كنتُ ألهو مع السَّعْيَة وأجري بها في السَّهْل، لكنّنا في النهاية وقعنا في قبضة كلاب الحراسة التابعة لأوهان.
“لوسي! ما دمتِ مفعمةً بالحيويّة هكذا، فيبدو أنّه حان وقت سحب الدّم هذا المساء.”
بعدما وصل الخبر، أنزل الماركيز بي عقوبةً مرعبةً بسبب ذلك الذنب.
والأسوأ من ذلك أنّني اضطررتُ للانفصال عن السَّعْيَة التي التقيتُها بدموعٍ بعد طول فراق.
‘كنتُ أركض جيّدًا.’
السَّعْيَة التي حملتني على ظهرها راحت تجوب السَّهْل الواسع ذهابًا وإيابًا.
ربّما كان ذلك فرحًا بلقائي، لكنّها بالتأكيد كانت أيضًا نشوةَ التخلّص من سلوكٍ مكبوت.
فالسَّحَرة كانوا قد حبسوا السَّعْيَات التي لا تنطبق عليها تعاويذ التقييد داخل أقفاصٍ حديديّةٍ ضيّقة.
ولم تكن أقفاصًا عاديّة.
كانت أقفاصًا مسلَّطةً عليها تعاويذُ تقييد تمنع استخدام القوّة، وضيّقةً إلى حدٍّ مبالغٍ فيه.
ظاهرُ الأمر أنّه لأجل الأمان، أمّا الحقيقة فلم تكن أقلّ من تعذيب.
“أختي.”
جاءني صوتٌ خافتٌ من الأعلى.
رفعتُ رأسي، فإذا بلويجي، بعينين غائرتين، ينظر إليّ.
“اختطفتني ثمّ اختفيتَ عن الأنظار، فما الذي جاء بك فجأة؟”
ظننتُه بعد أن أوصلني إلى هنا قد اختبأ خوفًا من العواقب.
“لوكا يريد لقاءكِ.”
“لوكا؟ ولماذا؟”
أملتُ رأسي في استغراب.
“إنّه لا يحبّني أصلًا.”
منذ طفولتنا، لم تتح لي فرصة التقرّب من لوكا، ذاك الذي كان شحيح الكلام.
ولو أنّ الأمر انتهى بلا مشاعر متبادلة لكان أفضل، لكن لوكا، الملتصق بلويجي، كان كثيرًا ما يرسل إليّ شتائم قاسية عبر التخاطر كلّما اقتربتُ من أخيه.
“إن كان يريد لقائي، فليأتِ بنفسه.”
“……كما قلتُ لكِ من قبل، لوكا مريضٌ جدًّا.”
توتّر صوت لويجي.
“حيّيه فقط.”
“…….”
“يبدو أنّه يتساءل إن كنتِ قد عدتِ فعلًا إلى القصر.”
ثمّ تقدّم وهو يشير إليّ أن أتبعَه.
كنتُ أشتاق إلى وجهٍ آخر، فلماذا عليّ أن أرى وجه الأخ المزعج؟
‘أنا طيّبة أكثر من اللازم، وهذا عيبي.’
ولأنّه لم يكن لديّ ما أفعله، تبعتُ لويجي بهدوء.
“يقولون إنّكِ تتجوّلين في كلّ مكان بلا قيود.”
قال لويجي وهو يدلّني على الطريق.
“لم أكن أعبث إلى ذلك الحدّ.”
بالأمس لعبتُ مع الخادمات، ثمّ ساعدتُ في نشر الغسيل لأنّ جسدي كان متيبّسًا، وتحدّثتُ مع البستاني، وحين شعرتُ بالملل مجدّدًا رسمتُ الدوائر السحريّة هنا وهناك تحت نظرات سحرة أوهان الناقمة.
“منذ قدومكِ، صار القصر صاخبًا.”
“أليس الأصحّ أنّه كان صامتًا أكثر من اللازم طوال تلك الفترة؟”
“……صحيح.”
اعترف بذلك على غير توقّع.
“حين أفكّر في الأمر، حتّى عندما كنتِ في موقع الوريثة، كان القصر دائمًا في فوضى.”
“هذا مدح، أليس كذلك؟”
“…….”
يُقال إنّ الصمت علامة الرضا، فهل هو مدحٌ فعلًا؟
“هنا.”
لم يتغيّر موقع غرفة لوكا عن ذاك الذي أعرفه.
‘ليست فخًّا، أليس كذلك؟’
راقبتُ لويجي الذي يصعب سبره، وتقدّمتُ بحذر.
تهيّأتُ للهجوم وأنا أحدّق في شقّ الباب الذي انفتح.
في الداخل، وعلى خلاف توقّعاتي، كان يجلس على السرير رجلٌ نحيلٌ يبدو عاجزًا حتّى عن استخدام قوّته.
في البداية، ظننته صبيًّا آخر استولى على سرير لوكا، لصغر بنيته الشديد.
“…….”
تحرّك وجه الصبيّ المثبّت باتّجاه النافذة.
كان وجهه، بهيئته التي تصلح لكتب التبرّعات أو المنشورات الخيريّة، يشبه لويجي إلى حدٍّ يجعلهما توأمين.
<مرحبًا.>
دوّى صوت لوكا في رأسي.
تعلّقت عيناه الضبابيّتان الخاليتان من التركيز بي.
توأمان؟ لا، أدركتُ حينها أنّ هذا الصبيّ هو لوكا نفسه، فخفّفتُ حذري.
ما هذا……؟
نظرتُ إلى لويجي بطرف عيني طلبًا للتفسير، فتجنّب بصري وهو يرتجف.
<لوسي.>
حين ناداني باسمي، فتحتُ فمي.
“نعم، مرحبًا.”
حيّيته أنا أيضًا.
“……مرّ وقتٌ طويل.”
تأمّلني لوكا قليلًا، ثمّ عاد فاستلقى على السرير.
يبدو أنّه كان يشعر بالبرد، إذ حاول سحب الغطاء حتّى عنقه، لكنّه لم يملك القوّة، فظلّ يئنّ في منتصف الحركة.
التعليقات لهذا الفصل " 60"