انسياب الوقت.
بعد مرور أسبوع.
لم يتحسّن شيء.
“سيدي لوكا يخبر أنّه لا يستطيع الحضور اليوم. إذا طرأ أيّ أمر، سنستدعي معالجًا آخر، سيدي رافين.”
مع كل زيارة، شعرت لامي أنّ رافين يختفي تدريجيًا.
كان ساكنًا، كما لو أنّه يتلاشى من اللون إلى الشفافية في صمت.
ولم يكن ذلك بعيدًا عن الحقيقة.
فبعد أن فقدت لوسي وعيها، تصرّف رافين وكأنه شخص بلا شعور، ذلك الفراغ بدا قاتمًا بما يكفي ليُفسد عقل من يراه.
“…….”
راقبت لامي اليد الكبيرة التي تمسكت بيد لوسي.
الجرح والخدوش لا تزال على جسدها، ومع فقدان المانا وضعف الشفاء، رفض رافين العلاج لنفسه وأصرّ على علاج لوسي فقط.
“……الأمور تتأخّر، سيدي.”
استخدمت لامي لقب “سيدي” بعد زمن طويل.
حضرت لإبلاغه بخبر لوكا، ولكن هناك أيضًا أوامر من الرئاسة العليا.
القيادة العليا تفهم غياب شهر بسبب حزن فقد الحبيب ونتائج الحرب، لكنّها لا تستطيع قبول أكثر من ذلك.
“مسك اليد لن يجعل الآنسة لوسي تنهض. ربما من الأفضل أن أستريح قليلًا أثناء العمل……”
توقف لامي عن الكلام عند حركة رأسه البطيئة.
رأت عيني رافين الخاليتين من الشعور، ثم فتح فمه بعد صمت طويل.
“أن أستريح؟”
قالها كما لو كان يتمتم.
“……أستريح قليلًا.”
“ستنهار أيضًا، سيدي. نفهم قلقك على لوسي، لكن لا يمكن الاستمرار هكذا إلى الأبد.”
“……عندما كنت في الثامنة عشرة، ماتت عائلتي كلها. انهارت أسرتي.”
كان صوته جافًا، كأنه سينكسر في أي لحظة.
“كنت أرغب بالموت، لكن لوسي أنقذتني. أعطتني لطفًا وحبًا. لم تحسد مواهبي ولم تغار.
أليس ذلك عجيبًا؟”
لم تدمع عيناه، لكن بدا كمن يبكي.
“لقد عذّبني الماركيز الماهر لكوني عاجزًا، لكن لم يكرهني. بل كان صريحًا جدًا. كلّما أردت الموت، يظهر أمامي، يمسك يدي، ويناديني باسمي—”
انقطع رافين عن الكلام، وحنجرته مختنقة.
“—فكيف أقدر على دفع يدها عني؟”
كان سؤالًا موجهًا لنفسه، أقرب إلى يقين منه إلى استفسار.
لم يكن بوسعه التخلي عن يد لوسي.
“كيف يمكنني أن أتنازل عن لوسي؟”
“……لستُ أقصد أن تتخلى. نحن، أنا والسحرة، نريد فقط أن ترتب مشاعرك—”
“لا أستطيع.”
أمسك برأسه بيده الأخرى.
“أظن أنّ لوسي تريد ذلك أيضًا… لكن لا أستطيع.”
“…….”
“أريد فقط… أن أختفي. فكرت مئات المرات أنّ الاختفاء سيكون مريحًا. لكن هذا أيضًا مستحيل. لوسي على قيد الحياة.”
“…….”
“قلبها ما زال ينبض.”
ارتجف رافين بجسده كله.
رأى لامي ذلك، ولم يجد ما يقوله.
لم يكن يعرف كيف ينقل أوامر القيادة العليا الحازمة، ولماذا وُضع في هذا الدور الوسيط.
كان الأمر مرهقًا جدًا.
“سأبلغ القيادة العليا—”
“……على أيّ حال، لقد فقدت المانا. كل ما أستطيع استخدامه هو الهالة فقط.”
أمسك رافين بلميعة التي كانت على وشك الانفعال والخروج.
“ليست لي صفة سيدي.”
“…….”
“سمعت أنّ الإمبراطور منحني القصر. لم أره، لكن لوسي ستحب مكانًا دافئًا أفضل من هذا الشمال البارد.”
“سيدي رافين.”
“بلغ ذلك، أرجوك.”
طلب.
وقفت لامي عاجزة عن التصرف، ساكنة في مكانها.
“…….”
“……سأبلغهم.”
هل يمكن لشخص أن يسقط هكذا؟
دهشت لامي أنّ هذا هو رافين، الساحر العبقري الذي كانت تُقدّره.
رغم أنّ المكان كان مناسبًا له، لبّت طلبه.
-صدم.
أُغلق الباب، وبقي الصمت وحده.
كان رافين ينظر إلى المرأة النائمة كأميرة في حكاية، جمالها مطمئن.
أراد لمس وجهها لا يدها، لكنه خاف أن يخطئ.
بدل ذلك، مرّر أصابعه على خصلات شعرها الذهبي، مستحضرًا صوتها الصافي وابتسامتها الجميلة.
“لوسي.”
عند مناداته باسمها، ارتجف صوته الجاف بدموع مختلطة.
“لقد، لقد أخطأت…”
“…….”
“أرجو أن تعودي إليّ.”
كان طلبًا حارًا، مستعدًّا أن يعطي حياته ليستمع إلى صوتها مرة واحدة.
وكان مستعدًا لفعل ذلك بكل سرور.
—
أفاقت عينيّ على هدوء مفرط.
لم يكن أمامي غابة ولا سماء، بل ورقة بيضاء.
‘لقد مت.’
نظرت إلى جانبي، ووجدت جسدي ورأسي نصف غارقين في الماء.
‘أين هذا المكان؟’
سماء بيضاء غير طبيعية، صافية بلا غيوم، أعطت شعورًا بالغموض.
جلست تدريجيًا، ولم تبتل شعري أو ملابسي.
جربت صفعة كبيرة بالماء بيدّي.
“…….”
تبقى قطرة الماء معلقة في الهواء، وكأنّها متجمدة.
‘حقًا، لقد مت.’
كان هذا ليس واقعًا.
الآن عليّ أن أستنتج هل هذا الجنة أم الجحيم أم شيء آخر.
وقفت، وأخذت أنظر حولي، في مساحة واسعة لا نهاية لها.
لم يكن هناك شيء.
ولا أحد.
غريب.
ألا ينبغي أن يظهر شخص ما، مثل حارس الموت، ليقودني؟
ربما كل ذلك مجرد خيال ديني من نسج البشر.
لبرهة، شعرت بخوف البقاء محبوسًا إلى الأبد في هذا الفراغ.
“أهلاً!”
كان الصوت متقطعًا، مزعجًا.
“هل من أحد؟”
رجوت أن يكون موجودًا، وبدأت أمشي في الماء بلا هدف.
كم من الوقت مضى؟
بدأ الخوف يزداد، وكنت أتمنى أن يظهر أيّ شخص، حتى شيطان، ليخبرني ماذا أفعل.
“حقًا لا أحد؟ حقًا؟”
هل سأظل محبوسًا هنا؟
هل سيظل الإنسان بعد الموت يتجول في هذا الفراغ لا جنة ولا جحيم؟
‘إذا كان الأمر هكذا، دعوني أعود للحياة مرة أخرى!’
شعرت بالذعر، واستحضرت روايات فانتازيا رومانسية قرأتها في حياتي السابقة.
غير “زهرة الانتقام”، هل قرأت غيرها…؟
لا شيء.
كنت بعيدًا عن الكتب معظم حياتي، و”زهرة الانتقام” لم أقرأه إلا بعد سقوط الحرس، لتخفيف شعوري باليأس.
وهذا يعني أنّه حتى لو أردت العودة، لن أستطيع.
‘لهذا يقولون إنّ القراءة مهمة.’
تمنيت لو قرأت أكثر، لكن الآن لا جدوى من الندم.
استلقيت واستمتعت برشّ الماء قليلاً بغضب.
قذفت الماء بعيدًا، انفجرت بعض القطرات باستخدام أظافري، ثم صنعت الكثير باستخدام قدميّ.
بعد اللعب، بقي شعور الوحدة.
“…….”
فكّرت أنّه ربما لا بأس أن أعود إلى روايات أخرى.
لم أستطع تخيّل أن رافين يعيش بسعادة بعيدًا عني.
وفكرة أنّه سينسى أمر وجودي كانت تجعلني أشعر بغرابة.
كم من الوقت مضى منذ موتي؟
ساعات، أيام، شهور، أو حتى عقود.
لابد أنّ رافين بخير، أليس كذلك؟
ألا يكون قد بكى حتى انتفخت عيناه؟
ألا يكون قد بقي بلا عمل مثل تافه؟
ذلك سيكون حماقة حقيقية……
“همم.”
ما أعرفه أنّ رافين غبي.
أنقذني من الدمار، ومع ذلك سيظل يتذكر وجهي الميت فقط.
“……أريد العودة.”
لم آتِ إلى القصر، لم أسحب 3 لترات دمًا، لم أتعرض للسهم أو السقوط إلا لرؤيته.
‘أريد أن أراه.’
“إذًا هذا هو الحال.”
سمعت صوتًا محايدًا من الخلف.
“آه!”
قفزت كالزنبرك، ونظرت إلى الشخص الذي ظهر فجأة.
كانت شابة بشعر فضي وعينين ذهبيتين، تبدو بشرية جدًا لدرجة أنّك لا تستطيع تسميتها ملاكًا أو شيطانًا، وتحيط بها هالة روحانية.
“من، من أنت؟”
شعور بالارتياح لوجود شخص آخر، لكن فضولي لمعرفة هويتها كان أقوى.
التعليقات لهذا الفصل " 104"