وَالدُّوَارِ…”
“يَا إِلَهِي. بِسُرْعَةٍ، أَحْضِرِي كُوبًا مِنَ المَاءِ فَوْرًا”.
أَحْضَرَتِ الخَادِمَةُ كُوبًا مِنَ المَاءِ المَلِيءِ بِالثَّلْجِ.
شَرِبْتُ المَاءَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لِأُهَدِّئَ مَعِدَتِي المُنْقَبِضَةَ.
سَالَ المَاءُ البَارِدُ فِي مَرِيئِي.
لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَفَّزَ جَسَدِي المُرْهَقَ، فَشَعَرْتُ بِشَيْءٍ يَنْدَفِعُ مِنْ دَاخِلِي.
“أُوغ!”
مَهْلًا. هَلْ هَذَا…؟
حِينَهَا فَقَطْ، خَطَرَتْ بِبَالِي حَقِيقَةٌ كُنْتُ قَدْ نَسِيتُهَا.
❁❁❁
“نُبَارِكُ لَكِ. إِنَّهُ حَمْلٌ”.
نَظَرَتِ الطَّبِيبَةُ الَّتِي جَاءَتْ لِلْفَحْصِ إِلَيَّ وَأَنَا مُسْتَلْقِيَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، وَأَعْلَنَتْ نَتِيجَةَ التَّشْخِيصِ.
كُنْتُ أَشُكُّ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ هَلْ كَانَ حَقًّا..
“حَمْلٌ…؟”
“أَلَمْ تَشْعُرِي بِالتَّعَبِ وَالنُّعَاسِ؟ وَتَشْعُرِينَ بِالغَثَيَانِ عِنْدَ شَمِّ رَائِحَةِ الطَّعَامِ؟”
بَدَأَتِ الطَّبِيبَةُ تَسْرُدُ أَعْرَاضِي بِشَكْلٍ مُّذْهِلٍ.
“هَذِهِ أَعْرَاضُ الحَمْلِ”.
وَأَضَافَتْ أَنَّنِي لَا أَزَالُ فِي بِدَايَةِ الحَمْلِ، لِذَلِكَ عَلَيَّ الحَذَرُ.
حَمْلٌ؟
أَرَدْتُ أَنْ أَنْفِيَ الأَمْرَ كَمَا فَعَلْتُ عِنْدَمَا جِئْتُ لِهَذَا المَنْزِلِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَكِنَّ مَا حَدَثَ لَيْلَةَ أَمْسِ، وَكُلَّ مَا فَعَلْتُهُ مَعَ لُويْد طَوَالَ هَذِهِ الفَتْرَةِ كَانَ كَثِيرًا جِدًّا.
“إِذَنْ، هَلْ أَسْمَحُ لِمَنْ بِالخَارِجِ بِالدُّخُولِ؟”
سَأَلَتْنِي الطَّبِيبَةُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى بَابِ الغُرْفَةِ الَّذِي كَانَ يَضِجُّ بِالأَصْوَاتِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ.
“… نَعَمْ، تَفَضَّلِي”.
وَبَيْنَمَا كَانَتِ الطَّبِيبَةُ تَتَوَجَّهُ نَحْوَ البَابِ بَعْدَ مُوَافَقَتِي.
“مَاذَا حَدَثَ! هَلْ هِيَ مَرِيضَةٌ جِدًّا؟”
“لِمَاذَا تَأَخَّرْتِ هَكَذَا؟”
لَمْ يَسْتَطِعْ لُويْد وَدَابيينُ الِانْتِظَارَ، فَفَتَحَا البَابَ بِقُوَّةٍ وَدَخَلَا.
‘يَا لَهُمَا مِنْ مُتَسَرِّعَيْنِ. حَقًّا’.
تَمْتَمْتُ فِي سِرِّي ثُمَّ اسْتَقْبَلْتُهُمَا بِابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ.
مُنْذُ قَلِيلٍ، عِنْدَمَا سَمِعْتُ خَبَرَ الحَمْلِ مِنْ فَمِ الطَّبِيبَةِ، كُنْتُ مَذْهُولَةً فَقَطْ، لَكِنَّ الأَمْرَ بَدَأَ يُصْبِحُ حَقِيقِيًّا الآنَ.
شَعَرْتُ بِالحَرَارَةِ تَصْعَدُ إِلَى وَجْنَتَيَّ.
“لَقَدْ وَقَعَتْ مُصِيبَةٌ”.
عِنْدَ كَلَامِي الغَامِضِ، شَحَبَ لَوْنُهُمَا.
وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يَقُومَا بِأَيِّ فِعْلٍ جُنُونِيٍّ، أَكْمَلْتُ كَلَامِي بِسُرْعَةٍ:
“لِأَنَّ دَابيينَ سَتُصْبِحُ عَمَّةً”.
“عَـ…… عَمَّةٌ……؟”
تَجَمَّدَتْ دَابيينُ بِمَلَامِحَ مَذْهُولَةٍ عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِي.
“إِذَنْ أَنَا……”.
لَمْ يَسْتَطِعْ لُويْد إِكْمَالَ جُمْلَتِهِ، فَأَكْمَلْتُ لَهُ بِلُطْفٍ:
“سَتُصْبِحُ أَبًا”
لَمْ يَكُنِ المَصِيرُ يَوْمًا قَدَرًا مَحْتُومًا، بَلْ كَانَ خِيَارًا صَنَعْنَاهُ بِأَيْدِينَا.
وَالآنَ، بَعْدَمَا انْطَفَأَتْ نِيرَانُ الحَرْبِ وَتَلَاشَتْ ظِلَالُ المَاضِي، لَمْ تَعُدِ النِّهَايَةُ مُجَرَّدَ خِتَامٍ لِقِصَّةٍ.. بَلْ صَارَتْ فَجْرًا لِحَيَاةٍ لَمْ نَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى الحُلْمِ بِهَا.
❁❁❁❁❁❁❁❁❁
انْتَهَتِ رِّوَايَةُ {الشَّريرةُ النِّهائيةُ هي المُعالِجةُ!}
*صفا : نلتقي معا في رواية أخرى هنزلها قريبا♥️🫂 عطوني رأيكم بهذه الرواية بالتعليقات🥰✨
التعليقات لهذا الفصل " 128 ﴿ الـنِّـهَـايَـةُ ﴾"