توقّفت سوا في مكانها كأنّها تجمّدت. لدرجةٍ جعلتها تشكّ إن كانت تحلم، فالرجل أمام عينيها لم يكن سهل التصديق.
“سيادة المدّعي….”
بدت صورة سي-هيون التي دخلت مجال رؤيتها غريبةً عليها إلى حدٍّ كبير. أنفاسه، التي كانت تبدو دائمًا هادئة، كانت متسارعةً قليلًا، وفي عينيه تعلّقت مشاعر معقّدة.
“سيادة المدّعي… كيف… أتيتَ إلى هنا….”
ارتجف صوت سوا. كانت لا تزال تلهث من شدّة الركض، لكن مجرّد رؤيته جلب إليها طمأنينةً لا إراديّة. أطلق سي-هيون زفيرًا قصيرًا وقال بصوتٍ منخفض:
“أولًا… اركبي.”
لم تُبدِ سوا أيّ مقاومة لانقياده. بل لم يكن لديها سببٌ للمقاومة. لأنّها كانت تثق، على الأقل في هذه النقطة… بأنّه ليس شخصًا قد يؤذيها.
طوال الطريق، ساد الصمت داخل السيارة. لم يكن بينهما حديث، بل فراغٌ ثقيل ملأ المسافة بينهما.
وخلال الطريق، كان سي-هيون يلتفت بين الحين والآخر نحو المقعد المجاور ليتأكّد من حال سوا.
كانت سوا تلفّ كتفيها بمعطفه، تخفض رأسها، وجسدها يرتجف. رغم اقتراب الربيع، ظلّ هواء الليل قارسًا. ملابسها الخفيفة، قميصٌ واحد وبنطال، بدت غير كافية على نحوٍ مزعج.
رفع سي-هيون درجة التدفئة. لكنّ ما في داخله كان يغلي. غضبٌ يتصاعد من مكانٍ ما، مهما حاول كبحه، كان يضغط على صدره بلا رحمة.
انتشرت على قميص سوا الأبيض بقعُ غبارٍ داكنة هنا وهناك. دون أن يسأل، استطاع أن يتخيّل ما الذي جرى. كتم غضبه بصعوبة، وواصل القيادة حتى وجهته.
بعد مسافةٍ طويلة، توقّفت سيارة سي-هيون عند نهاية زقاقٍ نادر المرور. في ساعةٍ متأخّرة من الليل، وتحت مصباح شارعٍ مطفأ، ظهر منزلٌ صغير بهدوء.
ما إن توقّفت السيارة، حتى شبك سي-هيون ذراعيه ونظر إلى الأمام، بينما واصلت سوا الارتجاف بهدوء، رغم ارتدائها معطفه.
قطع سي-هيون الصمت الذي طال:
“أين كنتِ كلّ هذا الوقت؟”
أجابت سوا بحذر:
“في منزل زميلٍ لي من الجامعة. أقمتُ هناك لفترةٍ قصيرة.”
“تشا سوا.”
عند النداء القصير، ارتعشت كتفا سوا.
“أظنّني قلتُ لكِ سابقًا. لا أحبّ أن أطرح السؤال مرّتين.”
كان صوته منخفضًا، لكنّه حاسم.
“هذه آخر مرّة. لا تكذبي عليّ أمامي. وإن أردتِ الكذب، فافعليه بإتقان.”
كان لا يزال ينظر إلى الأمام، لكنّ سوا شعرت أنّ الكلمات كانت موجّهةً إليها مباشرة.
ظلت تضغط شفتيها وتتردّد طويلًا، ثم فتحت فمها أخيرًا.
“…كنتُ أقيم في معهد بيانو تملكه زميلةٌ لي من الجامعة. أنا أعمل هناك. لكن….”
لم يحتج سي-هيون لسماع المزيد. كان قد اطّلع على الوضع المالي لمؤسّسة لامير إلى حدٍّ كافٍ، ليتخيّل بسهولة ما الذي فعله زوج عمّتها أو ابنهما هناك.
“لكن لا تقلق. أنا… سأستقلّ قريبًا. أجمع بعض المال تدريجيًّا….”
“وبأيّ طريقة؟”
“…ماذا؟”
“من سيُبرم عقدًا مع شخصٍ ليس لديه بطاقة ائتمان؟ حتى غرفٌ صغيرة، التعامل النقدي فيها خطر. يكفي أن ينكر المالك بعد أن يأخذ المال. وخاصةً مع فتاةٍ صغيرة مثلك.”
احمرّ وجه سوا دفعةً واحدة. غمرها خجلٌ لم تستطع إخفاءه.
صحيح أنّ الأمر لم يكن ذنبها، لكنّ معرفة سي-هيون بكلّ تفاصيل وضعها جعلتها تشعر بالحرج الشديد.
ساد الصمت داخل السيارة مجدّدًا. ثم كان سي-هيون مرّةً أخرى من كسره.
“ابقَي هنا في الوقت الحالي.”
“…نعم؟”
نظر سي-هيون عبر نافذة السيارة من جهتها. اتبعت سوا نظره دون أن تفكّر، فرأت منزلًا صغيرًا من طابقٍ واحد.
كان بيتًا متواضعًا ومرتبًا. إلى درجةٍ جعلتها تتساءل إن كان يوجد بيتٌ كهذا فعلًا في قلب سيول.
عادت بنظرها إليه وسألته بحذر:
“ذلك… أين؟”
أجاب باقتضاب:
“منزلي.”
“نعم؟”
“منزلي.”
كرّر الكلمة دون أيّ شرحٍ إضافي. نظرت سوا مرّةً أخرى إلى الخارج، ثم سألته غير مصدّقة:
سواء اقتنعت أم لا، فكّ سي-هيون حزام الأمان ونزل من السيارة فورًا.
دار إلى جهة المقعد المجاور، فتح الباب، ونظر إلى سوا الشاردة.
“انزلي.”
***
ظلّ التوتّر واضحًا على وجه سوا. كان اقتراح سي-هيون مفاجئًا إلى حدّ الإرباك، لكن لم يكن لديها مجالٌ للرفض، ولا الوقت لذلك.
داخل منزله، كان الجوّ دافئًا على غير المتوقّع. على عكس صورته، أضاءت الإضاءة الدافئة المكان بلطف، وكان المنزل منظّمًا دون مبالغة، لا فوضويًّا ولا مثاليًّا، وذلك زاد شعورها بالغرابة.
جلست سوا على أريكةٍ بيج في وسط غرفة المعيشة. وبعد قليل، عاد سي-هيون يحمل كوبين، ووضع أحدهما على الطاولة.
“اشربي.”
“آه… نعم. شكرًا.”
حين أمسكت بالكوب الدافئ بكلتا يديها، بدأ التوتّر يتلاشى شيئًا فَشيئًا.
جلس سي-هيون قبالتها، وأخذ رشفةً من شرابه، ثم قال بهدوء:
“أخرجُ باكرًا وأعود ليلًا. غالبًا لن نلتقي.”
وأشار إلى الغرفة خلفها مضيفًا:
“استعملي تلك الغرفة. سأطلب الأثاث غدًا، وإن احتجتِ شيئًا آخر….”
أخرج بطاقةً من جيبه ووضعها على الطاولة.
“اطلبي بها. الرقم السرّي هو….”
“لـ، لحظة واحدة!”
قاطعت سوا كلامه على عجل. نظر إليها وهو يشبك ذراعيه، بنظرةٍ تسألها عن السبب.
فتحت فمها بتردّد:
“أنا ممتنّةٌ حقًّا، لكن… لا أستطيع القبول.”
“لماذا؟”
“صحيح أنّني طلبتُ مساعدتك في المطعم، لكن لم أكن أقصد هذا النوع من المساعدة. هذا… يسبّب لك إزعاجًا كبيرًا.”
كان صوتها واضحًا، لكنّ الارتجاف لم يفارقها.
خفض سي-هيون نظره قليلًا، ثم ابتسم ابتسامةً قصيرة ساخرة.
ذلك الضحك الخفيف، المشابه للسخرية، أثار في صدر سوا ألمًا غامضًا، كأنّ شيئًا يضغط قلبها.
رفع سي-هيون نظره إليها وقال:
“تشا سوا. ألم أقل لكِ قبل أربع سنوات؟ الكرامة تُستعمل فقط عندما يكون المرء قادرًا عليها.”
اهتزّت عيناها للحظة.
“هل تعتقدين أنّ رفض عرضي الآن سيفيدكِ؟”
شدّت سوا قبضتيها.
“مع ذلك، لا أستطيع جرّك إلى مشاكلي.”
ضيّق سي-هيون عينيه.
“أأنتِ شخصٌ آخر غير تلك التي أمسكت بثيابي في المطعم؟”
“في ذلك الوقت…!”
“لا تقولي إنّ الوضع مختلف. الآن، وضعكِ أصعب مِمّا كان عليه آنذاك.”
لم تستطع سوا الردّ. ارتجفت شفتيها، واحمرّت عيناها، وأخفضت نظرها وكأنّها على وشك البكاء.
تنفّس سي-هيون بعمقٍ وقال:
“الكرامة يمكن الاحتفاظ بها حين تستطيعين حماية نفسكِ. الآن، لا بأس أن تتلقّي المساعدة. ثمّ….”
توقّف لحظة، وحدّق في عينيها المحمرّتين.
“لا أتّخذ هذا القرار شفقةً أو لأنّني أراكِ مثيرةً للرثاء.
كما ترين، لستُ شخصًا طيّب القلب إلى هذا الحدّ.”
“إذًا… لماذا؟”
“دين.”
“نعم؟”
“على أيّ حال، أنا أيضًا كنتُ واحدًا مِمّن قرّروا إرسالَكِ إلى ذلك المنزل.”
نعم. إنّه مجرّد دين. دينٌ لأنّه أرسل فتاةً لا تريد، فقط لأنّه أكبر سنًّا، تحت حكمه الخاص.
كرّر سي-هيون ذلك في نفسه، مؤكدًا أنّه لا يحمل أيّ مشاعر شخصيّة.
نهض من مكانه ونظر إلى سوا بصمت.
“لذا، توقّفي عن العناد غير الضروري، وابقَي هنا إلى أن تتحسّن ظروفكِ. وتلكَ البطاقة، احمليها معكِ. العيش بالنقد فقط أمرٌ غير مريح.”
أنهى كلامه ودخل الغرفة الداخليّة بهدوء. وبعد قليل، عاد يحمل ملابس.
قميصًا أبيض وبنطالًا قطنيًّا.
قدّمها لها دون كلام.
“ارتدي هذه الليلة.”
“آه….”
أخذت سوا الملابس بحذر، لكنّ صوت كيسٍ بلاستيكيٍّ خفيف صدر من بينها.
وحين فتحتها، رأت حمالة صدر وسروالاً داخليًّا مغلّفين.
اتّسعت عيناها فجأة، واحمرّ وجهها على الفور.
لكنّ سي-هيون قال بهدوءٍ تام:
“أعيش وحدي، وليس لدي ملابس نسائيّة غير هذه.
والملابس الداخليّة اشتريتها قبل قليل من المتجر.
إن لم يكن المقاس مناسبًا….”
“لا، لا بأس!”
قاطعتْه سوا على عجل.
“إذًا، يوجد حمّامان. استخدمي أيّهما تشائين. واحد في غرفتي وواحد في غرفة المعيشة….”
“سأستخدم حمّام غرفة المعيشة!”
أجابت بسرعة، وضمّت الملابس إلى صدرها ودخلت الحمّام.
داخل الحمّام، غطّت وجهها المحمرّ بظهر يدها.
ما زال الأمر غير واقعيّ. أن تكون الآن داخل منزل سي-هيون، في حمّامه.
***
بعد أن أنهت سوا الاستحمام، خرجت إلى غرفة المعيشة.
كانت الملابس التي جهّزها لها كبيرةً كما توقّعت. غطّت أكمام القميص يديها، واضطرّت إلى شدّ خصر البنطال مرارًا لتتمكّن من المشي.
حين خرجت، رأت سي-هيون يحمل بطّانية ووسادة. بدا أنّه استحمّ أيضًا، وكان شعره لا يزال رطبًا، وملابسه مريحة.
“آه، سأفعل أنا ذلك!”
اقتربت بسرعة، لكنّه دون ردّ وضع الوسادة على الأريكة وفرش البطّانية.
“نامي هنا اليوم. سأجلب السرير غدًا.”
“…نعم. شكرًا.”
“أعطيني.”
“نعم؟”
أشار إلى الملابس التي كانت تحملها.
“آه، سأرتّبها.”
“ألم أقل إنّي لا أحبّ تكرار الكلام؟”
عندها، أغلقت سوا شفتيها وقدّمت له الملابس، وقد أخفت الملابس الداخليّة في المنتصف بإحكام.
أخذها دون كلمة.
لكنّه لاحظ بقعةً حمراء على أحد الجوانب. تقلّصت ملامحه فورًا.
التعليقات لهذا الفصل " 9"