المقعد الفارغ.
مرّت بضعُ ساعاتٍ منذ ذلك الحين.
“آه…….”
رفعتُ جفنيّ، وحدّقتُ ببلادةٍ في السقف الأبيض.
أين أنا؟
مَن أنا؟
حين أدرتُ رأسي، وقعت عيناي على خطوطٍ متعرّجةٍ مرسومةٍ على الجدار لتسجيل الطول.
‘تلك…….’
كان هذا هو الغرفة التي كنتُ أقيم فيها قبل أن أغادر أوهان.
‘صحيح.’
ليلةَ أمس، سُحِبَ دمي في القبو.
رغم أنّني كنتُ على وشك فقدان الوعي من كثرة النزف، لَمْ يُوقِفِ الماركيزُ التجربة، بل طالبَ بقوّةٍ أكبر.
وبفضل ذلك، أُصِبتُ بفقرِ دمٍ حادّ، وفقدتُ الوعي، ونمتُ حتّى الصباح.
“أوه.”
اجتاحني ألمُ شدٍّ في عضلات جسدي كلّه.
-طَق طَق-.
“سأدخل يا آنسة.”
الشخصُ الذي فتح البابَ ودخل بصوتٍ هادئٍ كان غيرَ متوقَّع.
“سام؟”
“هل استيقظتِ؟”
“سام!”
كان مساعدي، ولم يتغيّر مظهرُه كثيرًا عمّا كان عليه قبل أربع سنوات، حتّى وجهُه الباردُ الخالي من الانفعال بدا مرحَّبًا به الآن.
“اشتقتُ إليكِ، يا آنسة.”
وضعَ فنجانَ شايٍ دافئٍ كان يحمله على الطاولة بجانب السرير.
“إذًا ما زلتَ هنا.”
رغم الحياة القاسية في أوهان، كانت علاقتي بسام جيّدةً نسبيًّا، وربّما لذلك خفّ توتّري عند ظهوره.
“أتولّى حاليًّا مهامّ مساعد السيّد لويجي، الوريث الجديد.”
“لابدّ أنّك تعبتَ كثيرًا، أليس كذلك؟ مهما بدا أنيقًا من الخارج، فهو فوضويّ.”
سام، الذي كان واقفًا بوجهه الجامد، ابتسم ابتسامةً خفيفة.
“بالمناسبة…… هل تشعرين بتحسّن؟”
سأل عن حالتي، ثمّ قدّم لي الشاي.
“هل أستطيع شربه؟”
“لهذا السبب حضّرته بالليمون.”
“شكرًا.”
لم ينسَ سام، رغم مرور الوقت، أنّني أحبّ شاي الليمون، وضبطَ مقدار الماء ليمنحه حلاوةً معتدلة.
وبفضله، هدأ قلبي الخاوي قليلًا.
“تلقّيتُ أمرًا من السيّد بأن أُعدَّ جدولًا لا يُرهق جسدكِ لتعويض القوّة.
سيكون سحبُ الدم بعد الغداء والعشاء، بعد الوجبة بساعة، ولمدّة ساعةٍ في كلّ مرّة.”
كان يشرحُ الجدول كما كان يفعل حين كان يساعدني سابقًا.
“إذًا، متى الإفطار؟”
لا يهمّني شيء، الأهمّ هو الطعام.
“ليس إفطارًا، بل غداء. لقد تجاوز الوقتُ الحاديةَ عشرة.”
“لهذا كنتُ جائعة.”
“ما زالت ساعةُ معدتكِ دقيقة.”
“نعم.”
مرّ نصفُ يومٍ منذ اختُطِفتُ إلى هنا.
وبينما كنتُ أفركُ بطني، خطرت ببالي صورةُ رافين وداميان، اللذين لا بدّ أنّهما يبحثان عنّي.
‘انتظر لحظة.’
لكن، هل لاحظ الاثنان اختفائي أصلًا؟
داميان يظنّ أنّني ذهبتُ غربًا مع رافين.
ورافين أعطاني خيارًا، ثمّ انتظرني وحيدًا عند بوّابة القرية.
وحين لَمْ آتِ، فالأرجح أنّه ظنّ أنّني رفضته، فعاد غربًا وحده.
تبًّا، تفرّقنا.
‘وحده…….’
تراءى لي رافين، واقفًا وحده عند مدخل القرية ليلةَ أمس، ينتظرني.
كان الأمر واضحًا.
لَمْ يُبدِّل ثيابه المبتلّة، وانتظر بصبر، ثمّ لاحظ متأخّرًا أنّ موعدنا قد مضى.
ومع ذلك، رافين ليس من يرحل لمجرّد تأخّرٍ بسيط.
حتّى بعد منتصف الليل، لَمْ يترك المكان إلّا على مضض.
كيف كان تعبيرُ وجهه حين غادر غربًا وحده؟
تذكّرتُ عيني رافين المرتجفتين.
حين تخيّلتُه مجروحًا بسببي، هبط قلبي فجأة.
ماذا لو استبقَ مشاعري وتخلّى عن قلبه؟
‘كان يجب أن أهرب من العربة بأيّ طريقة.’
اجتاحني ندمٌ متأخّر.
“سام، أريد إرسال رسالة.”
“لا يمكن، يا آنسة.”
أجابني بحزمٍ على طلبي القاطع.
“إذًا اسمح لي بالخروج قليلًا.”
“هذا مستحيل أكثر.”
كما توقّعت.
اختُطِفتُ، وطموحي كان مبالغًا فيه.
“يا آنسة، من الأفضل ألّا تُفكّري بأمورٍ طائشة.”
“تحذير؟ أم قلق؟”
عند نظرتي، خفَض سام بصره.
“الماركيز يعرف مكان إقامتكِ.
إن تحرّكتِ بتهوّر، فلن يعود الضرر عليكِ، بل على المكان الذي ستعودين إليه.”
“تولدا أخبرَ أبي بمكاني، أليس كذلك؟
في الحقيقة، التقيتُ بأحد رجاله قبل أيّام.
توقيتٌ مثاليّ.”
“حظّكِ كان سيّئًا.”
قالها وهو يراعي موقفي.
“إذًا، ماذا حقّقتَ ورفعتَ من تقارير؟”
“حقّقتُ في نقابة بيندون وقائدها داميان.
كنتِ مساعدته سابقًا.”
هذا يعني أنّهم لا يعرفون بعد علاقتي برافين.
فلنُعيد التفكير بهدوء.
‘ربّما كان من الأفضل ألّا ألتقي رافين الآن.’
إن علمَ باختطافي، فسيأتي حتمًا لإنقاذي.
وذلك حسن، لكن ما بعده هو المشكلة.
مانا رافين كانت اللونَ والموهبةَ التي يطمع فيها الماركيز.
ولو رآها بعينيه، فلن يتركه وشأنه.
وبقوّة معلومات أوهان، سيكتشف سريعًا أنّ رافين ابنُ زعيم هانسلاك، وقد يتحالف مع تولدا.
……ورّطة.
“يا آنسة، هل أنتِ بخير؟”
سأل سام وهو يراقب لوني.
“لا. أحتاج إلى أكل اللحم. اطلبْ من الطاهي.”
لنأكل أوّلًا، ثمّ نفكّر.
—
“واو!”
ما كلُّ هذا؟
امتلأت المائدةُ بالأطباق.
من اليسار، روبيانٌ مشويٌّ سمين.
سمكٌ بصلصة الليمون.
سلطةٌ من خضارٍ طازجة مع التتبيلة، ويخنةُ لحمِ الخنزير، وأخيرًا لحمُ بقرٍ مشويٌّ حديثًا يقطر دمًا.
منذ متى كان آخرُ وليمة؟
“بسبب قدومكِ، أظهر الطاهي مهارته اليوم.”
“وهنا أيضًا لحمُ الضأن الذي تحبّينه.”
“هل تودّين عصيرَ البرتقال، أم العنب، أم الفراولة؟”
الخادماتُ اللواتي لم أرَهُنّ منذ زمنٍ خدمنني بابتسامة.
الاختطاف… كان مريحًا على نحوٍ غريب.
‘حسنًا.’
أعدتُ التفكير.
سيلاحظ رافين غيابي متأخّرًا.
ولو هربتُ وحدي، فسيقع الضرر على نقابة بيندون لا محالة.
الخلاصة أنّني مضطرّة للبقاء هنا وسحب دمي… وهذا ما لَن أقبله.
“هل أقدّم لكِ مزيدًا من العصير، يا آنسة؟”
حتّى لو متّ……
“نعم، من فضلك.”
قرّرتُ أن أتحمّل أيّامًا قليلة.
‘إنّها ابجنّة.’
لولا الماركيز وكلاب أوهان، لكانت جنّة.
ولو كان رافين قبالتي، لَمَا تمنّيتُ شيئًا آخر.
“يا آنسة، السيّد يطلب حضوركِ إلى المكتب بعد انتهائكِ من الطعام.”
كاد الطعامُ يعلق في حلقي.
حدّقتُ بسام بامتعاض، لكنّه قابل نظرتي بثباتٍ مألوف.
“سام، ألستَ الآن مساعد لويجي؟”
“حاليًّا أُكلِّفتُ بمهمّة مساعدتكِ.”
“حقًّا؟
إذًا أخبر سيّدك العظيم أنّ سرعة أكلي بطيئة، وقد أحتاج ساعةً أو ساعتين.”
بدأتُ آكل اللحم ببطءٍ كسُلَحفاة.
“يا آنسة.”
“ما الذي تنتظره؟ أسرع.”
تعمّدتُ طلب المزيد من الطعام، واستمتعتُ بالأكل على مهل.
مرّت كلاب أوهان أحيانًا، ونظروا إليّ شزرًا، لكن لا يهمّ.
أنا صاحبة الدم النقيّ.
هم في موضعٍ أدنى.
‘فلنؤجّل سحب الدم قدر الإمكان.’
ثمّ نضع خطّةَ هروبٍ بهدوء.
“يا آنسة، كيف الطعم؟”
“ممتاز.”
كان الطعامُ بلا شكّ رائعًا.
ومع ذلك، كان هناك نقصٌ ما.
حين فكّرتُ، تذكّرتُ مطعم النقابة الصاخب.
رائحةُ اليخنة، صوتُ اصطدام الأطباق، والناسُ يتجادلون بفمٍ ممتلئ.
والأهمّ، أنّ المقعدَ المقابل لي، الذي كان يشغله رافين دائمًا، كان فارغًا.
كنتُ أحبّ طريقته في إنهاء طعامه حتّى آخر لقمة.
ويدُه الدافئة حين يطعمني اليخنة إذا أكلتُ قليلًا.
‘إنّه أكبر ممّا توقّعت.’
فراغُ رافين.
مضى يومٌ واحدٌ فقط، فهل يجوز أن أشعر بهذا القدر من الوحدة؟
‘ربّما كان رافين يشعر بهذا أيضًا.’
الآن فقط فهمتُ لماذا كرهَ رافين بعثةَ الأشهر الثلاثة، ولماذا رفضَ الذهاب إلى بعثة الأوبوم وتركِي.
هل اعترف لي في يوم الحفل لأنّه كان يخشى الفراغ من دوني؟
لكنّ هذا التفكير لَمْ يَدُم طويلًا.
التعليقات لهذا الفصل " 57"