4 - هكذا إذن… هذا مؤسف.
الفصل 4 : هكذا إذن… هذا مؤسف.
تقدّم سي-هيون إلى أمام سوا، وجثا على ركبةٍ واحدة، وخفّض نظره ليواجهها.
“تشا سوا.”
ناداها بصوتٍ منخفضٍ وصلب.
“بصفتي شخصًا عاش أكثر منكِ بعشر سنوات، أقول لكِ إنّه يجب أن تذهبي الآن.”
عند تلك الكلمات، رفعت سوا رأسها ببطء بعدما كانت تُخفي وجهها بين ركبتيها.
دخل سي-هيون مجال رؤيتها بتعبيرٍ جاد.
قالت سوا، بعينين احمرّتا وكأنّ الدموع ستفيض من جديد:
“…ومع ذلك، لا أحبّ بيت عمّتي. ألا يمكنني البقاء هنا فقط؟”
سألتْ بتوسّل.
لكنّ إجابة سي-هيون كانت حاسمة.
“لا. وبالأخصّ ليس بمفردكِ.”
لو كانت بالغة، لربّما اختلف جوابه قليلًا.
لكنّها ما زالت قاصرًا.
وفي مثل هذا الوضع، كانت بحاجةٍ إلى حماية.
حتّى وإن كانت تلك الحماية من “عائلةٍ غير مريحة”.
امتلأت عينا سوا بالدموع مجدّدًا عند إجابته.
وانهمرت الدموع متدحرجةً على خدّيها.
مدّ سي-هيون يده بصمتٍ نحو وجهها.
ومسح دموعها بلطفٍ بأطراف أصابعه.
لم ينطق بكلمات مواساة.
‘سيخرج والدكِ قريبًا.’
‘تحمّلي قليلًا وسيصبح كلّ شيءٍ بخير.’
تلك الكلمات.
لم يتفوّه بتلك العبارات الجوفاء.
لم يُرِد أن يلقي كلامًا سهلًا وهو غير قادرٍ على حمل عبئها بدلًا عنها.
لذلك، اكتفى فقط بمسح الدموع المنهمرة على وجهها بحذر.
كان ذلك أقصى ما يستطيع تقديمه من عزاء.
***
داخل مجمّع الشقق السكني الخاص بعمّة سوا، تشا إن-جو.
توقّفت سيارة سي-هيون أمام إحدى البنايات.
كانت سوا، الجالسة في المقعد الأمامي، تحدّق بصمتٍ عبر النافذة.
استقرّت يداها بحذرٍ فوق ركبتيها، ولم تنطق بكلمةٍ حتّى بعد توقّف السيارة تمامًا.
وبفضل اتّصالٍ مسبق من سي-هيون، كانت السيدة تشا تقف عند مدخل المبنى بانتظارهم.
ما إن نزل سي-هيون من السيارة، حتّى تبعته سوا بخطواتٍ متثاقلة ونزلت أيضًا.
وعندما لمحت السيدة تشا سوا وسي-هيون، أسرعت نحوهما بخطواتٍ قصيرة.
“سيدي المدّعي العام. شكرًا جزيلًا لإحضارها بنفسك.”
“لا داعي.”
أجاب سي-هيون بإيجاز.
انحنت السيدة تشا برأسها بابتسامةٍ ودودة.
ثمّ أمسكت بسرعةٍ بمعصم سوا وجذبتها إلى جانبها.
ازدادت ملامح سوا قتامةً وهي تقف إلى جوارها.
ربتت السيدة تشا على سوا قائلة:
“سوا. أسرعي وقولي شكرًا.”
رفعت سوا رأسها بحذرٍ عند إشارة السيدة تشا.
“…شكرًا لك.”
كان صوتها أقرب إلى الهمس.
ولا يزال أثر البكاء عالقًا في حلقها.
قد يكون مجرّد وهم، لكن بدا لسي-هيون أنّ نظرتها تقول:
‘ابقَ معي.’
غير أنّ ذلك النظر اختفى سريعًا من مجال رؤيته.
“إذًا، إلى اللقاء. اعتنِ بنفسك يا سيدي المدّعي العام~”
أدارت السيدة تشا جسدها وهي تمسك بيد سوا.
ابتعد ظهر سوا شيئًا فَشيئًا، لكنّ سي-هيون ظلّ واقفًا دون أن يخطو خطوةً واحدة.
لم يصرف نظره حتّى اختفت داخل المبنى.
ظلّ يحدّق في أثرها إلى أن أُغلق الباب واختفت تمامًا.
كان ذلك أوّل لقاءٍ بين سوا وسي-هيون، لقاءً ترك تموّجًا في يوم كلٍّ منهما.
***
عندما رأى سي-هيون تعبير الدهشة على وجه سوا، أدرك أنّها تذكّرته.
“يبدو أنّكِ تذكّرتِ الآن.”
قال ذلك وهو يزرّر قميصه ببطء، ويعدّل ربطة عنقه.
“كنتُ أتمنّى أن تكوني بخير، لكن من المؤسف أن أراكِ هكذا. تشا سوا.”
كان صوته محايدًا.
لا شفقة فيه، ولا دفء.
مجرّد تأكيدٍ على حقيقةٍ عابرة.
“إذًا، سأدخل أنا أولًا.”
استدار بخطواتٍ هادئة.
وفي تلك اللحظة، أمسكت سوا بطرف سترته.
لماذا فعلت ذلك؟
هل لأنّه تعرّف عليها؟
أم لأنّها كانت تتشبّث بآخر قشّة؟
كانت سوا قد اعتقدت، حتّى خروجها من المطعم، أنّ أيّ مقاومةٍ إضافية لا معنى لها، وأنّ كلّ شيءٍ قد انتهى.
لكنّ سي-هيون ظهر فجأةً أمامها.
فنهض في قلبها أملٌ ظنّت أنّها تخلّت عنه.
قبضت سوا على طرف سترته، كما فعلت قبل أربع سنوات، وتكلّمت بصعوبة:
“أنا… سيدي المدّعي العام…!”
لم تعرف كيف تناديه، فاستخدمت اللقب الوحيد الذي خطر ببالها.
توقّف سي-هيون عند لمسة أصابعها، واستدار لينظر إليها.
كانت نظرته جافّة.
وتيبّس جسد سوا من جديد أمامها.
لكنّها لم تستسلم.
فمثل هذا الجفاء كانت معتادةً عليه.
“هل يمكن أن… تساعدني قليلًا؟”
تحرّك حاجبا سي-هيون حركةً بالكاد تُرى.
ارتعشت سوا عند ذلك، لكنّها تابعت:
“أنا… لا أريد هذا الزواج. كما سمعتَ، ليس برغبتي. لذلك… ألا يمكنك مساعدتي، ولو مؤقّتًا؟”
نظر إليها سي-هيون للحظة.
ثمّ قال بهدوء:
“هذا صعب.”
“ماذا؟”
انهارت ملامح سوا للحظة أمام ذلك الرفض القاطع الخالي من أيّ تردّد.
ومع ذلك، واصل سي-هيون دون أن يتغيّر تعبيره:
“أليس بيننا بُعدٌ كبير يجعل تدخّلي في شؤون عائلتكِ غير مناسب؟”
ارتجف قلب سوا عند كلماته التي رسمت خطًّا فاصلًا بينهما.
“ثمّ إنّي لا أهتمّ بشؤون الآخرين. وخاصةً شؤونهم العائلية. إن كنتِ تكرهين الزواج إلى هذا الحدّ، فَلِمَ لا تقولين ذلك بنفسكِ؟”
عضّت سوا على شفتها السفلى بقوّة.
لماذا شعرت بأنّ قلبها ينهوي هكذا؟
هل كانت تتوقّع منه، ولو قليلًا، أن يصغي إليها؟
بالنسبة له، لا بدّ أنّها لم تكن سوى شخصٍ مرّ عابرًا.
راودها خاطرٌ أنّها ربما كانت وقحة.
لكن لم يبقَ لديها كرامةٌ ولا كبرياء لتخسره.
بل كان الجلوس مجدّدًا داخل ذلك المطعم كدميةٍ صامتة أكثر إذلالًا.
“إذًا… لن نكون غرباء بعد الآن؟”
“ماذا؟”
شدّت سوا قبضتها أكثر على طرف سترته.
“إن كان كلامك صحيحًا، فإذا لم نعد غرباء….”
لكن قبل أن تُكمل، خرجت من فمه زفرةٌ ساخرة.
“ها.”
رفعت سوا رأسها عند صوته، فإذا به يقبض فجأةً على ذقنها ويجبرها على النظر إليه.
اتّسعت عيناها من شدّة قربه المفاجئ.
“كيف؟”
“ماذا؟”
“ماذا ستفعلين معي، وكيف ستقتربين منّي؟”
اخترقت نظرته عينيها وكأنّها تُرهبها.
“جرّبي الآن. اجعليْنا لا نكون غريبين. أيّ شيء.”
في تلك اللحظة، خطر في ذهن سوا أوضح طريقٍ لئلّا يكونا غريبين فورًا.
لكن… هل يجوز ذلك؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ومدّت يدها الأخرى لتُمسك سترته أيضًا.
انعقد حاجبه قليلًا، وكأنّه يراقب إلى أيّ حدٍّ ستصل.
لم تمتلك الشجاعة.
لكنّها أغمضت عينيها بإحكام، واقتربت خطوةً أخرى.
توتر الهواء بينهما.
وفي تلك اللحظة، ترك سي-هيون ذقنها.
ثمّ نزع يدها عن سترته بحزم.
عضّت سوا على شفتيها بقوّة.
‘كما توقّعت… لم يكن هذا صحيحًا.’
وقفت في مكانها شاردة، شاعرةً أنّها لم تفعل سوى إزعاجه.
لم تستطع الكلام، خشية أن ينفجر بكاؤها.
في تلك اللحظة، اقترب صوت خطواتٍ مسرعة.
ثمّ دوّى صوتٌ حادّ:
“تشا سوا!”
استدارت سوا بدهشة نحو مصدر الصوت.
كانت السيدة تشا تقترب منها بوجهٍ غاضب.
“ماذا تفعلين هنا أصلًا؟ ألا تعلمين أنّ السيّد يانغ ينتظر؟”
أمسكت السيدة تشا بمعصم سوا النحيل بقسوة، وجذبتها بعيدًا.
انساقت سوا بلا مقاومة تحت قبضتها الخشنة.
وأثناء جرّها، نظرت سوا إلى سي-هيون بنظرة استغاثة.
امتزج في وجهها اليأس بالشفقة.
كانت تلك محاولتها الأخيرة.
ورآها سي-هيون.
لكنّه لم يستجب.
ظلّ واقفًا، يشاهدها حتّى اختفت خلف الزاوية.
عندما غابت سوا، تشقّق وجه سي-هيون الهادئ للحظة.
لم يكن راضيًا.
كان قلبه، الذي قسا كالصخر بعد تعامله مع قضاياٍ وبشرٍ لا يُحصَون، يظنّ أنّه تخلّى منذ زمنٍ بعيد عن العاطفة، والشفقة، والحبّ.
كان مبدؤه ألّا ينطق بكلامٍ لا يستطيع تحمّل مسؤوليته، ولا يقوم بأفعالٍ لا يمكنه تحمّل تبعاتها.
ومع ذلك…
لماذا ظلّ وجه سوا، الذي اختفى خلف الجدار منذ لحظات، يتداخل في ذهنه مع وجهها الصغير قبل أربع سنوات، وهي تُسحب بيد عمّتها؟
طفلةٌ لا حاجة للتفكير بها.
ولا سبب لذلك.
Chapters
Comments
- 5 - بطيشًا منذ ساعتين
- 4 - هكذا إذن… هذا مؤسف. منذ ساعتين
- 3 - هل أنتَ بلطجيّ؟ منذ ساعتين
- 2 - ألا تعرفينني؟ منذ ساعتين
- 1 - المرأة التي تُباع منذ ساعتين
التعليقات لهذا الفصل " 4"