شَمْسِي.
كوَاانغ!
صدَّ رافينُ الهجومَ بالسيفِ العظيم، واستغلَّ قوّةَ الارتدادِ ليتراجعَ بجسده إلى الخلف.
وبسببِ وميضِ البرق، أغمضَ عينيه ثم فتحهما، وبعد أن تلاشى تكيُّفُ بصرِه السريع، لمحَ الماركيزَ مجددًا، فجذبَ المانا إليه.
على النقيضِ منه، كان الماركيزُ قد استقبلَ ضوءَ البرقِ العنيفَ كاملًا.
ومع ابيضاضِ مجالِ رؤيته، احتاجَ إلى بضعِ ثوانٍ
حتى يتمكَّنَ من تمييزِ الأجسام.
وبينما كان يتخبَّطُ فاقدَ التركيز، وحين بدأت الرؤيةُ تعودُ إليه بخفوت، انطلقت رماحٌ عدّةٌ استحضرها رافين،
واخترقت جسده.
“كُخ!”
كانت أسلحةً امتزجت فيها الهالة والمانا، فكان كلُّ نصلٍ منها قاتلًا بحدِّ ذاته.
للمرّةِ الأولى، تلقّى الماركيزُ جرحًا قاتلًا.
وبمجرّدِ أن بصقَ الدم، اندفعَ سيفُ رافين العظيم
ليقطعَ عنقَه.
“…….”
لكن قوّةَ الماركيز اعترضت طريقَ رافين.
وفي تلك الفجوةِ الوجيزة، التأمَ جسدُه المثقوبُ سريعًا.
وعندما رأى رافين جسده يعودُ إلى حالتهِ الأولى
كأنَّه سلايم، نسيَ حتى أن يُلوِّحَ بسيفه، وطبقَ على أضراسه بقوّة.
‘يا ابنَ الوحش!’
كان يجبُ أن يقطعَ رأسه يقينًا.
‘لا وقتَ لديّ—!’
نظرَ رافين إلى الماركيز المندفعِ نحوه.
ظنَّه هجومًا، لكن الغريبَ أنّه لم يتَّخذ أيَّ وضعية، واكتفى بمدِّ ذراعه.
‘ما هذا؟’
وحين أدركَ رافين القوّةَ الهائلةَ القادمةَ نحوه، اتّسعت عيناه.
وقبل أن يستوعبَ ما هي، انغرسَ رأسُ سهمٍ عميقًا في ذراعه.
لم يكن الألمُ هو ما شعرَ به، بل صفاءٌ مباغتٌ في ذهنه.
‘لوسي؟’
وعندما التفتَ جانبًا،ا ستقبله قارورٌ واحدٌ من شرابٍ ذهبيّ.
ظنَّ أن القارورتين هما النهاية، فهل كان هناك المزيد؟
وقبل أن يعترضَ الماركيز، كسرَ رافين القارورة وابتلعَ الشراب.
لم يكن لديه وقتٌ لإزالة شظايا الزجاج المغروسة في كفِّه.
تفادى الماركيزَ المندفعَ نحوه كوحش، وفي تلك اللحظة،
رأى لوسي فوقَ الشجرة.
‘لوسي!’
كانت هي دون شكّ.
-فْوِيش!
بينما كان يتفادى الهجماتِ المتتالية، دفعَ رافين هذه المرّة بقوّته المباشرة.
أُودِك—.
دوّى صوتُ تكسُّرِ عظام.
كانت ضربةً قاتلة، لكن الماركيز لم يتراجع، بل شنَّ هجومًا أشدَّ استعجالًا من قبل.
كان السببُ واضحًا.
فرافين، الذي تعادلَ معه بعد قارورتين فقط، شربَ قارورةً إضافية.
وقبل أن تتضاعفَ قوّةُ رافين، فكّر الماركيزُ بالفرار،
لكن سحرَ التقييد التفَّ بقسوةٍ حول كاحليه.
“إلى أينَ تفرّ!”
ارتفعت الحبالُ عاليًا نحو السماء، وحلّقَ جسدُ الماركيز،
ثم سقطَ بعنفٍ على الأرض.
اصطدمَ وجهه أوّلًا، فالتوى كما لو داسه حذاءٌ على حشرة.
“آآآآآه!”
بصقَ الدم، وحدّقَ في رافين بنظرةٍ قاتلة.
لم يبقَ في ملامحه شيءٌ يُشبه البشر، بل كتلةُ شهوةٍ خالصة.
“آآآآغ!”
مزّقَ القيود، واستدعى مجددًا حاصدَ الأرواح حاملَ المنجل.
والهدفُ واحد.
رافين.
اندفعَ المنجلُ الهائلُ نحوه، نافثًا ريحًا حارّة تُذيب الحديد.
اهتزَّ الهواءُ المحيط من شدّة الحرارة.
صدَّ رافين الريح بحاجزٍ دفاعيّ، لكنّه لم يمنعِ السخونة.
تقلّصت إحدى عينيه من ألمِ الحروق.
“آه! آغ! آآآ!”
كان الماركيز قد فقدَ عقلَه تمامًا، وأطلقَ كلَّ ما يملك
من قوّة.
‘تبًّا!’
قدَّرَ رافين ما تبقّى في جسده من طاقة.
كم بقي حتى يكتملَ التضخيم؟
تضاعفت قارورتان، لكن البقيّة تحتاجُ وقتًا.
والمشكلةُ الأكبر…
إذا اكتمل تضخيمُ الجميع، فلن يمرَّ وقتٌ طويل
حتى تبتلعَ القوّةُ عقلَه بالكامل.
وحينها…
‘لوسي.’
تذكَّر رافين
لمحةً خاطفةً منها.
كانت صغيرةً كحبّةِ فاصولياء، لكن وجهها المُنهك
كان واضحًا.
إنها تفعلُ كلَّ ما تستطيع.
فما الذي أخشاه أنا؟
رمقَ رافين السماءَ المظلمة.
‘أريدُ أن أرى الشمسَ التي تحدّثتِ عنها.’
كان لا بدَّ أن يصدَّ، ولا بدَّ أن ينتصر.
وفي تلك الرغبةِ اليائسة، خطرت له فجأةً فرضيةٌ جنونية.
التضخيمُ يحدث حين تتصادمُ المانا مع قوّةِ الشراب.
فماذا لو جعلَ هذا التصادمَ بإرادته؟
أخرجَ كلَّ المانا من جسده.
وفي اللحظةِ التي شعرَ فيها بوهنٍ كامل، وحين ملأ الشرابُ الفراغ…
“كُخ—!”
استعادَ فجأةً كلَّ المانا التي أطلقها.
وفي تلك الأثناء، اندفعَ منجلُ الحاصد نحوه.
صدَّ رافين الهجوم بحاجزٍ مصنوعٍ من المانا، ثم أعادَ القوّة إلى جسده.
“ها!”
وجاءَ الردُّ مجددًا.
وحين لاحظَ الماركيزُ التغيّر، رفعَ عصاه عاليًا.
“آآآآآ!”
ملأت القوّةُ المشؤومة السماء.
كان ينوي إنهاءَ القتال الطويل، وخنقَ أنفاسِ رافين بكلِّ ما يملك.
وفي المقابل، انفجرَ نورٌ هائل من جسدِ رافين، وامتدَّ حتى ساحةِ القتال البعيدة.
وكما في فرضيته، اكتملَ التضخيم بسرعةٍ غير مسبوقة.
-كُوكُوكُوكُوكُوانغ!
اصطدمت القوّتان بصدمةٍ تفوقُ كلَّ ما سبق.
-كُوكونغ!
-كونغ!
وكم دامَ التصادم؟
انشقَّت السماءُ عن ثقبٍ هائل.
ومن خلاله، تدفّقَ نورٌ صافٍ وجميل، ذلك الذي تحدّثت عنه لوسي.
ورغم القتال، رآه رافين بعينيه بوضوح.
‘إذًا هذا هو.’
كنتَ مختبئًا هنا.
‘……لوسي.’
كما قلتِ، نقيٌّ إلى حدٍّ مُبهر، ساطعٌ حتى يعجزَ المرءُ عن فتحِ عينيه.
‘إنه يُشبهكِ تمامًا.’
ليتَ هذا النور ينتشرُ في العالمِ كلّه.
أن أراه معكِ، وتحتَه نحبُّ، ونبني أسرةً، ونعيشُ بسعادة…
‘لوسي.’
برقَ الضوءُ في عيني رافين وهو يحدّقُ في الماركيز.
“آآآآآ!”
تحرّكت القوّتان بمرونةِ تنّين، واصطدمتا بعنف.
تساوتا في البداية، لكن قوّةَ رافين بدأت تتضاعف، مرّةً بعد مرّة.
غطّى مجدُه قوّةَ الماركيز، وأطاحَ أخيرًا بالظلامِ الكئيب الذي كان يكسو السماء.
“…….”
انحسرَ الظلّ، ونزلَ الضوءُ على الأرض..
سماءٌ زرقاء،
شمسٌ ساطعة،
نورٌ مهيب.
واندفعَ آخرُ شعاعٍ كالرُّمح إلى الأرض، فابتلعَ الماركيز.
لم يكن لديه وقتٌ للتفادي.
كما لو احترقَ بقربِ الشمس، تلاشى وجهه رويدًا.
“…….”
اختفى الإعصار،
وسادَ الصمتُ السهلَ وكلَّ ما حوله.
رافين،
الذي استنفدَ كلَّ قوّته، سقطَ أرضًا وأطلقَ زفيرًا طويلًا.
نظرَ إلى السماء الواسعة الزرقاء.
‘انتصرت.’
عرفَ ذلك.
كان الوقتُ الساعةَ الثانيةَ ظهرًا.
“…….”
“…….”
لم يكن في ساحةِ المعركة صراخُ هزيمةٍ ولا هتافُ نصر.
الجميع،
صديقًا وعدوًّا، وقفوا صامتين، مشدوهين بالسماءِ التي لم يسمعوا عنها إلّا في الأساطير.
انتهت الحربُ بهدوء.
—
“واو.”
“ذلك هو….”
حدّقَ السحرة في أشعةِ الشمس المتدفّقة بين الهالة، مذهولين.
‘نور….’
لوسي،
الممدّدة على سريرٍ مؤقّت، فتحت عينيها على ضوء الشمس بعد غيابٍ طويل.
ورغم أنّه نورٌ
لم ترَه منذ زمن، بدت هادئة.
ربما لأنّها رأته كثيرًا في حياتها السابقة.
أغمضت عينيها، وفي الظلام
أزهرَ لونُ المانا الذي أراه لها رافين أوّل مرّة.
منذ أربعِ سنوات، نورٌ صنعه بيديه الخشنتين.
‘كان يملأ الكوخَ دفئًا وسطوعًا.’
بالنسبة لي، ذلك كان الشمسَ الحقيقيّة، يا رافين.
شعرت لوسي بأنفاسها تخبو شيئًا فشيئًا.
كان جسدُها يحتضر.
إطلاقُ سهمٍ ثم السقوطُ من علوّ، لم يكن أمرًا يمكن تحمّله.
ومع ذلك…
رأيتُه.
الشمس.
‘شمسي الوحيدة.’
رافين.
‘لقد نجحت.’
وأنتَ، أنتَ حقًّا محبوب.
—
رافين، الممدّد على الأرض، نظرَ إلى الأمام.
سماءٌ زرقاء خالصة بلا غيوم.
أرادَ أن يركضَ إليها، أن يحتضنَها، أن يقبّلَها، لكن جسده لم يطاوعه.
‘ولو كان هذا فقط
لكان خيرًا.’
القوّةُ المتضخّمة المتبقّية تسلّلت إلى عقله كطفيليّ.
فبدأ يردّدُ اسمها بيأس.
لوسي، لوسي، لوسي، لوسي……
ناداها بلا توقّف، ورسمَ ابتسامتها في ذهنه.
التعليقات لهذا الفصل " 100"