الموت.
“…….”
صمتَ رافينَ لوهلةٍ، ثمّ قال بهدوءٍ:
“……ما معنى هذا الكلام.”
وأعاد السؤال بصوتٍ خافتٍ:
“القلب لا ينبض؟ قلبُ مَن؟”
القلب لا ينبض؟
تردّد الصوت في أذنيه كالصدى.
كان رافين يعرف أنّ الإنسان إذا توقّف قلبه عن النبض، مات.
وإنْ لم يمت، فهو على حافّة الموت.
“تكلّم. قلبُ مَن لا ينبض؟”
كان صوت رافين باردًا، قاسيًا.
“قلبُ مَن توقّف عن النبض؟”
سأل، وهو يُقنع نفسه بأنّ سمعه خانَه.
لابُدّ أنّ أذنيه تضرّرتا من هجوم ذلك الماركيس اللعين.
الطنين لم يختفِ بعد، فلا بدّ أنّه سمع وهمًا.
لكنّ عيني رافين كانتا سليمتين.
رأى رامّي بوضوحٍ، عاجزًا حتى عن فتح شفتيه.
وحين حرّك بصره ببطءٍ، رأى برونو، الذي كان دائمًا صاخبًا، يُشيح بوجهه وهو عاجز عن إخفاء يأسه.
وعند رؤية كتفيه العريضين المرتجفين بخفّةٍ، شعر رافين وكأنّ الدم قد تجمّد في عروقه.
“رافين!”
لم يَعُد بحاجةٍ إلى إجابةٍ.
كان عليه أن يرى بعينيه.
دون أن يشعر بانفتاح جروحه التي شُفيت للتوّ، اندفع عبر السهل.
ظنّ أنّه سمع هتافاتٍ تصفه بالبطل، لكنّ شيئًا منها لم يصل إلى أذنيه.
لعن ساقيه لأنّهما لا تتحرّكان بالسرعة التي يريدها، وهو يحدّق نحو الغابة.
كان قلبه يخفق أسرع من خطواته، وباضطرابٍ جنونيّ.
لوسي.
حدّق رافين في الغابة بذهولٍ.
كان ضوء الشمس الذي تحدّثت عنه يملأ السهل، لكنّ الغابة وحدها كانت غارقةً في الظلام.
بدت الأشجار المكسورة وكأنّها تقوده إلى عتبة الموت.
كلّما اقترب، عجز عن إدراك كيف كان يتنفّس أصلًا.
اختناق حلقه، والهتافات خلفه، كلّها كانت عبئًا خانقًا.
ما إن وصل الغابة، حتى التفّ القلق بجسده كلّه.
رأى معالجين يتحرّكون بسرعةٍ في المكان.
لكنّ لوسي لم تكن هناك.
لا هنا.
ولا هناك.
“رافين…….”
ناداه أحد السحرة.
وفي اللحظة التي ذُكر فيها اسمه، توقّف المعالجون دفعةً واحدة.
‘لِمَ توقّفوا؟’
حينها، رأى ذراعًا بين الأجساد.
تبع الذراع الممدودة على الأرض، لا يدري أهي نائمة أم فاقدة الوعي، حتى توقّف بصره عند يدٍ صغيرة.
كانت راحة اليد مغطّاةً بالدم.
وحين أدرك أنّ تلك اليد هي ذاتها التي كانت تمسكه وتواسيه بلطفٍ، انقطع نَفَسُه لثوانٍ.
‘لا.’
شعر وكأنّ مؤخرة رأسه تُنتزع.
‘لا. لا.’
أفاق أخيرًا، ودفع المعالجين واندفع نحو لوسي.
كانت هناك، كأنّها نائمةٌ بسلام.
“لو، لوسي.”
لم تكن عليها جروحٌ تُذكَر.
بدت وكأنّها نائمةٌ فقط، لكنّ جسدها كان باردًا على نحوٍ مخيف.
“لو، لوسي…… أنا هنا.”
جثا رافين أمامها وأمسك يدها.
لم تُبدِ أيّ استجابةٍ.
كانت أنفاسها ضحلةً للغاية، كأنّها غارقةٌ في نومٍ أبديّ.
“لوسي…….”
لمس خدّها بيدٍ مرتجفة، ثمّ وضع يده على صدرها.
“لوسي، أرجوكِ…… أرجوكِ، استيقظي.”
“…….”
لم يكن هناك نبض.
كان يجب أن ينبض.
لكنّه لم ينبض.
كان ذلك مستحيلًا.
فالإنسان يجب أن ينبض قلبه……
“آه.”
خرج أنينٌ قصيرٌ من فم رافين.
وحين تأكّد بنفسه، انهار.
كأنّ عضوًا حيويًّا اختفى فجأةً من جسده، سحقه الألم سحقًا.
“لوسي.”
البطل الذي أوقف الكارثة لم يكن موجودًا هنا.
كان مجرّد خاسرٍ فقد كلّ شيء.
حاول أن يمدّها بالمانا أو بأيّ قوّةٍ يملكها.
“أسرعي…… المانا، لنعالجكِ بالمانا…….”
لكنّ ماناه كانت قد استُنزفت على يد لوكا.
والهالة المتبقّية لم تكن صالحةً للعلاج.
“……أرجوكِ، أرجوكِ، اللعنة!”
لم يستطع فعل شيء.
‘لماذا؟ لماذا؟’
لم يكن الواقع مفهومًا لديه.
‘ليقل لي أحد إنّ هذا حلم.’
دفن وجهه في كتفها، وأطلق أنينًا مكسورًا.
كان صوته المبحوح، العاجز عن البكاء، يفتت القلوب.
حتى المعالجون اغرورقت أعينهم.
‘لا تفعلي هذا.’
تحمّل ألمًا كأنّ قلبه يتمزّق.
‘هذا حلم، أليس كذلك؟’
لا تختفي أمامي، لوسي.
لوسي.
كيف أعيش بدونكِ؟
ظلّ يعانقها، يهمس باسمها، يتوسّل مرارًا.
لوسي، لوسي، لوسي.
ما الذي أخطأ فيه؟
إحضارها إلى هنا؟
أن يصبح هو مالكَ البرج؟
أم اختفاؤه ثلاثة أشهرٍ دون أن ينقذها بسرعة؟
“رافين…….”
وقف رامّي خلفه، عاجزًا عن الكلام.
“……لماذا، لماذا…… حدث هذا؟”
عضّ رافين شفته بقوّةٍ.
لوسي لم تُصب بهجومٍ، ولم تدخل المعركة.
فلماذا؟
“سُحِب منها دمٌ كثير.”
قال رامّي بهدوءٍ.
“……دم.”
“كانت هناك ثلاث جرعات، لكنّها لم تُستكمَل.”
وتابع ليفسّر، فتحوّل حزن رافين إلى يأسٍ مطبق.
“كان إكمالها يحتاج إلى دمِ عديمةِ القدرة…… أي دمِ لوسي.”
“…….”
“كلّ جرعةٍ تحتاج إلى لترٍ واحدٍ.”
لترٌ واحد.
ثلاث جرعات.
ثلاثة لترات.
“……ثلاثة لترات.”
“نعم.”
كمّيّةٌ كافيةٌ للموت.
وبعد أن انتهى من الحساب، انطفأ الضوء تمامًا من وجهه.
‘كانت حيّةً حين أطلقت السهم.’
ذلك كان آخر ما تبقّى لها.
سحبت دمها من أجله، ثمّ أطلقت السهم بالقوّة المتبقّية.
لم تمت بسبب الكارثة، ولا بسبب عدوّ.
بل بسببه هو.
‘بسببي……؟’
لو لم تلتقِ به……
‘بسببي ماتت لوسي.’
لطالما شعر أنّه عبءٌ في حياتها.
منذ أربع سنواتٍ، منذ لقائهما الأوّل.
‘بسببي.’
كان يجب أن يرحل حين شُفي.
من هناك بدأ الخطأ.
“رافين!”
أمسك برونو كتفيه بقوّةٍ.
كان وجه رافين أشدّ بؤسًا من وجه ميت.
عيناَه فقدتا الحياة.
“استفق! لوسي فعلت هذا من أجلك، ومن أجل العالم!”
“…….”
“ليس ذنبك!”
“…….”
لم يسمع شيئًا.
كان قد سرق جرعتين، وأقسم أن ينتصر.
لوسي……
كيف أعيش الآن؟
‘إنْ كان هذا عقابًا، فالموت أهون.’
وفي تلك اللحظة، انقطع شيءٌ في عقله.
لم يَعُد يرى سوى لوسي.
لا سماء، ولا شمس، بلاها.
عانق جسدها بقوّةٍ، قبّل عنقها، ثمّ شفتيها، وأنفها، وعينيها.
‘أحبّكِ.’
أحبّكِ، لوسي.
إنْ لم تكوني في هذا العالم، فلن أكون أنا—.
“أيّها الأحمق!”
حاول الانتحار، لكنّ برونو أسقطه بضربةٍ واحدةٍ أفقدته الوعي.
حدث كلّ شيءٍ في لحظة.
سقط رافين أرضًا، وهو لا يزال يعانقها.
“رافين!”
“لا تقلقوا، أغمي عليه فقط.”
نظر برونو إلى وجهه الشاحب، والدموع لا تتوقّف عن الانهمار.
التعليقات لهذا الفصل " 102"