لو سمع أحدهم عمر سي-هيون، لظنّه شابًا حديث العهد مليئًا بالحماسة. لكن في ذلك الوقت، كان قد أمضى بالفعل ستّ سنواتٍ كاملة في سلك النيابة.
تخرّج مبكّرًا من الثانوية والجامعة. اجتاز امتحان القضاء وهو في العشرين من عمره، وبعد إنهاء خدمته العسكرية عُيّن مدّعيًّا عامًّا مباشرةً.
وليس هذا فحسب، فبفضل وسامته اللافتة وخلفيّته المميّزة، كان يُعدّ داخل النيابة شخصيّة نادرة، كـ اليونيكورن.
وعلى عكس الضجيج والصراخ الحادّ الذي كان يعصف داخل القصر، كان يقف أمام البوّابة الرئيسيّة للقصر، متّكئًا بهدوء على سيارته المركونة.
كان يرتدي قميصًا أبيض بأكمامٍ مطويّة، يدخّن سيجارةً بهدوء. ومع الأكمام المطويّة، ظهر جزءٌ من الوشم الممتدّ من كتفه قليلًا.
ترك الجدال الآليّ للمأمورين، وخرج إلى الخارج متظاهرًا باحترام إصرار تشا هيونغ-غون على “عدم القيام بأيّ شيء إلى أن يصل المحامي”، ليأخذ نفسًا قصيرًا.
حتى لو اقتادوه بالقوّة، فلن يكون في ذلك إشكالٌ قانونيّ. لكنّه لم يشأ استخدام العنف. كلّ ما أراده هو أن يهدّئ تعبه بسيجارةٍ واحدة، وهو يستنشق بعض الهواء.
عندها تحديدًا، اخترق صوته الهادئ صوتٌ حادٌّ فجأة.
“هل أنتَ بلطجيّ؟”
كلمةٌ لاذعة مرّت بين دخان السيجارة. أدار سي-هيون رأسه. وبجانبه، دون أن يشعر متى اقتربت، كانت تقف طالبة ثانويّة ترتدي زيّها المدرسيّ بعناية.
كانت تلك الفتاة هي تشا سوا ذات التسعة عشر عامًا.
على عكس سوا في الثالثة والعشرين، كانت سوا في ذلك الوقت جريئةً لا تعرف الخوف. كانت تُحدّق في سي-هيون بنظرةٍ مليئةٍ بالحذر.
“هل تتحدّثين عنّي؟”
سألها سي-هيون. فأجابت دون أن ترمش.
“طبعًا، غيرك يا عمّ، هل يوجد أحدٌ آخر هنا؟”
“آه… صحيح.”
لا نبرة صوتها ولا نظرتها تحمل أيّ تردّد. وبأسلوبها الواضح والحاسم، أفلتت من سي-هيون ضحكةٌ قصيرة دون وعيّ.
ومع اقترابها خطوةً واحدة، أخرج من جيبه منفضةً صغيرة وسحق ما تبقّى من السيجارة وأطفأها.
عاد نظره ليستقرّ على سوا. وما إن لامسها نظره، حتى ارتعش كتفاها لحظةً. شدّت بقوّةٍ أكبر على حزام حقيبتها.
رفع سي-هيون زاوية فمه بابتسامةٍ خفيفة عند ردّ فعلها.
‘تتظاهر بالقوّة، لكنّها في النهاية مجرّد طفلة.’
تنفّس بخفّة، وتقدّم نحوها. ثم انحنى قليلًا ليقابل نظرها مباشرةً.
“إذًا ما الذي تفعله؟ التصرّف هكذا مثل البلطجيّة غير قانونيّ!”
“بلطجيّ؟ من؟ أنا؟”
“نعم!”
قالتها بثقة.
ثم أمالت رأسها، ومسحت بنظرها ذراعه وعنقه. وتوقّفت عيناها عند الوشم الظاهر أسفل كمّ قميصه، وعند الوشم الذي بدا على كتفه حيث كانت أزرار القميص مفتوحة بلا ربطة عنق.
تبع سي-هيون نظرتها، وكتم ضحكةً قصيرة. ثم فتح زرًّا آخر من قميصه دون كلام، كاشفًا عن الوشم أكثر.
“بسبب هذا، ربّما؟”
“…الجميع لديهم واحدٌ على الأقل.”
تردّدت قليلًا، ثم أجابت وهي تنظر إليه. ابتسم سي-هيون بخفّة وكأنّه لا يصدّق.
“لم أظنّ يومًا أنّني سأُتَّهم بأنّني بلطجيّ…”
اتّجه إلى مقعد السائق، تناول سترته المعلّقة على إطار النافذة، وأخرج منها حافظة بطاقات. سحب بطاقةً واحدة وقدّمها لها.
“لستُ بلطجيًّا، بل مدّعٍ عامّ. يون-سي-هيون. هل صدّقتِ الآن؟”
تناولت سوا البطاقة بحذر، وضيّقت عينيها وهي تتفحّصها.
ثم أمسكت فجأةً بكمّ قميصه بيدٍ مرتعشة.
نظر سي-هيون إلى سوا المتشبّثة بذراعه.
“إذًا… عمّي، أنتَ فعلًا مدّعٍ عامّ؟”
“نعم. صحيح.”
“إذًا، هل يمكنك أن تساعد أبي؟ أبي بريء فعلًا!”
نظرت إليه بعينين دامعتين، ترجوه. كانت الدموع تملأ عينيها المرتجفتين، وكلتا يديها تقبضان على ذراعه بإحكام. كان يأسها ينتقل إليه دون حاجةٍ للكلام.
مشهدٌ اعتاده، ومع ذلك، التوى شيءٌ في داخله.
عائلات المتّهمين. الزوجات، الأبناء، الآباء الذين يتوسّلون بالدموع. مرّ بذلك مرّاتٍ لا تُحصى. وكان دائمًا باردًا.
لأنّه عمل.
كان يؤمن بوجوب إقصاء المشاعر عند الحكم. ولهذا، لُقّب غير مرّة بأنّه “بلا دم ولا دموع”.
وتساءل يومًا: هل في ذلك خطأ؟
لكن، وهي تتعلّق به هكذا الآن، شعر وكأنّه يرتكب فعلًا لا ينبغي له. رغم أنّهما لم يتبادلا سوى بضع كلمات.
في تلك اللحظة، خرج المدير تشا من البوّابة مكبّلًا بالأصفاد، يقتاده المأمورون إلى الخارج.
“أبي!”
ما إن تعرّفت سوا إلى والدها حتى اندفعت نحوه دون تردّد. أوقفها المأمورون، فبدأت تتخبّط بينهم.
التعليقات لهذا الفصل " 3"