دخلتُ إلى داخل مكتب العمل، فوقف شويان وزينون أمامي ليحجبا أكسيل عن الأنظار.
“آه، آنستي الدوقة. لقد جئتِ اليوم أيضًا. كما هو متوقّعٌ منكِ، أنتِ مجتهدةٌ حقًا.”
“عدتِ مجددًا…….”
“هاهاها. تحياتي لكما، أيها السادة.”
لم يدم تبادل التحيات المحرجة طويلًا، إذ سُمِع من خلفنا صوتٌ يحمل انزعاجًا واضحًا.
“ما الذي تفعلونه واقفين أمامي هكذا؟ أيتها الدوقة. ستخرجين؟”
“آه، لحظةً واحدة فقط يا صاحب سموّ. لا، أعني… لا يزال هناك غبارٌ عالقٌ في شعرك، ابقَ هكذا قليلًا فقط. سأزيله لك!”
في اللحظة التي هممتُ فيها على عجل بمدّ يدي نحو شعر أكسيل، تدخّل زينون بلا أي إحساس، مشيرًا إليه.
“أوه، سموّك. ما هذا على رأسك؟ يبدو كأذني أرنب. هاهاها. إنه لطيفٌ جدًا على غير ما يليق بسموّك.”
“……قلتَ أذني أرنب؟”
“آه، لا…… أنا، سموّك. لحظةً واحدة فقط.”
رغم محاولتي إيقافه، رفع أكسيل يده وتحسّس شعره، ثم أمسك بما كان عالقًا به. وفي اللحظة التي رأيتُ فيها تعابير وجهه تزداد رعبًا شيئًا فَشيئًا، غيّرتُ مساري واندفعتُ مهرولةً نحو باب الغرفة.
وأخيرًا، بعدما واجه أكسيل ما كان معلّقًا في شعره، نطق باسمي بصوت ينذر بالشر. نهض من مكانه وكأنه سيقبض عليّ في الحال، فأسرعتُ بالانحناء بزاوية تسعين درجة وحيّيته.
“……أوديت ميلبرين.”
“هاها. إذًا…… إلى اللقاء يا سموّك! سأراك في المرة القادمة!”
وهكذا غادرتُ مكتبه مسرعة.
خرجتُ من مكتب أكسيل وكأنني أفرّ هاربة، واتجهتُ على عجل إلى المنزل. وهناك، كنتُ في تلك اللحظة أكتب رسالة إلى أكسيل. رسالة اعتذار عمّا حدث اليوم، وأخبره فيها بأنني سأكون مشغولة لبضعة أيام ابتداءً من الغد ولن أتمكّن من زيارته.
بالطبع، كان ادّعاء الانشغال كذبة.
فأنا، في هذا المكان، لا عمل لي أصلًا سوى التحديق في أكسيل، لكن من أجل البقاء على قيد الحياة كان لا بدّ من الكذب.
بعد أن كُشف أمر دبوس الأرنب اليوم، لم أجرؤ حتى على تخيّل ما الذي قد يحدث لو واجهته غدًا.
في أسوأ الاحتمالات، قد يصدر قرارًا بحظر التصوير……
ما إن وصلتُ إلى هذا التفكير حتى هززتُ رأسي بقوّة.
“هذا مستحيل……!”
ذلك تحديدًا يجب أن أمنعه مهما حصل.
لذلك قرّرتُ أن أختبئ إلى أن يهدأ غضب أكسيل تمامًا، ثم أظهر أمامه مجددًا عندما أشعر أن الأمور أصبحت أفضل نسبيًا.
بعد أن سلّمتُ ماري رسالة طويلة مليئة بالأعذار والتبريرات، وجدتُ نفسي مستلقية على السرير، أحدّق في الفراغ بلا وعيّ.
“إذًا، ماذا سأفعل ابتداءً من الغد…….”
تنفّستُ الصعداء تلقائيًا عند التفكير بأن عليّ قضاء الوقت وحدي مجددًا من دون أكسيل.
كان ينبغي عليّ أن أكون أكثر حذرًا منذ البداية. لماذا كان لا بدّ أن يأتي المساعدين في ذلك التوقيت بالذات……!
لكن تمزيق البطانية ندمًا لن يغيّر شيئًا.
توقّفتُ عن التنكيل بالبطانية عبثًا، واحتضنتُ الوسادة وأنا أحدّق في السقف.
لكن أكسيل، بلا شك، سيبدو رائعًا بملابس أخرى أيضًا……!
اتّسعت عيناي فجأةً وأنا أنهض من مكاني.
يا إلهي، لماذا لم أفكّر طوال هذا الوقت في إلباس أكسيل أزياء مختلفة؟ هو أكثر كمالًا من أي دمية عرض، ولا يمكن أن توجد ملابسٌ لا تليق به.
“صحيح، وجهة الموعد القادم ستكون محلّ الأزياء!”
هناك، سأجرّب عليه مختلف الملابس وأبحث عن الأزياء التي تناسبه تمامًا، وما إن تخيّلتُ ذلك حتى بدأ قلبي يخفق حماسًا.
“أو ربما أصمّم الملابس بنفسي وأطلب تنفيذها.”
فقد كنتُ أمتلك موهبةً لا بأس بها في التصميم، ولا يوجد ما يمنعني من ذلك.
إن عدم القدرة على إلباسه أزياء العصر الحديث خسارةٌ فادحة بلا شك. حتى لو لم يستطع ارتداءها في الخارج، فسيكون من الجيّد صنعها للاقتناء الشخصي.
أكسيل ببدلةٍ رسمية حديثة بدل الزيّ العسكري…… لا أستطيع حتى تخيّل مدى وسامته.
رغبةٌ عارمة في إلباس تلك الدمية المثالية أزياء مختلفة كانت تتدفّق بداخلي بلا توقّف. وبحماسةٍ فائضة، نهضتُ فورًا من السرير واتجهتُ إلى المكتب. أخرجتُ قلمًا، وبدأتُ أرسم على الورق التصاميم التي كانت تلمع في ذهني، خطًا بعد خط.
كم من الوقت مرّ على ذلك؟ بعد أن أحرقتُ ما تبقّى لديّ من روح فنية، نظرتُ أخيرًا إلى التصاميم المكتملة وابتسمتُ برضا.
“أخيرًا انتهيت!”
الآن، لم يتبقَّ سوى أخذ هذه التصاميم والذهاب بها إلى محلّ الأزياء.
نظرتُ إلى السماء التي أظلمت دون أن أشعر، ثم تمدّدتُ على السرير وأنا أتمنى أن يأتي الغد بسرعة.
***
مع انبلاج الصباح في اليوم التالي، ركبتُ العربة فورًا وتوجّهتُ إلى أشهر محلّ أزياء في العاصمة.
كان موظفو المحلّ، الذين وصلهم الخبر مسبقًا، ينتظرونني في الخارج. وما إن نزلتُ من العربة حتى اقتربت منّي سيّدة ذات ملامح متوتّرة قليلًا، وانحنت تحييني.
“يُشرّفنا لقاؤكِ، دوقة أوديت ميلبرين. أنا السيدة هيكلين، صاحبة مشغل آرتزن للأزياء.”
“حسنًا، سيّدة هيكلين. تشرفتُ بلقائكِ. لا بدّ أن اتصالي المفاجئ قد فاجأكِ، شكرًا لكِ على هذا الترحيب.”
“على الإطلاق. نحن سعداء فقط لأن الدوقة تفضّلت بزيارة مشغلنا مجددًا. إنه لشرفٌ عظيمٌ لنا أن نخدمكِ اليوم. تفضّلي إلى الداخل، سأرشدكِ.”
بمنتهى الأدب، قادتني هيكلين إلى داخل المشغل. وما إن دخلتُ حتى اضطررتُ إلى كبح دهشتي.
يبدو أن لقب أشهر محلّ أزياء في العاصمة لم يكن مبالغة. ثريّات فاخرة تلمع تحت الضوء بين أسقف ممتدّة بلا نهاية، وصفوف طويلة من الفساتين البديعة مصطفّة على الجانبين.
وأثناء تفحّصي المكان دون لفت الانتباه، لاحظتُ أمرًا غريبًا.
انتظري…… لماذا لا يوجد زبائن على الإطلاق؟ لا أرى سوى الموظفين.
هل يعقل هذا؟
لم يدم تساؤلي طويلًا، إذ اقتربت منّي السيدة وهي مطأطئة الرأس وتحدّثت بهدوء.
“في زيارتكِ السابقة، دوقة، قد أشرتِ إلى بعض الملاحظات، وقد حاولنا تصحيحها. لا نعلم إن كانت ستنال رضاكِ.”
ملاحظات؟ ماذا قصدتُ حينها؟ لا تقولي……
عقدتُ حاجبيّ بخفّة، ونظرتُ إليها بنظرة مريبة قبل أن أسأل.
“……لا أذكر جيدًا، ماذا كنتُ قد انتقدتُ وقتها؟”
ارتبكت السيدة للحظة، ثم استعادت هدوءها وأجابت.
“……الأمر هو، أنكِ قلتِ إن وجود الآخرين يعيق التسوّق، وطلبتِ ألا نُدخل أي شخصٍ غيركِ.”
كتمتُ تنهيدة داخلي. كنتُ أعلم.
لا أعرف بالضبط ما الذي قالته لوديت في الماضي، لكن كان واضحًا أن السيدة قد نقلت الأمر بصيغةٍ لطيفة جدًا.
من الواضح أنها كانت قد هدّدتها وافتعلت ضجّة لا تُطاق.
‘هل كنتُ زبونةً مزعجة إلى هذه الدرجة…….’
عندها فقط فهمتُ سبب التوتّر المبالغ فيه الذي كان ظاهرًا على وجوههم.
شعرتُ بوخز خفيف من الذنب. حتى لو لم تكن تلك أفعالي أنا، إلا أن تصحيح الماضي كان ضروريًا.
والطريقة الوحيدة التي أستطيع بها مساعدتهم الآن كانت واضحة.
‘المال…… لا بدّ من حلّ الأمر بالمال.’
كنتُ أفكّر في شراء كمّ هائل من الملابس للتخفيف من شعوري بالذنب، حين شعرتُ بنظرةٍ قلقة من جانبي.
“دوقة؟ هل هناك ما لم يرق لكِ……؟”
“آه، لا شيء. كل شيء يعجبني.”
“هذا جيد. إذًا، هل نرافقكِ إلى قسم الأزياء النسائية؟”
“في الواقع، أودّ اليوم إلقاء نظرةٍ على الأزياء الرجالية.”
“الأزياء الرجالية…… هل تفكّرين في هدية؟”
“نعم.”
أومأتُ برأسي، فازداد وجه السيدة جدّية. وسألتني بحذر.
“……دوقة، إن لم يكن في ذلك إزعاج، هل لي أن أسأل لمن ستكون الهدية؟”
“آه، ستكون لسموّ الدوق الأكبر. لذلك أودّ عنايةً خاصة.”
ما إن انتهى جوابي حتى لمع بريقٌ غريب في عيني السيدة. وسرعان ما أرسلت إشارات بيديها إلى الموظفين.
وبإيماءة صغيرة واحدة منها، بدأ الموظفون يتحرّكون بانضباطٍ تام.
التعليقات لهذا الفصل " 35"