3 - هل أنتَ بلطجيّ؟
الفصل 3 : هل أنتَ بلطجيّ؟
لو سمع أحدهم عمر سي-هيون، لظنّه شابًا حديث العهد مليئًا بالحماسة. لكن في ذلك الوقت، كان قد أمضى بالفعل ستّ سنواتٍ كاملة في سلك النيابة.
تخرّج مبكّرًا من الثانوية والجامعة. اجتاز امتحان القضاء وهو في العشرين من عمره، وبعد إنهاء خدمته العسكرية عُيّن مدّعيًّا عامًّا مباشرةً.
وليس هذا فحسب، فبفضل وسامته اللافتة وخلفيّته المميّزة، كان يُعدّ داخل النيابة شخصيّة نادرة، كـ اليونيكورن.
وعلى عكس الضجيج والصراخ الحادّ الذي كان يعصف داخل القصر، كان يقف أمام البوّابة الرئيسيّة للقصر، متّكئًا بهدوء على سيارته المركونة.
كان يرتدي قميصًا أبيض بأكمامٍ مطويّة، يدخّن سيجارةً بهدوء. ومع الأكمام المطويّة، ظهر جزءٌ من الوشم الممتدّ من كتفه قليلًا.
ترك الجدال الآليّ للمأمورين، وخرج إلى الخارج متظاهرًا باحترام إصرار تشا هيونغ-غون على “عدم القيام بأيّ شيء إلى أن يصل المحامي”، ليأخذ نفسًا قصيرًا.
حتى لو اقتادوه بالقوّة، فلن يكون في ذلك إشكالٌ قانونيّ. لكنّه لم يشأ استخدام العنف. كلّ ما أراده هو أن يهدّئ تعبه بسيجارةٍ واحدة، وهو يستنشق بعض الهواء.
عندها تحديدًا، اخترق صوته الهادئ صوتٌ حادٌّ فجأة.
“هل أنتَ بلطجيّ؟”
كلمةٌ لاذعة مرّت بين دخان السيجارة. أدار سي-هيون رأسه. وبجانبه، دون أن يشعر متى اقتربت، كانت تقف طالبة ثانويّة ترتدي زيّها المدرسيّ بعناية.
كانت تلك الفتاة هي تشا سوا ذات التسعة عشر عامًا.
على عكس سوا في الثالثة والعشرين، كانت سوا في ذلك الوقت جريئةً لا تعرف الخوف. كانت تُحدّق في سي-هيون بنظرةٍ مليئةٍ بالحذر.
“هل تتحدّثين عنّي؟”
سألها سي-هيون. فأجابت دون أن ترمش.
“طبعًا، غيرك يا عمّ، هل يوجد أحدٌ آخر هنا؟”
“آه… صحيح.”
لا نبرة صوتها ولا نظرتها تحمل أيّ تردّد. وبأسلوبها الواضح والحاسم، أفلتت من سي-هيون ضحكةٌ قصيرة دون وعيّ.
ومع اقترابها خطوةً واحدة، أخرج من جيبه منفضةً صغيرة وسحق ما تبقّى من السيجارة وأطفأها.
عاد نظره ليستقرّ على سوا. وما إن لامسها نظره، حتى ارتعش كتفاها لحظةً. شدّت بقوّةٍ أكبر على حزام حقيبتها.
رفع سي-هيون زاوية فمه بابتسامةٍ خفيفة عند ردّ فعلها.
‘تتظاهر بالقوّة، لكنّها في النهاية مجرّد طفلة.’
تنفّس بخفّة، وتقدّم نحوها. ثم انحنى قليلًا ليقابل نظرها مباشرةً.
“أنتِ تشا سوا، أليس كذلك؟ ابنة تشا هيونغ-غون.”
“نعم. وماذا في ذلك؟”
ما زالت تنظر إليه بتحدٍّ.
“لكن لماذا تنظرين إليّ هكذا؟ ماذا فعلتُ لكِ؟ آه… أم أنّني فعلتُ شيئًا فعلًا؟”
وبينما كان يتمتم لنفسه، اندفعت سوا فجأةً نحوه.
“أبي ليس غنيًّا! أبي لم يستخدم المال، حقًّا!”
تفاجأ سي-هيون من اندفاعها وتراجع خطوةً إلى الخلف.
“هل أبدو لكِ كمن جاء ليأخذ المال؟”
“إذًا ما الذي تفعله؟ التصرّف هكذا مثل البلطجيّة غير قانونيّ!”
“بلطجيّ؟ من؟ أنا؟”
“نعم!”
قالتها بثقة.
ثم أمالت رأسها، ومسحت بنظرها ذراعه وعنقه. وتوقّفت عيناها عند الوشم الظاهر أسفل كمّ قميصه، وعند الوشم الذي بدا على كتفه حيث كانت أزرار القميص مفتوحة بلا ربطة عنق.
تبع سي-هيون نظرتها، وكتم ضحكةً قصيرة. ثم فتح زرًّا آخر من قميصه دون كلام، كاشفًا عن الوشم أكثر.
“بسبب هذا، ربّما؟”
“…الجميع لديهم واحدٌ على الأقل.”
تردّدت قليلًا، ثم أجابت وهي تنظر إليه. ابتسم سي-هيون بخفّة وكأنّه لا يصدّق.
“لم أظنّ يومًا أنّني سأُتَّهم بأنّني بلطجيّ…”
اتّجه إلى مقعد السائق، تناول سترته المعلّقة على إطار النافذة، وأخرج منها حافظة بطاقات. سحب بطاقةً واحدة وقدّمها لها.
“لستُ بلطجيًّا، بل مدّعٍ عامّ. يون-سي-هيون. هل صدّقتِ الآن؟”
تناولت سوا البطاقة بحذر، وضيّقت عينيها وهي تتفحّصها.
ثم أمسكت فجأةً بكمّ قميصه بيدٍ مرتعشة.
نظر سي-هيون إلى سوا المتشبّثة بذراعه.
“إذًا… عمّي، أنتَ فعلًا مدّعٍ عامّ؟”
“نعم. صحيح.”
“إذًا، هل يمكنك أن تساعد أبي؟ أبي بريء فعلًا!”
نظرت إليه بعينين دامعتين، ترجوه. كانت الدموع تملأ عينيها المرتجفتين، وكلتا يديها تقبضان على ذراعه بإحكام. كان يأسها ينتقل إليه دون حاجةٍ للكلام.
مشهدٌ اعتاده، ومع ذلك، التوى شيءٌ في داخله.
عائلات المتّهمين. الزوجات، الأبناء، الآباء الذين يتوسّلون بالدموع. مرّ بذلك مرّاتٍ لا تُحصى. وكان دائمًا باردًا.
لأنّه عمل.
كان يؤمن بوجوب إقصاء المشاعر عند الحكم. ولهذا، لُقّب غير مرّة بأنّه “بلا دم ولا دموع”.
وتساءل يومًا: هل في ذلك خطأ؟
لكن، وهي تتعلّق به هكذا الآن، شعر وكأنّه يرتكب فعلًا لا ينبغي له. رغم أنّهما لم يتبادلا سوى بضع كلمات.
في تلك اللحظة، خرج المدير تشا من البوّابة مكبّلًا بالأصفاد، يقتاده المأمورون إلى الخارج.
“أبي!”
ما إن تعرّفت سوا إلى والدها حتى اندفعت نحوه دون تردّد. أوقفها المأمورون، فبدأت تتخبّط بينهم.
“أبي! أبي!”
امتلأت عينا المدير تشا بالدموع، لكنّه شدّ على أسنانه وكبت مشاعره.
“سوا! اذهبي إلى بيت عمّتكِ! بيت عمّتكِ! حسنًا؟ سأخرج قريبًا!”
“لا! لا تذهب! أبي!”
مسحت دموعها مرارًا، لكنّها لم تتوقّف. وحين حاول المأمورون إدخاله إلى السيارة، أمسكت سوا بأطراف ملابسهم تتوسّل.
وبينما كانوا متردّدين، نادى المدير تشا على سي-هيون.
“سيدي المدّعي!”
تنفّس سي-هيون بضيق، وتقدّم نحوه. أخرج المدير تشا ورقةً صغيرة من جيبه وقدّمها له.
“إنّها ابنتي… رجاءً، أوصلها إلى هذا المكان فقط. وجودها في البيت خطر…”
فهم سي-هيون المقصود. لولا أمر التفتيش، لكان أولئك البلطجيّة الذين يتربّصون خارج البيت قد قتلوه ضربًا. لا بدّ أنّهم مرسَلون من المستثمرين الخاسرين.
نظر سي-هيون إلى سوا. كانت ما تزال متعلّقة بذراع أحد المأمورين وتبكي.
ألقى عليها نظرةً سريعة، ثم أخذ الورقة.
بعدها تقدّم نحو سوا، وأحاط كتفيها بخفّةٍ في لحظةٍ واحدة، واستدار بها، وسحبها إلى صدره.
“اتركني! دعني! أبي!”
صرخت وهي تتخبّط، لكنّ ذراعي سي-هيون كانتا صلبتين. لم تستطع الإفلات.
“أدخلوه بسرعة.”
قالها بصوتٍ منخفض. فلم يتردّد المأمورون أكثر. أدخلوه إلى السيارة، وهو يصرخ حتى آخر لحظة.
“سوا! والدك بخير حقًّا! سأخرج قريبًا! لا تقلقي!”
أُغلِق باب السيارة وانطلقت. وحين اختفى والدها عن ناظريها، خفّت مقاومة سوا تدريجيًّا. خفّف سي-هيون قبضته ببطء.
لكنّها ظلّت بين ذراعيه. كان كتفاها الصغيران يهتزّان. دفنت وجهها بين يديها، وأسندت جبينها إلى صدره، تبكي.
“هاه…”
خرج زفيرٌ ثقيل من صدر سي-هيون. تنفّسٌ مثقل، كأنّ شيئًا ضغط في داخله. شعر وكأنّه التقى شخصًا لا ينبغي له أن يلتقيه.
أطبق شفتيه، ونظر بهدوء إلى أعلى رأسها. ولم يقل شيئًا. ولم يفعل شيئًا.
أمام بوّابة قصر المدير تشا.
جلس الاثنان على درجات السلم، وبينهما مسافةٌ بسيطة. كانت سوا تضمّ ركبتيها وتدفن وجهها فيهما، صامتة.
كان سي-هيون يجلس يفتح ولاعةً ويغلقها مرارًا. اشتاق إلى سيجارة، لكنّه لم يشعل واحدةً قربها.
مرّ الوقت، واحمرّ الأفق شيئًا فَشيئًا.
وسط الصمت، انساب صوت سي-هيون الهادئ.
“يا صغيرة. حان وقت الذهاب.”
ثم أضاف موجّهًا حديثه إلى سوا التي لم تجبه.
“قد يكون الأمر سهلًا عليكِ لأنّكِ طالبة، لكن إن لم أعمل، فذلك يُعدّ إهمالًا وظيفيًّا. هكذا حال الموظّفين الحكوميّين.”
فأجابت سوا دون أن ترفع رأسها.
“…إلى أين أذهب؟ هذا بيتي.”
كان صوتها جافًّا قليلًا من كثرة البكاء. تنفّس سي-هيون بخفّة، وألقى نظرةً على ساعته.
وحين رأى أنّه انتظر بما فيه الكفاية، نهض من مكانه بصمت.
Chapters
Comments
- 5 - بطيشًا منذ 4 ساعات
- 4 - هكذا إذن… هذا مؤسف. منذ 4 ساعات
- 3 - هل أنتَ بلطجيّ؟ منذ 4 ساعات
- 2 - ألا تعرفينني؟ منذ 4 ساعات
- 1 - المرأة التي تُباع منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 3"