بحكم أنّه كان مساعدَ داميان، كان دقيقًا جدًّا في حساب الأموال، وعلى عكس ثقتي بنفسي، أخذ يُحدّق بالكيس السميك بعينين شاردتين.
“هل… أحضرته فعلًا؟”
كان واضحًا أنّه يشكّ في أنّ المال الذي جلبتُه إمّا مزيّف أو خدعة، نظر إليّ خلسة ثم فتح الكيس وتفحّص داخله.
“… لا تقل إنّك سرقته؟”
“لا.”
“هل أخذتِه من أوهان؟”
“أوهان لم يُعطني فلسًا واحدًا.”
“تبًّا، لا تقولي إنّك اقترضتِه من نقابةٍ مظلمةٍ غريبة؟”
“لن أفعل حماقة كهذه!”
هل يظنّ أنّني بعتُ أحد أعضائي أو ما شابه؟
“إنّه مالٌ جُلب بطريقةٍ قانونيّة.”
“… لم تنسي إعطاء ذلك الوغد الفاتورة أيضًا، صحيح؟”
“فاتورة رافين داخل الكيس كذلك، يكفي أن تُلقي نظرة.”
ضيّق داميان عينيه ومسحني بنظرةٍ طويلة، هل عشتُ حقًّا مخدوعةً طوال هذا الوقت؟
“هذا مالٌ مقترض من البنك.”
“والبنك لن يُقرض شخصًا بلا ضمانٍ هذا المبلغ—.”
عندها فقط، توقّف داميان في منتصف كلامه، وكأنّه أدرك سرّ هذا المبلغ الضخم.
وكما قال، البنك لا يُقرض شخصًا مثلي بلا ضمانٍ هذا القدر من المال، وحتى لو فعل، فالفائدة ستكون فاحشةً لدرجة أنّني قد أقضي حياتي كلّها غارقةً في الدَّين.
لكن هذا كان ينطبق عليّ أنا، لا على رافين.
ومن يكون رافين؟
إنّه سيّد البرج السحري، بل سيّد البرج الشمالي من بين الأبراج الأربعة!
الامتيازات الملازمة لمنصب سيّد البرج السحري مذهلة، فمثلًا، يكفي أن يطلب مقابلة أحد أفراد العائلة الإمبراطوريّة ليُوافَق فورًا، ويمكنه حضور التجمّعات الخاصّة للنبلاء وحفلات القصر بحرّيّة، بل وحتى المثول أمام الإمبراطور.
إضافةً إلى حرّيّة عبور بوّابات المدن، واستخدام المؤسّسات العامّة مجّانًا، والاقتراض من البنك بلا فوائد وبلا حدٍّ أقصى للمبلغ.
بعبارةٍ أخرى، اقترضتُ المال بطريقةٍ قانونيّة وآمنة تمامًا!
“يمكنك التصرّف بحرّيّة في النفقات المتعلّقة بالتابع السحري، لكن…”
قلتُ بجدّيّة.
“هل يمكنكم إبقاء بنود غرامة الإخلال بالمسؤوليّات أو السلوك غير المسؤول أو عدم الالتزام بمدّة العقد؟”
“… ماذا؟”
“أريد إنقاذ العالم ثمّ العودة إلى نقابة بيندون، وإذا وافقت، سأعمل كمساعدةٍ دون أجرٍ إلى أن أسدّد كلّ الدَّين.”
“ذلك الوغد لن يوافق.”
“لا تقلق، لقد أقنعته.”
وكان إقناعًا شاقًّا لدرجة أنّني عرقتُ حقًّا، لعلّه استغرق ثلاث ساعات؟
“تأتين إلى النقابة على هواكِ، وتغادرين على هواكِ، ثمّ تعودين على هواكِ أيضًا؟ أهذا كلامٌ يخرج من فم المعنيّ بالأمر؟”
لم يضحك داميان حتى، وكأنّه لا يصدّق ما يسمع، وكنتُ أخشى أن يرمي في وجهي رُزم الأوراق المكدّسة إلى جواره.
“كُفّي عن الهراء، نقابة بيندون ليست ساحة لعب أطفال، إنّها مكان عملٍ له تسلسلٌ هرميّ واضح.”
“….”
لم يقل إلّا الحقّ.
“إذًا سأدفع غرامة الإخلال بهذا المبلغ.”
وافقتُ سريعًا.
“سنسافر أنا ورافين اليوم مباشرةً إلى البرج الشمالي، فجئتُ لأودّعكم أخيرًا، شكرًا لكم على كلّ شيء.”
أشعر بالأسف لأنّني أثقلتُ رافين بالدَّين، لكن يمكنني سداده على مهل.
لديّ بعض المال المُدّخر، وبعد إيقاف الكارثة يمكنني صيدُ الوحوش بجدّ، وسنجد حلًّا ما.
كما أنّها كانت نهاية صاخبة لصراخ داميان الذي مللتُه.
ربّما سأشعر ببعض الأسف، لكنّ النهاية كانت مُرضيةً على نحوٍ مريح.
“ازدهار نقابة بيندون بهذا الشكل يعود بفضلِكِ وبفضل رافين أيضًا، وأنا لستُ أحمقًا لأفرّط بمواهب كهذه.”
“ماذا؟”
شدّ داميان رباط كيس المال بإحكام، ثمّ دفعه جانبًا قرب المكتب.
“سأدعكِ تذهبين، فاذهبي وأنقذي العالم أو أيًّا يكن، وعندما تعودين أعيد لكِ المال، وسأُبقي الحمام الزاجل جاهزًا دائمًا، وإن واجهتِ خطرًا فاطلبي المساعدة.”
“مساعدة؟”
“قلتُ لكِ، لستُ أحمقًا يفرّط بالمواهب.”
لم يُضف كلمة (وغد)، على الأقل.
“سيدي القائد….”
نظرتُ إليه وأنا أكبت بصعوبةٍ ابتسامةً أخذت تتشكّل على شفتيّ.
تمهّلي، لا تستهيني بالأمر.
فطبع داميان—.
“شكرًا لاهتمامكم، سأكتفي بنيّتكم الطيّبة، لا أريد أن أغرق في دَينٍ إضافي.”
“ليس دَينًا، إنّه مجّان.”
نهض من مكانه واقترب حتّى وقف أمامي مباشرةً.
“مجّان؟”
لم يُجب، بل قلّص المسافة بيننا بلا تردّد.
توقّف قلبي لوهلةٍ عندما صار قريبًا إلى حدٍّ يكاد صدرانا يتلامسان، وشعرتُ بعينيه الزرقاوين اللامعتين تنظران إليّ بهدوء.
ما إن رفعتُ رأسي حتّى واجهتُ وجهًا مشرقًا كوجه ملاك.
لم يكن أخضرَ زمرديًّا كعيون قوم البحر، لكنّ الأزرق الداكن مع الشعر الأشقر بدا كتمثالٍ أو لوحةٍ لملاكٍ نقيّ.
“لا تُصابي بأذى.”
“….”
“إن كان الأمر خطرًا فادعيني، بلا مقابل، وبلا غضب، وبلا توبيخ، وبلا عمل، سأقدّم لكِ عملًا بلا أجر.”
ثمّ تراجع خطوةً إلى الوراء.
“والآن اذهبي، قبل أن يخنقني ذلك الوغد بطاقة مانه في الخارج.”
قالها بعد أن أدرك وجود رافين المنتظر خارج مكتب القيادة.
“سأكون بانتظاركِ، لوسي.”
“… هذه أوّل مرّة تناديني باسمي بهذه العذوبة.”
“وستكون الأخيرة، فلا تتوقّعي الكثير.”
عبس وهو يتفحّص الأوراق المتراكمة، ثمّ أشار بيده أن اذهبي.
آه، الآن فهمت.
كان هناك وصفٌ واحد لهذا الطبع في عالمي السابق… ما كان؟
‘تسونْدِيري!’
كان داميان تجسيدًا حيًّا له.
—
“هذا قوسٌ وسهامٌ مصنوعة من معدن قبيلة أوبوم، لن تنكسر مهما كان الصدم، ومرونتها ممتازة، يكفي شدّها قليلًا لتطير بعيدًا، ونصلها حادّ لدرجة أنّه يخترق قلب الوحش كما لو كان لوحًا خشبيًّا، وطرف القوس مدبّب بحيث يمكن استخدامه سلاحًا بدل السيف أو الرمح.”
شرح جيمي ذلك وهو يسلّمني القوس والسهام اللذين صنعهما بعناية.
وبنظرةٍ واحدة، كان واضحًا أنّ القوس متين، بل الأجمل والأصلب بين كلّ الأسلحة التي رأيتها.
قوسه الذي يتلألأ بزرقةٍ خفيفة عند الحركة، والوتر الذي يصدر رنّةً ناعمةً كوتر آلةٍ موسيقيّة حتّى بأدنى شدّ.
خمسون سهمًا، إضافةً إلى عشرين احتياطيّة.
وكان جعبة السهام متقنةً على نحوٍ يعجز اللسان عن وصفه.
“لا يمكنني قبول هذا مجّانًا.”
“اعتبريه هديّةً من قلبي.”
قال جيمي بسخاء.
“… في الحقيقة، كنتُ مُعجب بلوسي، من أوّل نظرة، ولو لم يكن رافين هذا الوغد موجودًا لكنتُ اعترفتُ أسرع.”
ما إن أنهى جيمي كلامه حتّى اشتعل نظر رافين وحدّق به.
“لوسي، لا تصدّقيه، هذا الوغد مزدوج الشخصيّة.”
“اخرس، أيّها الوغد، تذكّر حين ربطتني بالحبال وذهبت، أنتَ كسبتَ حبيبةً رائعة تُدعى لوسي، وفي المقابل أتمنّى لك الصلع، أيّها الحقير اللعين.”
التعليقات لهذا الفصل " 81"