الفصل 116
“حَاصِدُ الأَرْوَاحِ الَّذِي جَلَبْتَهُ لِتَوِّكَ، مِنْ أَيْنَ أَتَى؟”
عِنْدَ تِلْكَ الكَلِمَاتِ، تَجَمَّعَتِ الدُّمُوعُ فِي عَيْنَيِ الصَّبِيِّ.
وَكَانَ جَسَدُهُ الصَّغِيرُ الهَزِيلُ يَرْتَجِفُ بِلَا تَوَقُّفٍ.
نَظَرَتْ دَابِيِين الَّتِي كَانَتْ تَهُزُّ رَأْسَهَا نَحْوَ وَلِيِّ العَهْدِ مَرَّةً أُخْرَى.
“اسْمَعْ أَنْتَ. بَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ، هَلْ مَا زِلْتَ تُصَدِّقُ كَلَامَ إِيفِيلِيَانَا؟ مَاذَا قَالَتْ لَكَ؟ آه، لَا دَاعِيَ لِتُجْهِدَ نَفْسَكَ بِالقَوْلِ. يُمْكِنُنِي تَوَقُّعُ كُلِّ مَا قَالَتْهُ تَقْرِيبًا. أَلَمْ تَقُلْ إِنَّ جَسَدَهَا الحَالِيَّ لَيْسَ جَسَدَهَا الحَقِيقِيَّ، وَأَنَّ كَاي الَّتِي هُنَاكَ قَدْ سَرَقَتْ جَسَدَهَا، وَأَلَّفَتْ لَكَ كُلَّ أَنْوَاعِ القِصَصِ المِثِيرَةِ لِلشَّفَقَةِ؟”
عَلَى عَكْسِ السَّيِّدِ بِيرْبَاتْسُ الَّذِي كَانَ يَرْتَجِفُ وَيَتَأَلَّمُ، ظَلَّ وَلِيُّ العَهْدِ وَاثِقًا طَوَالَ الوَقْتِ.
هَزَّ رَأْسَهُ رَافِضًا، وَبَدَتْ نَظَرَاتُهُ حَازِمَةً.
“لَا أُصَدِّقُ أَكَاذِيبَكِ أَبَدًا”.
“حَسَنًا، هَكَذَا إِذَنْ. أَنْتَ دَائِمًا هَكَذَا. لِهَذَا لَا يُمْكِنُنِي تَرْكُكَ وَشَأْنَكَ”.
اقْتَرَبَتْ دَابِيِينُ خُطْوَةً أُخْرَى.
“هَذِهِ المَرَّةُ حَقِيقِيَّةٌ. لِنُنْهِ قَدَرَنَا السَّيِّئَ”.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
كْوَااااااانْغ!
اهْتَزَّتِ الأَرْضُ مَعَ صَوْتٍ ضَخْمٍ.
“……!”
“مَا هَذَا؟”
اخْتَفَى ضَوْءُ الشَّمْسِ السَّاطِعُ.
وَتَحَوَّلَتِ السَّمَاءُ الزَّرْقَاءُ فَجْأَةً إِلَى السَّوَادِ.
رَفَعَتْ دَابِيِينُ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ بِذُهُولٍ ثُمَّ خَفَضَتْ نَظَرَهَا.
وَمِنَ الأَرْضِ الَّتِي كَانَتْ مَزْرُوعَةً بِالنَّبَاتَاتِ، بَدَأَتْ أَيْدٍ سَوْدَاءُ غَامِضَةٌ تَخْرُجُ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى.
نَظَرَ لويِدُ إِلَى السَّمَاءِ السَّوْدَاءِ وَقَالَ:
“… إِنَّهَا النِّهَايَةُ”.
وَكَأَنَّمَا لِتَأْكِيدِ كَلَامِهِ، رُسِمَتْ دَائِرَةٌ سِحْرِيَّةٌ فِي الهَوَاءِ، ثُمَّ سُمِعَ صَوْتُ يُوتِيَاسَ.
لَقَدْ وَقَعَتْ كَارِثَةٌ… تَشْشْش، سَيِّدَةُ دَابِيِـ…
خَرَجَ صَوْتُ يُوتِيَاسَ مُتَقَطِّعًا مِثْلَ مِذْيَاعٍ لَا يَعْمَلُ جَيِّدًا.
أختامُ… الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ كُلُّهَا تَحَطَّمَتْ…
أَدْرَكَتْ دَابِيِينُ المَوْقِفَ مِنْ بَعْضِ الكَلِمَاتِ فَقَطْ، فَنَظَرَتْ إِلَى وَلِيِّ العَهْدِ بِعَيْنَيْنِ تَتَوَهَّجَانِ غَضَبًا.
“هَلْ هَذَا أَيْضًا مِنْ فِعْلِكَ؟”
أَجَابَ وَلِيُّ العَهْدِ، الَّذِي رَاقَبَ رَدَّ فِعْلِ دَابِيِينَ العَنِيفَ بِهُدُوءٍ، وَهُوَ يَرْفَعُ زَاوِيَةَ شَفَتَيْهِ:
“إِذَا كُنْتُ أَنَا مَنْ فَعَلَ، فَمَاذَا سَتَفْعَلِينَ؟”
“أَيُّهَا اللَّعِينُ… هَلْ تَعْرِفُ حَتَّى مَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ الآنَ؟”
“رُؤْيَةُ الارْتِبَاكِ عَلَى وَجْهِكِ يَا أُخْتِي دَابِيِينُ تَجْعَلُنِي أَظُنُّ أَنَّ خُطَّتِي قَدْ نَجَحَتْ بِالفِعْلِ؟”
“أَيُّهَا المَجْنُونُ!”
لَمْ تَعُدْ دَابِيِينُ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَمْسَكَتْ بِتَلَابِيبِ وَلِيِّ العَهْدِ وَرَفَعَتْهُ.
إِذَا تَدَمَّرَتِ الأَرْضُ المُقَدَّسَةُ بِالكَّامِلِ، فَإِنَّ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ سَيَحْدُثُ.
“دَمَارُ… القَارَّةِ”.
تَمْتَمْتُ دُونَ إِرَادَةٍ مِنِّي.
الدَّمَارُ الَّذِي رَأَيْتُهُ فَقَتْ فِي نِهَايَةِ الرِّوَايَةِ صَارَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى.
لَمْ أَسْتَوْعِبِ الأَمْرَ.
هَلْ سَنَمُوتُ جَمِيعًا هَكَذَا؟
لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ أَنَّ وَلِيَّ العَهْدِ سَيَقُومُ بِالفِعْلِ الَّذِي ارْتَكَبَتْهُ إِيفِيلِيَانَا قَبْلَ العَوْدَةِ بِالزَّمَنِ.
“أَلَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ يَا لِيو، أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ كَسْرِ خَتْمِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، سَتَخْرُجُ الشَّيَاطِينُ مِنَ الهَاوِيَةِ لِتُجْلِبَ النِّهَايَةَ لِهَذِهِ القَارَّةِ؟ لَيْسَ نَحْنُ فَقَطْ، بَلْ سَيَمُوتُ كُلُّ سُكَّانِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ وَكُلُّ كَائِنٍ حَيٍّ عَلَى وَجْهِ القَارَّةِ”.
قَالَ لويِدُ وَهُوَ يُخْرِجُ سَيْفًا ضَخْمًا مِنَ المَسَاحَةِ الفَرْعِيَّةِ.
ثُمَّ اتَّجَهَتْ نَظَرَاتُهُ نَحْوَ الأَيْدِي السَّوْدَاءِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ التُّرَابِ.
لَقَدْ بَدَأَ أَصْحَابُ تِلْكَ الأَيْدِي بِالظُّهُورِ.
عَشَرَاتُ الأَجْسَادِ ذَاتِ البَشَرَةِ السَّوْدَاءِ شِبْهِ الشَّفَّافَةِ وَقَفَتْ عَلَى الأَرْضِ.
كَانَتْ أَشْكَالُهَا مُتَنَوِّعَةً، مِنْ أَشْيَاءَ بِحَجْمِ طُولِي إِلَى أَشْيَاءَ تَبْدُو أَكْبَرَ مِنْ لويِدَ.
لَمْ يَكُنْ لِوُجُوهِ تِلْكَ الوُحُوشِ السَّوْدَاءِ عُيُونٌ، وَلَا أُنُوفٌ، وَلَا مَلَامِحُ، لَا شَيْءَ عَلَى الإِطْلَاقِ.
فَقَطْ كَانَتْ تَفْتَحُ أَفْوَاهًا ضَخْمَةً تَشْغَلُ نِصْفَ الوَجْهِ.
وَدَاخِلَ تِلْكَ الأَفْوَاهِ الحَمْرَاءِ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا اللُّعَابُ، كَانَتْ هُنَاكَ أَسْنَانٌ بَيْضَاءُ حَادَّةٌ كَالأَشْوَاكِ.
تِلْكَ الوُحُوشُ بَدَأَتْ تَقْتَرِبُ نَحْوَنَا بِخُطُوَاتٍ مُتَرَنِّحَةٍ، مِثْلَ طِفْلٍ صَغِيرٍ بَدَأَ لِتَوِّهِ يَمْشِي.
“أَيُّهَا الأَحْمَقُ، هَلْ كَانَ طَرِيقُ الانْتِحَارِ هُوَ مَا حَضَّرْتَهُ فِي النِّهَايَةِ؟”
عِنْدَ صُرَاخِ دَابِيِينَ، اهْتَزَّ بَبُؤُ عَيْنِ وَلِيِّ العَهْدِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَعُودَ لِوَضْعِهِ.
“…لَا بُدَّ أَنَّهَا وُحُوشٌ حَضَّرْتِيهَا أَنْتِ. لَنْ أُصَدِّقَ تِلْكَ التَّهْدِيدَاتِ”.
مَا إِنْ أَنْهَى لِيو كَلَامَهُ حَتَّى أَلْقَتْ بِهِ دَابِيِينُ عَلَى الأَرْضِ فِي مَكَانِهِ.
“لَا تُحَاوِلِ الهَرَبَ. أَنَا الحَمْقَاءُ لِأَنَّنِي حَاوَلْتُ التَّحَدُّثَ مَعَ رَأْسٍ حَجَرِيٍّ مِثْلِكَ”.
صَرَّتْ دَابِيِينُ عَلَى أَسْنَانِهَا وَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا نَحْوَ لويِدَ.
أَعَادَ لويِدُ إِمْسَاكَ سَيْفِهِ الضَّخْمِ بَعْدَ تَلَقِّي نَظْرَةِ دَابِيِينَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ الوُحُوشِ.
السَّيْفُ الَّذِي تَتَمَايَلُ عَلَيْهِ هَالَةٌ حَمْرَاءُ اخْتَرَقَ الهَوَاءَ وَقَطَعَ أَجْسَادَ الوُحُوشِ جَمِيعًا.
عَشَرَاتُ الوُحُوشِ الَّتِي لَمَسَهَا السَّيْفُ تَحَوَّلَتْ إِلَى غُبَارٍ وَتَلَاشَتْ فِي لَحْظَةٍ.
وَاو…كَمَا هُوَ مُتَوَقَّعٌ مِنْ رُويِدَ
هَلْ لِأَنَّهُ بَطَلٌ خَارِقٌ؟ لَقَدْ قَضَى عَلَيْهِمْ فِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ.
بَيْنَمَا كُنْتُ مَذْهُولَةً مِنْ مَهَارَتِهِ السَّاحِقَةِ الَّتِي لَا تُقَارَنُ بِهَا تِلْكَ الوُحُوشُ القَادِمَةُ مِنَ الجَحِيمِ، قَطَّبَ لويِدُ حَاجِبَيْهِ وَقَالَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ:
“بِهَذِهِ السُّهُولَةِ؟”
رُبَّمَا لَمْ يَتَوَقَّعْ هُوَ أَيْضًا أَنْ يَنْتَهِيَ الأَمْرُ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ.
بِالنَّظَرِ إِلَى كَيْفِيَّةِ نَظَرِهِ إِلَى سَيْفِهِ بِوَجْهٍ مُرْتَبِكٍ.
بَدَتْ دَابِيِينُ أَيْضًا كَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّعْ هَذَا التَّطَوُّرَ، فَتَمْتَمَتْ بِذُهُولٍ:
“مَا هَذَا، إِنَّهُمْ ضُعَفَاءُ؟ هَلْ تَتَلَاشَى تِلْكَ الشَّيَاطِينُ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ؟”
بَعْدَ أَنْ نَظَرَتْ دَابِيِينُ بِذُهُولٍ إِلَى المَكَانِ الفَارِغِ الَّذِي اخْتَفَتْ مِنْهُ الوُحُوشُ، هَزَّتْ رَأْسَهَا وَتَابَعَتْ:
“لَا، لَيْسَ هَذَا وَقْتَ التَّفْكِيرِ فِي أَشْيَاءَ أُخْرَى! لِنُرَكِّزْ”.
ثُمَّ قَامَتْ بِإِنْشَاءِ بَوَّابَةٍ بِجَانِبِهَا مُبَاشَرَةً.
بَيْنَمَا كَانَتْ عَلَى وَشَكِ الدُّخُولِ إِلَى البَوَّابَةِ الدَّوَّارَةِ، تَوَقَّفَتْ وَكَأَنَّهَا تَذَكَّرَتْ شَيْئًا، وَالْتَفَتَتْ نَحْوِي.
“كَاي، هَذَا أَمْرٌ سِرِّيٌّ لِلْغَايَةِ، لَكِنْ فِي الحَقِيقَةِ، هُنَاكَ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ مَخْفِيَّةٌ فِي هَذَا القَصْرِ، وَهِيَ الخَتْمُ الأَخِيرُ الَّذِي تَرَكَهُ الإِلَهُ. إِذَا حَمَيْنَا الخَتْمَ الأَخِيرَ… فَرُبَّمَا سَيَسْتَغْرِقُ الأَمْرُ بَعْضَ الوَقْتِ، لَكِنَّنَا سَنَتَمَكَّنُ مِنْ إِعَادَةِ خَتْمِ الأَرَاضِي المُقَدَّسَةِ الأُخْرَى”.
نَاوَلَنِي لويِدُ عَصًا سِحْرِيَّةً مِنْ مَسَاحَتِهِ الفَرْعِيَّةِ وَتَابَعَ:
“فِي هَذَا الوَضْعِ، سَيَكُونُ هُنَاكَ العَدِيدُ مِنَ الجَرْحَى. نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى مُسَاعَدَةِ مُعَالِجَةٍ”.
“سَتَأْتِينَ مَعَنَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
اتَّجَهَتْ نَظَرَاتُ التَّوْأَمِ نَحْوِي.
“بِالطَّبْعِ”.
لِأَنَّ هَذَا هُوَ وَاجِبُ المُعَالِجَةِ.
أَوْمَأْتُ بِرَأْسِي وَأَمْسَكْتُ بِالعَصَا السِّحْرِيَّةِ.
“هَيْ، يَا صَاحِبَ الرَّأْسِ الحَجَرِيِّ. سَنَذْهَبُ لِتَنْظِيفِ القَذَارَةِ الَّتِي خَلَّفْتَهَا. إِذَا كُنْتَ تَمْلِكُ عَقْلًا، فَالْتَحِقْ بِنَا لِتَرَى بِنَفْسِكَ مَاذَا فَعَلْتَ”.
صَرَخَتْ دَابِيِينُ بِحِدَّةٍ فِي وَلِيِّ العَهْدِ، ثُمَّ دَخَلَتْ فَوْرًا إِلَى البَوَّابَةِ.
وَلَكِنَّ وَلِيَّ العَهْدِ ظَلَّ مُنْطَرِحًا عَلَى الأَرْضِ، يُشِيحُ بِنَظَرِهِ عَنْهَا.
كَانَ مِيؤُوسًا مِنْهُ كَمَا تَوَقَّعْتُ، وَبَدَا أَنَّهُ لَا يَنْوِي اتِّبَاعَهَا أَبَدًا.
‘دَابِيِينُ… يَبْدُو أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَتَغَيَّرُ مَهْمَا حَاوَلْنَا إِصْلَاحَهُ’.
هَزَزْتُ رَأْسِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَلِيِّ العَهْدِ، ثُمَّ تَبِعْتُهَا.
المَكَانُ الَّذِي وَصَلْنَا إِلَيْهِ عَبْرَ البَوَّابَةِ كَانَ الحَدِيقَةَ الوَاقِعَةَ أَمَامَ القَصْرِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ.
المَكَانُ الَّذِي كَانَ يَوْمًا حَدِيقَةً جَمِيلَةً تَحَوَّلَ إِلَى سَاحَةِ فَوْضَى.
الشَّيَاطِينُ الَّتِي زَحَفَتْ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ، وَالفُرْسَانُ الَّذِينَ يُوَاجِهُونَهُمْ، وَالنَّاسُ الَّذِينَ يَهْرُبُونَ خَوْفًا مِنَ الشَّيَاطِينِ، كُلُّ شَيْءٍ كَانَ فَوْضَوِيًّا.
“إِلَى أَيْنَ يَهْرُبُ الجَمِيعُ؟ لَا يُوجَدُ مَكَانٌ لِلْهَرَبِ إِلَيْهِ”.
تَمْتَمْتُ بِاسْتِغْرَابٍ، فَابْتَسَمَتْ دَابِيِينُ بِمَرَارَةٍ وَأَخْرَجَتْ سَيْفَهَا مِنَ المَسَاحَةِ الفَرْعِيَّةِ.
“كَاي، الأَرْضُ المُقَدَّسَةُ الأَخِيرَةُ هِيَ قَاعَةُ المَأْدُبَةِ. العَرْشُ المَوْجُودُ هُنَاكَ هُوَ نُقْطَةُ الخَتْمِ الأَخِيرَةِ. لَقَدْ وَضَعَتْ عَمَّتِي حَاجِزًا بِنَفْسِهَا هُنَاكَ، لِذَا لَا تَنْفَتِحُ البَوَّابَاتُ. عَلَيْنَا أَنْ نَمْشِيَ مِنْ هُنَا”.
نَظَرَتْ دَابِيِينُ إِلَى قَاعَةِ المَأْدُبَةِ الَّتِي تَبْدُو بَعِيدَةً وَأَحْكَمَتْ قَبْضَتَهَا عَلَى السَّيْفِ.
ثُمَّ لَوَّحَتْ بِسَيْفِهَا نَحْوَ شَيْطَانٍ كَانَ يُقَاتِلُ أَحَدَ الفُرْسَانِ.
الشَّيْطَانُ الَّذِي لَمْ يَتَأَثَّرْ بِسَيْفِ الفَارِسِ قَبْلَ قَلِيلٍ، تَلَاشَى كَأَنَّهُ غُبَارٌ بِمُجَرَّدِ أَنْ لَمَسَهُ سَيْفُ دَابِيِينَ.
“أُوهُو، هَكَذَا الأَمْرُ إِذَنْ؟”
أَدْرَكَتِ الأَمْرَ فِي لَحْظَةٍ، فَأَمْسَكَتْ بِسَيْفِهَا عَالِيًا ثُمَّ غَرَزَتْهُ فِي الأَرْضِ.
بَام!
مَعَ صَوْتِ انْفِجَارٍ، انْدَلَعَتْ شَرَارَاتٌ مَمْزُوجَةٌ بِهَالَةٍ حَمْرَاءَ مِنَ السَّيْفِ وَانْتَشَرَتْ فِي أَرْجَاءِ الحَدِيقَةِ.
الشَّيَاطِينُ الَّتِي لَمَسَتْهَا الشَّرَارَاتُ الحَمْرَاءُ أَطْلَقَتْ صَرَخَاتٍ غَيْرَ مَفْهُومَةٍ قَبْلَ أَنْ تَتَلَاشَى.
‘هَذَا المَشْهَدُ، أَشْعُرُ أَنَّنِي رَأَيْتُهُ مِنْ قَبْلُ…؟’
نَظَرَتْ دَابِيِينُ إِلَى لويِدَ بِوَجْهٍ رَاضٍ وَقَالَتْ بِتَهَكُّمٍ:
“لويِدُ، هَذَا السِّحْرُ يُسْتَخْدَمُ فِي مِثْلِ هَذِهِ المَوَاقِفِ”.
هَزَّ لويِدُ رَأْسَهُ أَمَامَ سُخْرِيَةِ دَابِيِينَ.
‘تَذَكَّرْتُ. هَذَا هُوَ السِّحْرُ الَّذِي اسْتَخْدَمَهُ لويِدُ ضِدَّ المَخْلُوقَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَهْرُبُ فِي قَصْرِ هِيلدِيريُوزَ!’
بَعْدَ أَنْ حَلَلْتُ لُغْزِي، نَظَرْتُ إِلَى التَّوْأَمِ بِوَجْهٍ سَئِمٍ ثُمَّ انْتَقَلْتُ مِنْ مَكَانِي.
كَانَ هُنَاكَ الكَثِيرُ مِنَ الجَرْحَى.
انْتَقَلْتُ بَيْنَهُمْ وَفَعَّلْتُ سِحْرَ الشِّفَاءِ الجَمَاعِيِّ لِأُعَالِجَ الفُرْسَانَ المُصَابِينَ بِسُرْعَةٍ.
عِنْدَمَا اسْتَعَادَ الفُرْسَانُ وَعْيَهُمْ، صَرَخَتْ فِيهِمْ دَابِيِينُ:
“دَافِعُوا عَنِ القَصْرِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ! اقْضُوا عَلَى كُلِّ الوُحُوشِ المَوْجُودَةِ فِي القَصْرِ وَاحْمُوا جَلَالَةَ الإِمْبِرَاطُورَةِ”.
عِنْدَ أَمْرِ دَابِيِينَ، أَدَّى الفُرْسَانُ التَّحِيَّةَ وَتَفَرَّقُوا إِلَى مَوَاقِعِهِمْ.
“لِنَذْهَبْ نَحْنُ إِلَى قَاعَةِ المَأْدُبَةِ”.
بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا ذَلِكَ، احْتَضَنَنِي لويِدُ كَأَمْرٍ طَبِيعِيٍّ.
ثُمَّ بَدَأَ يَرْكُضُ مَعَ دَابِيِينَ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ.
مَلَأَ صَوْتُ اخْتِرَاقِ الرِّيَاحِ أُذُنَيَّ وَبَدَأَتِ المَنَاظِرُ تَتَغَيَّرُ بِخَطَفَانٍ.
لَقَدْ كَانَا سَرِيعَيْنِ جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى قَاعَةِ المَأْدُبَةِ البَعِيدَةِ فِي غُضُونِ 3 دَقَائِقَ فَقَطْ.
كَانَتْ قُوَّةُ تَحَمُّلٍ مُرْعِبَةً لَا يُمْكِنُ لِبَشَرِيٍّ تَخَيُّلُهَا.
وَالأَكْثَرُ دَهْشَةً أَنَّهُمَا رُغْمَ رَكْضِهِمَا بِتِلْكَ السُّرْعَةِ، لَمْ تَسْقُطْ مِنْهُمَا قَطْرَةُ عَرَقٍ وَاحِدَةٌ.
“هَلْ عَمَّتِي بِخَيْرٍ؟”
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي اقْتَرَبَتْ فِيهَا دَابِيِينُ مِنْ أَبْوَابِ قَاعَةِ المَأْدُبَةِ الضَّخْمَةِ بِوَجْهٍ قَلِقٍ.
كْوَااااااانْغ!
سُمِعَ صَوْتُ انْفِجَارٍ مِنْ دَاخِلِ قَاعَةِ المَأْدُبَةِ، تَبِعَهُ صَوْتُ ضَجِيجٍ.
“مِنَ الوَاضِحِ أَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ حَدَثَ”.
تَمْتَمَ لويِدُ وَهُوَ يُنْزِلُنِي مِنْ حِضْنِهِ.
“عَمَّتِي!”
رَكَلَتْ دَابِيِينُ البَابَ الضَّخْمَ بِقُوَّةٍ وَهِيَ تَبْحَثُ عَنْ جَلَالَةِ الإِمْبِرَاطُورَةِ.
البَابُ العِمْلَاقُ الَّذِي يَزِيدُ طُولُهُ عَنْ 5 أَمْتَارٍ انْفَتَحَ بِصَوْرَةٍ مَدْوِيَةٍ بِفِعْلِ رَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ دَابِيِينَ.
‘حَقًّا إِنَّهَا قُوَّةٌ لَا يُمْكِنُ مُجَارَاتُهَا’.
بَيْنَمَا يَحْتَاجُ الأَمْرُ إِلَى عَشَرَاتِ الأَشْخَاصِ لِيَفْتَحُوهُ بِصُعُوبَةٍ.
دَخَلْتُ إِلَى قَاعَةِ المَأْدُبَةِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى البَابِ السَّمِيكِ بِوَجْهٍ مَذْهولٍ.
فِي وَسَطِ قَاعَةِ المَأْدُبَةِ، كَانَتِ الإِمْبِرَاطُورَةُ تَقِفُ حَامِلَةً عَصًا سِحْرِيَّةً ضَخْمَةً.
كَانَ ضَوْءٌ أَزْرَقُ يَتَمَايَلُ مِنَ العَصَا.
كَانَتْ هُنَاكَ عِدَّةُ طَبَقَاتٍ مِنْ حَوَاجِزَ زَرْقَاءَ تُحِيطُ بِهَا.
وَلِحِمَايَتِهَا، كَانَ فُرْسَانُ القَصْرِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ يُحِيطُونَ بِالإِمْبِرَاطُورَةِ وَهُمْ يُوَاجِهُونَ شَخْصًا مَا.
وَالَّذِي كَانَ يُهَاجِمُ أُولَئِكَ الفُرْسَانَ هُوَ…
“سَيِّدُ…… المَصَحَّةِ؟”
يَبْدُو أَنَّهُ سَمِعَ كَلَامِي.
فَقَدِ الْتَفَتَ نَحْوَنَا الشَّخْصُ الَّذِي كَانَ يَتَّخِذُ وَضْعِيَّةً هُجُومِيَّةً نَحْوَ الفُرْسَانِ.
لَمْ يَكُنْ وَهْمًا.
لَقَدْ كَانَ بِالتَّأْكِيدِ سَيِّدَ مَصَحَّةِ زِيرُونِيَا.
لَقَدْ عَمِلْتُ مَعَهُ لِسَنَوَاتٍ، لِذَا كَانَ مِنَ المُسْتَحِيلِ أَنْ أَنْسَاهُ.
بَعْدَ ذَلِكَ، بَدَأْتُ أَرَى الآخَرِينَ الَّذِينَ يُهَاجِمُونَ الفُرْسَانَ.
وَمَا يَبْعَثُ عَلَى الذُّهُولِ أَنَّهُمْ جَمِيعًا كَانُوا وُجُوهًا مَأْلُوفَةً أَعْرِفُهَا.
مِنَ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا يَعِيشَانِ فِي الطَّابَقِ الأَسْفَلِ مِنْ سَكَنِي، إِلَى جُودِي الَّتِي اقْتَرَبَتْ مِنِّي لِتُصَادِقَنِي أَيَّامَ كَنِيسَةِ تِيرِينَا، وَحَتَّى مِيكَا الصَّغِيرَةِ الَّتِي شَارَكَتْنِي فِي مَهَمَّةِ دُورْكَانَ.
كُلُّ أُولَئِكَ الَّذِينَ اخْتَفَوْا مِنْ زِيرُونِيَا كَانُوا هُنَاكَ.
التعليقات لهذا الفصل " 116"