الفصل 112
نَظَرَ الغُولِمِ (الوَحْشُ الحَجَرِيُّ) المَصْنُوعُ مِنْ كُتَلِ الصُّخُورِ العِمْلَاقَةِ نَحْوَ الفَارِسِ.
“أُووُووووو!”
بَدَا وَكَأَنَّهُ صَنَّفَهُ كَعَدُوٍّ، فَزَأَرَ بِشِدَّةٍ وَاقْتَرَبَ مِنَ الفَارِسِ.
كُوم كُوم! (صَوْتُ خَطَوَاتٍ ثَقِيلَةٍ)
مَعَ كُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا، كَانَتِ اهْتِزَازَاتٌ قَوِيَّةٌ تَنْتَشِرُ فِي سَاحَةِ التَّدْرِيبِ بِأَكْمَلِهَا.
شَحَبَ وَجْهُ الفَارِسِ أَمَامَ حَجْمِ الغُولِمِ الطَّاغِي.
“اهْرُبْ! يَا أَصْغَرَنا!”
صَرَخَ مَارتِنُ، الَّذِي صَارَ الآنَ أَقْدَمَ رُتْبَةً، فِي وَجْهِ الفَارِسِ.
عِنْدَ ذَلِكَ اسْتَعَادَ الفَارِسُ وَعْيَهُ وَحَاوَلَ التَّخَبُّطَ لِلْهَرَبِ، لَكِنَّهُ قَطَّبَ حَاجِبَيْهِ وَأَمْسَكَ بِسَاقِهِ.
مِنْ بَعِيدٍ، بَدَتْ سَاقُ الفَارِسِ مُلَطَّخَةً بِالدِّمَاءِ.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ بِقُوَّةٍ وَكَأَنَّهُ اسْتَسْلَمَ، وَغَطَّى رَأْسَهُ بِذِرَاعَيْهِ.
“اسْتَعِدْ وَعْيَكَ!”
لُوسِي، الَّتِي كَانَتْ تُرَاقِبُ المَوْقِفَ، اقْتَرَبَتْ مِنَ الفَارِسِ بِسُرْعَةٍ.
[شِفَاءٌ]°
بَدَأَتْ فِي عِلَاجِ سَاقِ الفَارِسِ.
تَبِعَهَا مَارتِنُ لِيَحْمِيَ ظَهْرَهَا مُوَجِّهًا سَيْفَهُ نَحْوَ الغُولِمِ.
وَلَكِنْ كَانَ مِنَ المُسْتَحِيلِ عَلَى مَارتِنَ، الَّذِي خَرَجَ لِتَوِّهِ مِنْ صِفَةِ الأَصْغَرِ فِي الفُرْسَانِ، أَنْ يُواجِهَ غُولِمًا عِمْلَاقًا صَنَعَهُ يُوتِيَاسُ.
“كُوووه!”
بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الغُولِمِ، طَارَ مَارتِنُ فِي الهَوَاءِ رَاسِمًا مَسَارًا مُنْحَنِيًا قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ.
فِي المَكَانِ الَّذِي سَقَطَ فِيهِ مَارتِنُ، كَانَ هُنَاكَ العَدِيدُ مِنَ الفُرْسَانِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِ الغُولِمِ.
وَعِنْدَمَا ارْتَطَمَ مَارتِنُ بِالأَرْضِ وَتَوَقَّفَ عَنِ الحَرَكَةِ مِثْلَ بَقِيَّةِ الفُرْسَانِ، شَاحَ الغُولِمُ بِنَظَرِهِ وَكَأَنَّهُ فَقَدَ الِاهْتِمَامَ.
مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ عَيْنُ الغُولِمِ الآنَ هِيَ لُوسِي المُنْهَمِكَةُ فِي العِلَاجِ.
فَارِسٌ مُبْتَدِئٌ فِي حَالَةِ ذُعْرٍ، وَفُرْسَانٌ مَغْشِيٌّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ لِيَحْمِيَ المُعَالِجَةَ لُوسِي.
كَانَ المَوْقِفُ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ الكَارِثَةِ.
كُنْتُ عَلَى وَشَكِ أَنْ أَتْلُوَ تَعْوِيذَةَ الشِّفَاءِ الشَّامِلِ دُونَ تَفْكِيرٍ، لَكِنَّنِي أَغْلَقْتُ فَمِي.
لَا يَجِبُ اسْتِخْدَامُهُ.
تَرَدَّدَ الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُهُ فِي حُلُمِي فِي أُذُنِي مَرَّةً أُخْرَى.
“أَجَلْ، هَذَا صَحِيحٌ. لَيْسَ الآنَ”.
ثُمَّ أَمْسَكْتُ بِالعَصَا السِّحْرِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مَوْضُوعَةً بِجَانِبِي.
[الأَبْطَالُ لَا يَمُوتُونَ.]°
مَا إِنْ نَطَقْتُ بِتَعْوِيذَةِ الشِّفَاءِ الشَّامِلِ حَتَّى انْبَعَثَ ضَوْءٌ سَاطِعٌ مَعَ شَرَارَاتٍ مِنَ العَصَا.
بَدَأَ المُتَسَاقِطُونَ يَسْتَعِيدُونَ وَعْيَهُمْ وَيَنْهَضُونَ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ لِيَبْدَؤُوا الهُجُومَ مُجَدَّدًا.
تَحْتَ هَجَمَاتِ الفُرْسَانِ المُتَوَاصِلَةِ، تَحَطَّمَ الغُولِمُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى قِطَعٍ صَغِيرَةٍ.
“شُكْرًا لَكِ! لَقَدْ نَجَوْنَا بِفَضْلِكِ”.
مِنْ بَعِيدٍ، ظَلَّ الفُرْسَانُ وَلُوسِي يُلَوِّحُونَ بِأَيْدِيهِمْ نَحْوَ مَقَرِّ القِيَادَةِ.
ابْتَسَمْتُ ابْتِسَامَةً بَاهِتَةً وَحَيَّيْتُهُمْ، ثُمَّ عُدْتُ لِأَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّي لِإِكْمَالِ الأَعْمَالِ المُتَبَقِّيَةِ.
كَانَتْ هُنَاكَ أَكْوَامٌ مِنَ الأَوْرَاقِ الَّتِي يَتَعَيَّنُ عَلَيَّ حَلُّهَا عَلَى المَكْتَبِ.
°جَسَدُكِ لَا يَتَوَافَقُ مَعَ الطَّاقَةِ المُقَدَّسَةِ.°
°إِذَا اسْتَخْدَمْتِ طَاقَةً مُقَدَّسَةً تَتَجَاوَزُ الحُدُودَ، فَقَدْ تَمُوتِينَ.°
°لَا يَجِبُ اسْتِخْدَامُهُ.°
°عَلَى الأَقَلِّ لَيْسَ الآنَ…°
‘هَلْ يَعْقِلُ أَنَّ الوَقْتَ الَّذِي سَأَضْطَرُّ فِيهِ لِلْمُخَاطَرَةِ بِحَيَاتِي قَدِ اقْتَرَبَ؟’
ظَلَّ الصَّوْتُ مِنَ الحُلُمِ يَتَرَدَّدُ فِي أُذُنِي.
وَكَأَنَّ المَوْتَ يَنْتَظِرُنِي أَمَامِي.
‘إِنَّهُ حُلُمٌ أَضْغَاثُ، مُجَرَّدُ حُلُمٍ!’
هَزَزْتُ رَأْسِي لِأَطْرُدَ هَذِهِ الأَفْكَارَ وَرَكَزْتُ عَلَى العَمَلِ الَّذِي أَمَامِي.
حَقًّا، الوَظِيفَةُ الإِدَارِيَّةُ كَانَتْ مُصَدِّعَةً لِلرَّأْسِ مِنْ جَوَانِبَ عِدَّةٍ.
عِنْدَمَا كُنْتُ مُعَالِجَةً مَيْدَانِيَّةً، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الجُلُوسَ وَالتَّوْقِيعَ عَلَى الأَوْرَاقِ هِيَ أَمْتَعُ وَظِيفَةٍ فِي العَالَمِ، لَكِنْ بَعْدَ تَجْرِبَتِهَا بِنَفْسِي، تَبَيَّنَ أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
إِذَا سَارَ أَيُّ أَمْرٍ بِشَكْلٍ خَاطِئٍ، فَإِنَّ المَسْؤُولِيَّةَ تَقَعُ عَلَيَّ، لِذَا كَانَ عَلَيَّ التَّأَكُّدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِدِقَّةٍ.
فَجْأَةً، شَعَرْتُ بِالآسَفِ تِجَاهَ مُدِيرِ فَرْعِ زِيرُونِيَا الأَصْلَعِ.
أَعْتَقِدُ أَنَّنِي عَرَفْتُ الآنَ لِمَاذَا صَارَ أَصْلَعَ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ.
كَانَ هُنَاكَ الكَثِيرُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ القَلَقَ.
رُغْمَ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُنِي أَعْمَلُ حَتَّى المَوْتِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا طَيِّبًا….
أَيْنَ ذَهَبَ يَا تُرَى؟
ابْتَسَمْتُ مَرارةً وَأَنَا أَقْلِبُ الأَوْرَاقَ وَأَخْتِمُهَا.
الوَرَقَةُ التَّالِيَةُ هِيَ… لِنَرَى.
مَوْضُوعُ المُوافَقَةِ عَلَى مَشْرُوعِ الصِّيَانَةِ الدَّوْرِيَّةِ لِلأَرْضِ المُقَدَّسَةِ فِي مِلْكِيَّةِ هِيلدِيريُوزَ.
“أُوه؟”
هَذَا لَيْسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِأَعْمَالِ المُعَالِجِينَ أَبَدًا؟
يَبْدُو أَنَّ كَبِيرَ الخَدَمِ قَدْ أَخْطَأَ.
تَفَحَّصْتُ الأَوْرَاقَ لِأَعْرِفَ المُرْسِلَ، فَوَجَدْتُ أَنَّهَا قَادِمَةٌ مِنَ القَصْرِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ.
كَانَ عَلَيْهَا خَتْمُ الإِمْبِرَاطُورِ نَفْسِهِ.
وَبَعْدَ فَتْحِ الأَوْرَاقِ المُرْفَقَةِ، وَجَدْتُ خَتْمَ المُوافَقَةِ مِنْ عائِلَةِ رُوفمُوَا المَلَكِيَّةِ، وَحَتَّى تَوْقِيعَ حَاكِمِ دُوركِيانَ بِخَطِّ يَدِهِ.
كَانَتِ الأَرَاضِي المُقَدَّسَةُ الأُخْرَى قَدْ وَافَقَتْ أَيْضًا.
المَكَانُ الوَحِيدُ المُتَبَقِّي هُوَ أَرْضُ غَابَةِ الشَّجَرَةِ البَيْضَاءِ المُقَدَّسَةِ المَوْجُودَةِ فِي مِلْكِيَّةِ هِيلدِيريُوزَ.
الجَمِيعُ وَافَقُوا عَلَى مَشْرُوعِ صِّيَانَةِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ.
لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ فِي الأَوْرَاقِ.
يَبْدُو أَنَّهُ مَشْرُوعٌ دَوْرِيٌّ يَتَكَرَّرُ كُلَّ فَتْرَةٍ.
وَلَكِنْ لِمَاذَا؟ يَنْسَابُ فِي دَاخِلِي شُعُورٌ بِالشُّؤْمِ
“لِنَسْأَلْ… لويد أَوَّلًا”.
“مَاذَا تُرِيدِينَ أَنْ تَسْأَلِي؟”
أَجَابَ لويد عَلَى تَمْتَمَتِي الَّتِي نَطَقْتُ بِهَا دُونَ قَصْدٍ.
الْتَفَتُّ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ، فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ أَمَامِي تَمَامًا.
كَانَ قَرِيبًا جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّنِي شَعَرْتُ بَأَنْفَاسِهِ.
“لويد؟”
كَانَ يَقِفُ خَلْفَ كُرْسِيِّي مُنْحَنِيًا يَنْظُرُ إِلَى الأَوْرَاقِ الَّتِي أَمْسَكُهَا.
خَفَقَ قَلْبِي بِقُوَّةٍ أَمَامَ هَذَا الوَجْهِ الوَسِيمِ الَّذي اقْتَرَبَ فَجْأَةً.
انْجَذَبَتْ نَظَرَاتِي دُونَ قَصْدٍ إِلَى شَفَتَيْهِ الحَمْرَاوَيْنِ.
أَمَّا لويِدُ، فَكَانَ لَا يَزَالُ مُرَكِّزًا نَظَرَهُ عَلَى الأَوْرَاقِ.
“إِنَّهُ مَشْرُوعٌ يَتَكَرَّرُ كُلَّ 5 سَنَوَاتٍ. نَقُومُ بِتَعْزِيزِ الحَوَاجِزِ دَاخِلَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَمَا تَعْلَمِينَ، فَإِنَّ تَرَاخِي الحَوَاجِزِ يَحْدُثُ بِاسْتِمْرَارٍ كَمَا حَدَثَ فِي دُوركِانَ وَرُوفمُوَا، لِذَا نَحْنُ نُنَاقِشُ تَقْلِيلَ المُدَّةِ بَيْنَ كُلِّ صِيَانَةٍ”.
أَشَحْتُ بِنَظَرِي عَنْ شَفَتَيْهِ بِصُعُوبَةٍ، وَأَوْمَأْتُ بِسُرْعَةٍ وَأَنَا أُرَتِّبُ الأَوْرَاقَ:
“أَوه… فَهِمْتُ. إِذَنْ لَا تُوجَدُ مُشْكِلَةٌ”.
ذَلِكَ الشُّعُورُ السَّيِّئُ… رُبَّمَا كَانَ مُجَرَّدَ وَهْمٍ؟
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، غَمَرَنِي مِنْ الخَلْفِ بِعِنَاقٍ رَقِيقٍ.
شَعَرْتُ بَأَنْفَاسِهِ عِنْدَ رَقَبَتِي.
“لَحْـ… لَحْظَةً. نَحْنُ فِي الخَارِجِ؟”
رُغْمَ أَنَّهُمْ كَانُوا بَعِيدِينَ قَلِيلًا، إِلَّا أَنَّ الفُرْسَانَ كَانُوا يَقِفُونَ فِي الخَارِجِ.
هَلْ يَصِحُّ القِيَامُ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ العَاطِفِيَّةِ هُنَا؟
عِنَاقٌ مِنَ الخَلْفِ فِي مَكَانٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ!
بَيْنَمَا كَانَتْ الفَتَاةُ المُحَافِظَةُ الَّتِي بِدَاخِلِي تَصْرُخُ بِقُوَّةٍ، هَمَسَ لويِدُ فِي أُذُنِي:
“وَمَا الضَّيْرُ؟ فَنَحْنُ سَنَتَزَوَّجُ قَرِيبًا”.
وَبَعْدَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً، وُضِعَتْ شَفَتَاهُ فَوْقَ شَفَتَيَّ.
❁❁❁
فِي القَصْرِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ الفَاخِرِ، وَتَحْدِيدًا فِي قَصْرِ وَلِيِّ العَهْدِ، كَانَ لِيو يَجْلِسُ عَلَى الأَرِيكَةِ بِمَظْهَرٍ مُهَنْدَمٍ.
اخْتَفَتْ تَمَامًا صُورَتُهُ السَّابِقَةُ عِنْدَمَا كَانَ يَتَرَنَّحُ مِنْ أَثَرِ الخَمْرِ وَيَتَأَلَّمُ بِاسْتِمْرَارٍ.
كَانَ يُحَافِظُ عَلَى نَظْرَةٍ ثَاقِبَةٍ وَهُوَ يَقْرَأُ الأَوْرَاقَ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ بِدِقَّةٍ.
“هِم، يَبْدُو أَنَّكَ صِرْتَ بِخَيْرٍ الآنَ، أَيُّهَا البَشَرِيُّ؟”
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَرَدَّدَ صَوْتُ امْرَأَةٍ فِي الغُرْفَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ.
رَفَعَ لِيو رَأْسَهُ وَكَأَنَّهُ اعْتَادَ الأَمْرَ، فَوَجَدَ مِيكَائِيلَ تَجْلِسُ بِجَانِبِهِ عَلَى الأَرِيكَةِ.
كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِرِقَّةٍ.
تَوَهَّجَتْ نَظَرَاتُ لِيو الهَادِئَةُ مُجَدَّدًا.
“لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ اسْتِعَادَةُ رُشْدِي لِأُنْقِذَ إِيفِيلِيَانَا”.
أَجَابَ لِيو بِاخْتِصَارٍ ثُمَّ عَادَ بِنَظَرِهِ إِلَى الأَوْرَاقِ.
بَعْدَ أَنْ رَكَزَ فِيهَا لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، تَنَهَّدَ ثُمَّ قَالَ:
“عَلَى أَيَّةِ حَالٍ يَا سَيِّدَةُ مِيكَائِيلُ. إِيفِيلِيَانَا لَا تَزَالُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
فِي صَوْتِ لِيو المَلِيءِ بِالحُزْنِ، تَذَكَّرَتْ مِيكَائِيلُ إِيفِيلِيَانَا الَّتِي كَانَتْ فِي قَصْرِ رُوزبِيلِييرَ.
رُغْمَ مُرُورِ كُلِّ هَذَا الوَقْتِ، لَمْ يُرْفَعِ العِقَابُ عَنْهَا.
يَبْدُو أَنَّهَا قَتَلَتِ الكَثِيرَ مِنْ بَنِي جِنْسِهَا.
لَقَدْ تَدَمَّرَ عَقْلُهَا تَمَامًا لِدَرَجَةِ أَنَّ التَّحَدُّثَ مَعَهَا لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا.
‘حَسَنًا… هِيَ لَا تَزَالُ حَيَّةً عَلَى أَيَّةِ حَالٍ؟’
وَلِيُّ العَهْدِ سَأَلَ فَقَطْ عَمَّا إِذَا كَانَتْ حَيَّةً، وَلَمْ يَسْأَلْ عَمَّا إِذَا كَانَ عَقْلُهَا سَلِيمًا.
ابْتَسَمَتْ مِيكَائِيلُ وَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا:
“بِالطَّبْعِ. إِنَّهَا مُخْتَبِئَةٌ جَيِّدًا فِي مَكَانٍ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ، وَهِيَ تَتَنَفَّسُ”.
عِنْدَ ذَلِكَ ضَحِكَ وَلِيُّ العَهْدِ بِإِشْرَاقٍ.
بَدَا وَجْهُهُ مُرْتَاحًا لِلْغَايَةِ.
“بِمَا أَنَّ هَذَا كَلَامُ رَئِيسَةِ المَلَائِكَةِ، فَأَنَا أَثِقُ بِهِ. يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَبْذُلَ مَزِيدًا مِنَ الجُهْدِ”.
ابْتَسَمَ ثُمَّ مَدَّ الأَوْرَاقَ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِهِ نَحْوَ مِيكَائِيلَ.
“مَا هَذَا؟”
قَطَّبَتْ مِيكَائِيلُ حَاجِبَيْهَا وَهِيَ تَسْتَلِمُ الأَوْرَاقَ.
“إِنَّهُ الأَمْرُ الَّذِي طَلَبْتِهِ. أَلَمْ تَطْلُبِي مِنِّي المُسَاعَدَةَ فِي تَعْطِيلِ حَوَاجِزِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ وَلَوْ لِفَتْرَةٍ بَسِيطَةٍ؟ بِمَقْدُورِي لَا أَسْتَطِيعُ فَكَّ حَوَاجِزِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ المُرْتَبِطَةِ بِمَشَاكِلَ دِبْلُومَاسِيَّةٍ مَعَ الدُّوَلِ المُجَاوِرَةِ. لَكِنْ يُمْكِنُنِي اسْتِخْدَامُ حِيلَةٍ. لَقَدِ اسْتَغْلَلْتُ جَدْوَلَ أَعْمَالِ الصِّيَانَةِ الدَّوْرِيَّةِ. بِاسْتِخْدَامِ هَذِهِ الأَوْرَاقِ، لَنْ يَتِمَّ تَعْطِيلُ الحَوَاجِزِ فَحَسْبُ، بَلْ سَيَتَمَكَّنُ الآخَرُونَ مِنَ التَّنَقُّلِ عَبْرَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ دُونَ تَدَخُّلٍ بَشَرِيٍّ، عَلَى عَكْسِ مَا حَدَثَ فِي رُوفمُوَا.”
عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ وَلِيِّ العَهْدِ، ضَحِكَتْ مِيكَائِيلُ بِصَوْتٍ عَالٍ.
“فُوهَاهَاهَاهَاهَا”.
‘يَا لَهُ مِنْ فَتًى مُطِيعٍ. أَيُّهَا البَشَرِيُّ الأَحْمَقُ! بَلْ شُكْرًا لَكَ أَيُّهَا البَشَرِيُّ!’
فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ حَوَاجِزُ إِلَهِيَّةٌ فَقَطْ، بَلْ كَانَتْ هُنَاكَ حَوَاجِزُ عَدِيدَةٌ وَضَعَهَا البَشَرُ.
وَكَانَ كَسْرُ هَذِهِ الحَوَاجِزِ يَتَطَلَّبُ قُوَّةً هَائِلَةً.
فِي حَالَةِ رُوفمُوَا، قَامَ جَابْرِيِيلُ ذُو الرُّتْبَةِ العَالِيَةِ بِتَحْطِيمِ كُلِّ الحَوَاجِزِ وَفَكِّ الخَتْمِ، لَكِنَّهُ فِي النِّهَايَةِ تَلَاشَى عَلَى يَدِ التَّوْأَمِ.
أَمَّا بَقِيَّةُ الأَخْتَامِ، فَقَدْ لَفَّهَا البَشَرُ بِإِحْكَامٍ شَدِيدٍ لِدَرَجَةِ أَنَّ المَلَائِكَةَ ذَوِي الرُّتَبِ المُنْخَفِضَةِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا فِعْلَ شَيْءٍ.
وَلَكِنْ هَا هُوَ هَذَا البَشَرِيُّ المُطِيعُ يُسَلِّمُهَا الصَّلَاحِيَّةَ لِتَعْطِيلِ تِلْكَ الحَوَاجِزِ.
‘أَيُّهَا الأَحْمَقُ. أَنْتَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا العَالَمَ سَيَنْهَارُ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يُفَكُّ فِيهَا ذَلِكَ الخَتْمُ’.
وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ بَشَرِيَّةٍ أُخْرَى فَقَدَتْ عَقْلَهَا.
لِمَاذَا ظَنَنْتَ أَنَّ البَشَرَ وَضَعُوا حَوَاجِزَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ؟ لِأَنَّهُمْ سَيَمُوتُونَ جَمِيعًا إِذَا انْهَارَتْ تِلْكَ الحَوَاجِزُ.
وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَاعٍ لِقَوْلِ مِثْلِ هَذَا الكَلَامِ لِوَلِيِّ العَهْدِ.
فَقَدِ اكْتَفَتْ بِالضَّحِكِ صَمْتًا.
عِنْدَ ضَحِكِ مِيكَائِيلَ، ضَحِكَ وَلِيُّ العَهْدِ أَيْضًا بِارْتِبَاكٍ.
“شُكْرًا لَكَ أَيُّهَا البَشَرِيُّ. حَسَنًا، كَيْفَ تَسِيرُ خُطَّةُ التَّخَلُّصِ مِنْ كَاي؟”
“نَعَمْ. سَيَكُونُ ذَلِكَ قَرِيبًا”.
ابْتَسَمَ وَلِيُّ العَهْدِ بمَرَارَةً.
“سَأَجْعَلُهَا تَسْقُطُ فِي الهَاوِيَةِ، فِي أَكْثَرِ لَحَظَاتِهَا سَعَادَةً”.
‘أَجَلْ. أَنْتِ وَكَاي وَهَذَا العَالَمُ أَيْضًا، سَتَسْقُطُونَ مَعًا’.
طَالَمَا أَنَّ هَذِهِ الأَوْرَاقَ مَوْجُودَةٌ…
ابْتَسَمَتْ مِيكَائِيلُ بِإِشْرَاقٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 112"