الفصل 127
عِنْدَ كَلَامِ لُوسِي الحَازِمِ، صَرَخَتْ زَوْجَةُ المَارْكِيزِ بِنَبْرَةٍ حَادَّةٍ قَائِلَةً:
“لَا يَا لُوسِي! كَيْفَ تَقُولِينَ كَلَامًا قَاسِيًا كَهَذَا عَنْ قَطْعِ رَابِطَتِكِ بِأُمِّكِ، وَنَحْنُ مَنْ رَبَّيْنَاكِ؟”
ثُمَّ اقْتَرَبَتْ مِنْهَا وَهِيَ تَرْتَدِي تَعَابِيرَ البُؤْسِ:
“لُوسِي، يَا ابْنَتِي الجَمِيلَةَ. نَحْنُ نَفْعَلُ كُلَّ هَذَا لِأَجْلِكِ، لِتَكُونِي فِي حَالٍ أَفْضَلَ”.
كَمَا نَظَرَ المَارْكِيزُ لِيتْرِي أَيْضًا إِلَى لُوسِي بِأَكْتَافٍ مُنْحَنِيَةٍ.
رَغْمَ لَقَبِهِ كَمَارْكِيزٍ، إِلَّا أَنَّ جَسَدَ الرَّجُلِ الهَزِيلِ لِلْغَايَةِ لَفَتَ أَنْظَارَهَا.
وَعِنْدَمَا رَأَتِ المَارْكِيزَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِوَجْهٍ بَاكٍ، شَعَرَتْ لُوسِي بِلَحْظَةٍ مِنَ الذَّنْبِ دُونَ قَصْدٍ.
“ابْنَتِي العَزِيزَةَ، كَمْ كَانَ العَمَلُ شَاقًّا عَلَيْكِ… لَقَدْ قَصَّرْنَا فِي حَقِّكِ كَثِيرًا. هَلْ كُنْتِ حَزِينَةً لِأَجْلِ ذَلِكَ؟ كُلُّ الخَطَأِ مِنِّي. لَنْ أُكَرِّرَ ذَلِكَ أَبَدًا. لَكِنْ يَا ابْنَتِي، لَا يُمْكِنُ قَطْعُ رَابِطَةِ الوَالِدَيْنِ وَالأَبْنَاءِ بِهَذِهِ البَسَاطَةِ”.
بَدَتِ الدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْ زَوْجَةِ المَارْكِيزِ أَخِيرًا.
وَعِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ أُمِّهَا الحَنُونِ، اهْتَزَّ قَلْبُ لُوسِي.
تَذَكَّرَتْ حِينَ كَانَتْ طِفْلَةً تَمْشِي بِخُطُوَاتٍ مُتَعَثِّرَةٍ وَأُمُّهَا تَحْمِلُهَا بِدِفءٍ، فَآلَمَهَا قَلْبُهَا.
وَمَعَ ذَلِكَ…
‘لَا يُمْكِنُنِي الِاسْتِمْرَارُ فِي العَيْشِ هَكَذَا’.
قَبَضَتْ لُوسِي يَدَيْهَا.
كُلُّ هَذَا لَيْسَ سِوَى تَمْثِيلٍ.
مُنْذُ انْتِقَالِهَا لِلْعَمَلِ فِي هِيْلْدِيرِيُوز، اقْتَرَضَ وَالِدَاهَا مَبَالِغَ طَائِلَةً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ بِحُجَّةِ تَوْسِيعِ تِجَارَةِ العَائِلَةِ.
وَبَعْدَ أَنْ كَانَتْ لُوسِي تَرَى وَالِدَيْهَا يَعِيشَانِ عَالَةً عَلَى رَاتِبِهَا، شَعَرَتْ بِلَحْظَةٍ مِنَ الأَمَلِ وَهِيَ تَرَاهُمَا يَتَنَقَّلَانِ بِحَمَاسٍ لِشَرْحِ اسْتِثْمَارَاتِ المَشْرُوعِ.
هَلْ عادا إِلَى رُشْدِهِمَا الآنَ؟
لَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ مُجَرَّدَ ظَنٍّ مِنْهَا.
لَمْ تَكُنْ تَتَخَيَّلُ أَنَّهُمَا سَيُنْفِقَانِ تِلْكَ المَبَالِغَ الضَّخْمَةَ الَّتِي حَصَلَا عَلَيْهَا كَاسْتِثْمَارَاتٍ فِي لَعِبِ القِمَارِ وَالبَذَخِ.
°أَبِي! هَلْ يُمْكِنُ إِنْفَاقُ المَالِ بِهَذَا السَّخَاءِ؟°
°بِالطَّبْعِ يَا لُوسِيو! لَدَيْكَ أُخْتُكَ. هِيَ مَنْ سَيَحُلُّ كُلَّ شَيْءٍ°
°لَكِنْ إِذَا أَنْفَقْنَا كُلَّ المَالِ هَكَذَا، فَلَا بُدَّ أَنَّهَا سَتَغْضَبُ؟°
°فُوهَاهَاهَا، يَا ابْنِي العَزِيزَ. أُخْتُكَ تَفْعَلُ كُلَّ مَا نُرِيدُهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَتَظَاهَرَ أَبُوكَ وَأُمُّكَ بِالبُؤْسِ وَتَسْقُطَ دُمُوعُهُمَا°
لَقَدْ كَانَتْ زِيَارَةً لِمَنْزِلِ وَالِدَيْهَا دُونَ مَوْعِدٍ لِإِحْضَارِ بَعْضِ الأَوْرَاقِ.
وَانْغَرَسَ الحِوَارُ الَّذِي دَارَ بَيْنَ أَفْرَادِ عَائِلَتِهَا خَلْفَ البَابِ المَفْتُوحِ عَمِيقًا فِي صَدْرِ لُوسِي.
لَمْ تَعُدْ تَرْغَبُ فِي قَضَاءِ أَيَّامِهَا وَهِيَ مَسُوقَةٌ خَلْفَهُمْ بَعْدَ الآنَ.
كَحَتْ دُمُوعَهَا المُنْهَمِرَةَ وَنَظَرَتْ إِلَى المَارْكِيزِ غُونْزَالِيسُ ثُمَّ أَجَابَتْ بِبُرُودٍ:
“أَنَا شَخْصٌ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِهَؤُلَاءِ. عُودُوا مِنْ حَيْثُ جِئْتُمْ. لَقَدْ كَانَتْ رِحْلَتُكُمْ بِلَا جَدْوَى”.
ثُمَّ اسْتَدَارَتْ سَرِيعًا لِلْعَوْدَةِ إِلَى قَاعَةِ الحَفَلَاتِ.
“أَيَّتُهَا الفَتَاةُ قَلِيلَةُ الأَدَبِ!”
صَرَخَ المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ بِصَوْتٍ عَالٍ وَأَمْسَكَ بِذِرَاعِ لُوسِي بِخُشُونَةٍ سَاحِبًا إِيَّاهَا نَحْوَهُ.
“أَتَعْرِفِينَ كَمْ مَنَحْتُ وَالِدَيْكِ مِنَ المَالِ؟ لَقَدْ وَقَّعَا بِالْفِعْلِ عَلَى طَلَبِ الزَّوَاجِ. أَنْتِ زَوْجَتِي! تَقُولِينَ لَا عَلَاقَةَ لَكِ بِهِمْ؟ طَالَمَا أَنَّ اسْمَكِ مُسَجَّلٌ فِي عَائِلَةِ لِيتْرِي، فَأَنْتِ مِلْكٌ لِوَالِدَيْكِ”.
دَفَعَهَا وَهُوَ مُحْمَرُّ الوَجْهِ مِنَ الغَضَبِ:
“يَا لَكِ مِنْ صَلِفَةٍ! هَلْ ظَنَنْتِ أَنَّ حُصُولَكِ عَلَى مَنْصِبٍ فِي هِيْلْدِيرِيُوز سَيُغَيِّرُ شَيْئًا؟”
رَفَعَ المَارْكِيزُ يَدَهُ لِيَصْفَعَ لُوسِي.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أَغْمَضَتْ فِيهَا لُوسِي عَيْنَيْهَا تِلْقَائِيًّا.
“هَاه”.
سُمِعَ صَوْتُ تَنَهُّدٍ عَمِيقٍ، ثُمَّ أَمْسَكَ شَخْصٌ مَا بِمِعْصَمِ المَارْكِيزِ بِقُوَّةٍ.
“مَنْ هَذَا! مَنْ تَجَرَّأَ عَلَى لَمْسِ جَسَدِ المَارْكِيزِ غُونْزَالِيسُ!”
شَتَمَ المَارْكِيزُ وَهُوَ يَلْتَفِتُ لِلْخَلْفِ.
ثُمَّ اتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ الصَّغِيرَتَانِ الغَارِقَتَانِ فِي الشُّحُومِ فَجْأَةً.
“هَاه! أَ… أَنْتِ؟”
قَبْلَ أَنْ يُنْهِيَ جُمْلَتَهُ، قَامَ الشَّخْصُ الَّذِي أَمْسَكَ بِيَدِ المَارْكِيزِ بِلَيِّ مِفْصَلِهِ لِلْجَانِبِ الآخَرِ بِسُرْعَةٍ.
سُمِعَ صَوْتُ طَقْطَقَةِ العِظَامِ وَهِيَ تَنْفَصِلُ.
“آااااااه!”
صَرَخَ المَارْكِيزُ مِنَ الأَلَمِ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً.
“هَاه… فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ الجَمِيلِ، يَقِفُ حُثَالَةٌ أَمَامَ مَنْزِلِي؟”
الزَّوْجَانِ لِيتْرِي الَّذَانِ كَانَا يُرَاقِبَانِ المَوْقِفَ فَقَطْ، جَثَيَا عَلَى رُكْبَتَيْهِمَا أَمَامَهَا:
“نُحَيِّي… نُحَيِّي نَجْمَةَ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ”.
وَقَفَتْ دَابيينُ بِمَيْلٍ وَهِيَ تُقَطِّبُ حَاجِبَيْهَا.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سَقَطَتْ وَرَقَةُ طَلَبِ الزَّوَاجِ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ المَارْكِيزِ وَتَطَايَرَتْ أَمَامَهَا.
الْتَقَطَتْ دَابيينُ الوَرَقَةَ بِسُرْعَةٍ وَقَرَأَتْهَا بِتَمَعُّنٍ.
فَازْدَادَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهَا قَسْوَةً.
“اسْمَعْ يَا مَارْكِيز لِيتْرِي. هَلْ تَمْلِكُ عَقْلًا أَمْ لَا؟ تَبِيعُ ابْنَتَكَ لِمِثْلِ هَذَا الحُثَالَةِ؟”
ارْتَجَفَ المَارْكِيزُ الجَاثِي عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ يُرَاقِبُ رَدَّةَ فِعْلِ دَابيِينَ، ثُمَّ نَطَقَ أَخِيرًا:
“لَقَدْ كَانَ قَرَارًا لِأَجْلِ سَعَادَةِ ابْنَتِي. إِنَّهُ أَمْرٌ شَخْصِيٌّ بِعَائِلَتِنَا… مَهْمَا كُنْتِ وَلِيَّةً لِلْعَهْدِ، لَا يَحِقُّ لَكِ التَّدَخُّلُ”.
عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، مَزَّقَتْ دَابيينُ وَرَقَةَ الزَّوَاجِ فَوْقَ رَأْسِ المَارْكِيزِ إِرْبًا إِرْبًا.
“تَدَخُّلٌ؟ يَا مَارْكِيز، هَذِهِ تَابِعَتِي، فَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ أَتَدَخَّلَ فِي شُؤُونِهَا؟ عَلَى أَيِّ حَالٍ، هَذَا الطَّلَبُ بَاطِلٌ. أَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ أَنَّهَا قَدْ شَطَبَتِ اسْمَهَا بِنَفْسِهَا مِنْ سِجِلِّ عَائِلَةِ لِيتْرِي”.
أَوْمَأَتْ لُوسِي بِرَأْسِهَا تَأْكِيدًا لِكَلَامِ دَابيِينَ:
“نَعَمْ، لَقَدْ أَرْسَلْتُ وَثِيقَةَ التَّأْكِيدِ إِلَى المَنْزِلِ”.
لَا بُدَّ أَنَّهُ قَدْ تَأَكَّدَ مِنْ ذَلِكَ.
فَقَدْ كَانَ بُؤْبُؤُ عَيْنِ المَارْكِيزِ يَرْتَجِفُ بِشِدَّةٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ، جَاءُوا إِلَى هُنَا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الِابْنَةَ سَتَقْبَلُهُمْ إِذَا تَمَثَّلُوا دَوْرَ البُؤْسِ.
أَمَّا لُوسِي، فَقَدْ تَخَلَّتْ عَنْ كُلِّ مَشَاعِرِ النَّدَمِ الآنَ.
لَمْ يَعُدْ لَهَا وَالِدَانِ فِي حَيَاتِهَا بَعْدَ اليَوْمِ.
وَصَلَ الفُرْسَانُ بَعْدَ تَلَقِّيهِمْ بَلَاغًا مِنَ الخَادِمِ.
وَأَمْسَكُوا بِالمَارْكِيزِ الَّذِي كَانَ يَصْرُخُ، وَبِالزَّوْجَيْنِ لِيتْرِي اللَّذَيْنِ كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَى لُوسِي فَقَطْ.
“لُوسِي، قُولِي لَهُمْ أَنْ يَتْرُكُونَا! نَحْنُ وَالِدَاكِ!”
بَيْنَمَا كَانَ الفُرْسَانُ يَقْتَادُونَهُمَا، صَرَخَ الزَّوْجَانِ بِأَسًى وَهُمَا يَنْظُرَانِ إِلَى لُوسِي.
لَكِنَّ لُوسِي تَجَاهَلَتْ كُلَّ تِلْكَ الأَصْوَاتِ وَأَشَاحَتْ بِوَجْهِهَا.
كَمْ مَضَى مِنَ الوَقْتِ؟
عِنْدَمَا لَمْ تُبْدِ الِابْنَةُ أَيَّ رَدَّةِ فِعْلٍ، صَرَخَ الزَّوْجَانِ لِيتْرِي بِحِقْدٍ وَهُمَا يُسْحَبَانِ بِيَدِ الفُرْسَانِ:
“أَيَّتُهَا الفَتَاةُ العَاقَّةُ!”
“سَتُصِيبُكِ لَعْنَةُ السَّمَاءِ! لِنَرَى كَيْفَ سَتَعِيشِينَ رَغَدًا بَعْدَ أَنْ تَخَلَّيْتِ عَنْ وَالِدَيْكِ!”
لَكِنَّ لُوسِي لَمْ تُبْدِ أَيَّ رَدَّةِ فِعْلٍ حَتَّى أَمَامَ كَلِمَاتِ وَالِدَيْهَا المَمْلُوءَةِ بِاللَّعَنَاتِ.
طَرَاااخ!
بَعْدَ ذَلِكَ، فُتِحَتِ البَوَّابَةُ الرَّئِيسِيَّةُ لِـهِيْلْدِيرِيُوز بِقُوَّةٍ، وَأَخْرَجَ الفُرْسَانُ المَارْكِيزَ وَالزَّوْجَيْنِ لِيتْرِي خَارِجًا فِي لَحْظَةٍ.
المَارْكِيزُ، الَّذِي طُرِدَ مِنْ هِيْلْدِيرِيُوز مَعَ ضَيَاعِ أَمَلِهِ، نَظَرَ إِلَى الزَّوْجَيْنِ لِيتْرِي بِنَظْرَةٍ حَاقِدَةٍ:
“يَا مَارْكِيز لِيتْرِي! بِمَا أَنَّ الوَعْدَ لَمْ يُنَفَّذْ، أَعِدْ لِي مَالِي فَوْرًا!”
لَقَدْ كَانَ زَوَاجًا احْتِيَالِيًّا وَاضِحًا.
أَنْ يَبِيعُوا ابْنَتَهُمُ المَشْطُوبَةَ مِنَ السِّجِلِّ بِمَبَالِغَ طَائِلَةٍ، يَا لَهُمْ مِنْ مُحْتَالِينَ!
لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَرِدَّ المَالَ.
لِلأَسَفِ، كُلُّ المَالِ الَّذِي مَنَحَهُ المَارْكِيزُ كَانَ قَدْ تَبَخَّرَ بِالْفِعْلِ فِي القِمَارِ وَالبَذَخِ.
لَمْ يَبْقَ لِلزَّوْجَيْنِ لِيتْرِي سِوَى اللَّقَبِ وَالمَنْزِلِ وَبَعْضِ المُقْتَنَيَاتِ الفَاخِرَةِ الَّتِي اشْتَرَوْهَا بِجُنُونٍ.
وَبَعْدَ أَنْ كَانَا يَظُنَّانِ أَنَّ ابْنَتَهُمَا سَتَحُلُّ كُلَّ هَذَا، نَظَرَا إِلَى مَنْزِلِ هِيْلْدِيرِيُوز بِوَجْهٍ خَائِبٍ.
لَكِنْ مَهْمَا نَظَرَا، لَمْ تَعُدِ ابْنَتُهُمَا الطَّيِّبَةُ مَوْجُودَةً هُنَاكَ بَعْدَ الآنَ.
لَمْ يَعُدْ صَوْتُ الزَّوْجَيْنِ لِيتْرِي مَسْمُوعًا.
وَقَفَتْ لُوسِي بِصَمْتٍ وَهِيَ تَقْبِضُ يَدَيْهَا، ثُمَّ مَسَحَتِ الدُّمُوعَ الَّتِي سَالَتْ عَلَى وَجْنَتَيْهَا.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ظَهَرَ مَارْتِنُ بِجَانِبِهَا بَعْدَ أَنْ طَرَدَ الزَّوْجَيْنِ وَالمَارْكِيزَ.
سَأَلَ لُوسِي بِوَجْهٍ حَزينٍ:
“آَنِسَةُ لُوسِي، هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟”
رَفَعَتْ لُوسِي رَأْسَهَا عِنْدَ سُؤَالِ مَارْتِنَ.
مَسَحَتْ دُمُوعَهَا وَابْتَسَمَتْ هَادِئَةً:
“نَعَمْ، أَنَا بِخَيْرٍ. هَذَا لَا شَيْءَ… وَقَدْ حَلَلْتُ كُلَّ شَيْءٍ الآنَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
لَقَدْ خَرَجَتْ تَمَامًا مِنْ ظِلِّ العَائِلَةِ الَّذِي كَانَ يَنْهَشُ فِيهَا.
الآنَ انْتَهَى الأَمْرُ حَقًّا.
“آَنِسَةُ لُوسِي! آَنِسَةُ لُوسِي، أَيْنَ أَنْتِ؟”
سُمِعَ صَوْتٌ يُنَادِيهَا مِنْ دَاخِلِ قَاعَةِ الحَفَلَاتِ.
“لَدَيَّ عَمَلٌ، عَلَيَّ الذَّهَابُ الآنَ!”
وَدَّعَتْ لُوسِي مَارْتِنَ بِابْتِسَامَةٍ مُشْرِقَةٍ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَدْخُلُ إِلَى القَاعَةِ، كَانَتْ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ تُنِيرُ دَرْبَهَا بِسُطُوعٍ.
❁❁❁
أَشْعُرُ بِالتَّعَبِ……
بِشَكْلٍ غَرِيبٍ، دَاهَمَنِي الخُمُولُ وَالرَّغْبَةُ فِي النَّوْمِ.
‘لَا يَجِبُ أَنْ أَنَامَ! اليَوْمُ يَوْمٌ مُهِمٌّ جِدًّا’.
اليَوْمُ هُوَ يَوْمُ حَفْلِ خُطُوبَتِي!
يَبْدُو وَكَأَنَّهُ الأَمْسُ فَقَطْ حِينَ كُنْتُ أَرْتَجِفُ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ بَعْدَ انْتِقَالِي لِجَسَدِ الشَّرِيرَةِ فِي هَذَا العَالَمِ.
وَالآنَ، وَجَدْتُ العَقْلَ المُدَبِّرَ المُخْتَبِئَ، وَأَنْقَذْتُ هَذَا العَالَمَ مِنَ الدَّمَارِ.
لَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ، بَلْ وَوَعَدْتُ بِالزَّوَاجِ مِنْ أَخِ البَطَلَةِ.
هَذَا يُعْتَبَرُ نِهَايَةً سَعِيدَةً مُكْتَمِلَةً.
بِمُنَاسَبَةِ حَفْلِ الخُطُوبَةِ، تَمَّتْ زَخْرَفَةُ مَنْزِلِ هِيْلْدِيرِيُوز بِجَمَالٍ يَفُوقُ المُعْتَادَ بِأَضْعَافٍ.
قَاعَةُ الحَفَلَاتِ الَّتِي كَانَتْ خَالِيَةً دَائِمًا، امْتَلَأَتْ بِالزِّينَةِ الثَّمِينَةِ، وَالأَطْعِمَةُ المُعَدَّةُ كَانَتْ فَاخِرَةً أَيْضًا.
وَلَمْ أَكُنْ أَنَا، بَطَلَةَ هَذَا اليَوْمِ، اسْتِثْنَاءً.
“يَا لَلْعَجَبِ! الآَنِسَةُ كَاي هِيَ أَعْظَمُ مُلْهِمَةٍ فِي حَيَاتِي. أَنَا أَلَادِي، سَعِيدٌ جِدًّا بِلِقَائِكِ. هَلْ تَسْمَعِينَ؟ صَوْتُ الفُسْتَانِ الَّذِي صَنَعْتُهُ وَهُوَ يَصْرُخُ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ…! آه، كَمْ أَنَا سَعِيدٌ”.
تَمَادَت أَلَادِي فِي التَّعْبِيرِ عَنْ سَعَادَتِهِا عِنْدَمَا رأتنِي وَأَنَا جَالِسَةٌ أَرْتَدِي الفُسْتَانَ بَعْدَ تَعْدِيلِهِ.
شَكْلِي المُنْعَكِسُ فِي المِرْآةِ كَانَ، مِمْ… جَمِيلًا.
لَا دَاعِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ.
لَقَدْ كَانَ الأَمْرُ مُحْرِجًا حَتَّى عِنْدَ قَوْلِهِ.
‘لَقَدْ بَذَلَتِ الخَادِمَاتُ جُهْدًا شَاقًّا فِي التَّحْضِيرِ مُنْذُ الفَجْرِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟’
شَعْرٌ مُصَفَّفٌ بِجَمَالٍ، وَفُسْتَانٌ مُطَرَّزٌ بِالجَوَاهِرِ اللَّامِعَةِ.
بَعْدَ كُلِّ هَذَا التَّزَيُّنِ، لَا يُمْكِنُ أَلَّا أَكُونَ جَمِيلَةً.
“هَـااام (تَثَاؤُب)”.
لَكِنْ لِمَاذَا؟
لَا يَزَالُ جَسَدِي مُرْتَخِيًا، وَالنُّعَاسُ يُدَاهِمُنِي.
حَاوَلْتُ المُقَاوَمَةَ، لَكِنْ دُونَ قَصْدٍ، بَدَأَتِ الرُّؤْيَةُ تُصْبِحُ ضَبَابِيَّةً تَدْرِيجِيًّا.
“آَنِسَةُ كَاي! عَلَيْكِ الِاسْتِيْقَاظُ. سَيَبْدَأُ حَفْلُ الخُطُوبَةِ قَرِيبًا”.
عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ أَلَادِي، اسْتَعَدْتُ وَعْيِي فَجْأَةً.
يَبْدُو أَنَّنِي نِمْتُ وَأَنَا أَتَثَاءَبُ.
كَلَّا، هَلْ يُعْقَلُ أَنْ أَكُونَ مُسْتَرْخِيَةً هَكَذَا دُونَ أَيِّ تَوْتُرٍ فِي حَفْلِ خُطُوبَتِي؟
هَزَزْتُ رَأْسِي بِقُوَّةٍ لِأَسْتَعِيدَ نَشَاطِي بَعْدَ لَوْمِ نَفْسِي عَلَى هَذَا التَّهَاوُنِ، ثُمَّ نَهَضْتُ مِنْ مَكَانِي.
‘أُوه’.
رُغْمَ أَنَّنِي جَلَسْتُ لِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ فَقَطْ، إِلَّا أَنَّ ظَهْرِي كَانَ يُؤْلِمُنِي بِتَيَبُّسٍ.
“هَلْ أُحْضِرُ لَكِ كُوبًا مِنَ الشَّايِ المُثَلَّجِ؟”
عِنْدَمَا قَطَّبْتُ حَاجِبَيَّ، سَأَلَتِ الخَادِمَةُ الَّتِي كَانَتْ بِجَانِبِي وَهِيَ تَتَفَقَّدُ لَوْنَ وَجْهِي.
أَوْمَأْتُ بِرَأْسِي بِضَعْفٍ رَغْبَةً فِي شُرْبِ شَايٍ بَارِدٍ لِأَسْتَعِيدَ تَرْكِيزِي، فَقَدَّمَتْ لِي عَلَى الفَوْرِ كُوبًا مِنَ الشَّايِ المَنْقُوعِ بِبَتَلَاتِ الأَزْهَارِ وَالمَلِيءِ بِالثَّلْجِ.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أَخَذْتُ فِيهَا الشَّايَ وَشَرِبْتُهُ بِجَشَعٍ.
شَعَرْتُ فَجْأَةً بِغَثَيَانٍ مِنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ انْبَعَثَتْ مِنَ الشَّايِ.
‘هَلْ يُعْقَلُ… أَنَّنِي أَتَعَرَّضُ لِلتَّسَمُّمِ قُبَيْلَ النِّهَايَةِ السَّعِيدَةِ؟’
لَمْ أَشْعُرْ قَطُّ بِالغَثَيَانِ عِنْدَ شُرْبِ الشَّايِ، لِذَلِكَ ثَارَتْ شُكُوكِي بِقُوَّةٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 127"