2 - ألا تعرفينني؟
الفصل 2 : ألا تعرفينني؟
ما إن التقت عينا تشا بالسيد يون سي-هيون حتى عجزت عن مواصلة الكلام. ذلك لأنّ نظراته الحادّة سدّت فمها تمامًا. لم يقل شيئًا. كان يحدّق بها بهدوءٍ تام من خلف الطاولة فحسب.
بمجرّد نظرته الباردة، ابتلعت تشا ريقها الجافّ دون وعيّ. ولم تكن وحدها، فبارك المدير والسيد يانغ، الجالسان معها على الطاولة نفسها، تصلّبت أجسادهم في اللحظة ذاتها. كانوا رجالًا مثلَه، لكنهم شعروا غريزيًّا أنّهم ليسوا ندًّا له.
حاول المدير بارك والسيد يانغ تجنّب نظرته، فتظاهرا بالهدوء وأدارا رأسيهما قليلًا. أمسكا بالكؤوس، أو حدّقا في سطح الطاولة، مُشتّتين أنظارهما عبثًا.
لم يكن جي-هون أقلّ دهشة من غيره إزاء تصرّف سي-هيون المفاجئ. تجمّد في مكانه، ثم ناداه بحذر:
“سـ… سيدي المدّعي…؟”
يون سي-هيون، كما يعرفه جي-هون، رجل لا يُظهر أمواج مشاعره للعلن بسهولة. ولا يفعل ذلك إلا داخل غرفة التحقيق، حين يواجه “وحشًا يرتدي جلد إنسان”.
حينها فقط تظهر تلك النظرة الباردة، الممتلئة بالازدراء. وكان سي-هيون الآن يحمل النظرة ذاتها.
وعلى عكس قلق جي-هون الذي كان يحرّك عينيه خشية ما قد يحدث، تحرّك سي-هيون بهدوء وهو يقول جملةً قصيرة:
“سأذهب إلى الحمّام قليلًا.”
لمّا اتّجه نحو المخرج واختفى تمامًا عن أنظار من في المطعم، عندها فقط رفع السيد يانغ رأسه بحذر.
وسرعان ما انقبض وجهه بعدم ارتياح. كان الانزعاج واضحًا في ملامحه. فكونه قد انكمش أمام شابٍّ أصغر منه بكثير، جرح كبرياءه الضيّق.
“لكن… الآنسة سوا. أليس هذا تصرّفًا غير لائق؟”
قالها متظاهرًا باللامبالاة، لكن نبرة صوته حملت عصبيّة خفيّة.
“مضى وقتٌ طويل منذ ذهبت إلى الحمّام.”
كان ضيقه مكبوتًا في الكلمات. طريقة جبانة لإفراغ الإحباط الذي شعر به أمام شخصٍ لا يقدر على مواجهته، بإلقائه على الأضعف.
“آه، أ-أوه! معك حق!”
بادرت تشا بالردّ سريعًا. نهضت فجأة من مكانها، غير قادرة على إخفاء ارتباكها. شدّت زاوية فمها بابتسامةٍ قسريّة، وهي تراقب تعابير السيد يانغ، ثم قالت:
“سأذهب وأُحضرها فورًا!”
ثم غادرت المكان على عجل.
حين خرج سي-هيون من المطعم، لامس وجهه هواءٌ بارد. لم يكن دافئًا بما يكفي ليُسمّى ربيعًا، ولا قارسًا بما يكفي ليُسمّى شتاءً. ريحٌ مبهمةٌ تهبّ من أطراف الشتاء الأخيرة.
كان الطقس يستدعي معطفًا، لكن حرارة الغضب التي كانت تتصاعد في صدره منذ داخل المطعم جعلته، وهو يرتدي سترةً فقط، لا يشعر بالبرد أصلًا.
زفر زفيرًا قصيرًا، ثم فرك صدغه بخشونة. أدخل يده في جيب سترته الداخلي وأخرج علبة سجائر.
طَق—
فتح العلبة، وأمسك بسيجارة بين شفتيه. وبينما كانت السيجارة عالقة في فمه، اتّجه بخطواتٍ بطيئة نحو خلف المبنى.
وقبل أن ينعطف عند الزاوية، وصل إلى أذنه صوت تقيّؤٍ منخفض وجافّ.
“أووه…!”
صوتٌ قيءٍ مكتوم يمزّق الهواء الجافّ. وعندما انعطف سي-هيون حول الزاوية، وقعت عيناه على سوا، متكوّرةٌ قرب الحائط، تسنده بيدها وكأنها على وشك الانهيار.
كانت ترتدي سترةً وتنورة خفيفتين. وفي هذا الفصل الذي لم يحلّ فيه الربيع بعد، كانت تمسك الجدار البارد بيدين متجمّدتين. أطراف أصابعها احمرّت، وجسدها كان يرتجف بلا توقّف.
ارتفع وانخفض حلقها مرارًا. لم يخرج شيءٌ فعليًّا، لكنها كانت تتقيّأ هواءً، تكرّر التشنّج مرّةً بعد أخرى. جسدها الصغير كان يهتزّ باستمرار.
لم يُبدِ سي-هيون دهشة. اكتفى بالنظر إليها بصمت. ولا تزال السيجارة بين شفتيه.
بعد فترة من التقيّؤ الجافّ، بدأت سوا تلهث. وبصعوبة، رفعت جسدها المرتجف. مسحت اللعاب والدموع المتجمّعة عند فمها بظاهر يدها بخشونة.
وفي تلك اللحظة—
“أأربّتُ على ظهركِ؟”
اهتزّ كتفاها عند سماع صوت رجلٍ غريب. استدارت بسرعة، فرأت رجلًا يقف وهو يضع سيجارةً بين شفتيه.
ملامحٌ كأنّها منحوتة. وتعبيرٌ لا يُقرأ فيه أيّ شعور.
“…آه.”
ارتجفت شفتا سوا، وانفلت منها مقطعٌ واحد امتزج فيه الذهول والارتباك والحيرة. إنه الرجل الذي كان يجلس على الطاولة المجاورة داخل المطعم.
كانت سوا تعرف بوجود سي-هيون. لا يمكن ألا تعرف. وليس فقط بسبب وسامته أو بنيته اللافتة.
بينما كانت تُستَخدم كطبقٍ جانبيّ في أحاديثهم السوقيّة، أبقت نظرها منخفضًا معظم الوقت، لكنها كلّما رفعت رأسها، التقت عيناها بعينيه. كان ينظر إليها بوضوح، بنظرةٍ قويّة.
لم تكن نظرةً وقحة ولا فاضحة. ومع ذلك، كانت تشدّها. وكأنّ عينيها تُسحبان إليه.
لا بدّ أنّه أدرك. أدرك نوع تلك الجلسة، وأدرك الوضع الذي كانت هي فيه.
وفي اللحظة التي خطرت فيها هذه الفكرة، ارتفعت يد سوا بحذر إلى صدرها. ضغطت على ثوبها كما لو أنّها تحاول تثبيت نفسها.
‘ترى… ماذا كان يفكّر وهو ينظر إليّ؟ هل رآني امرأةً حمقاء؟ أم امرأةً مبتذلة تحاول الزواج من رجل في عمر والدها؟’
تلاحقت الأفكار، فانخفض رأسها أكثر. احمرّ وجهها بحرقة. ومع تدفّق الخزي، لم تعد قادرةً على البقاء في مكانها.
تحرّكت سوا بصمت، متجاوزةً الرجل الذي كان يقف بلا تعبير، والسيجارة في فمه. لكنها لم تمشِ سوى بضع خطوات، حتى سمعت صوتًا منخفضًا خلفها:
“يا صغيرة.”
توقّفت فجأة. ثم استدارت بحذر.
كان ينظر إليها بالوجه ذاته الذي لا يُقرأ. غير أنّه بدا غير راغب في التدخين بعد الآن، إذ سحب السيجارة من فمه وأعادها إلى العلبة.
ثم بدأت ساقاه الطويلتان تتّجهان نحوها.
مع اقترابه، أخذت سوا نفسًا لا إراديًّا. شدّت أطراف قدميها داخل الكعب الرفيع، وتيبّست كتفاها.
لم يقم سي-هيون بأيّ تصرّفٍ تهديدي. كان يمشي فقط. لكن مع ذلك، انتشر منه توتّر وضغط خفيّان.
توقّف أمامها. رفعت سوا رأسها بحذر تحت نظرته التي تطلّعت إليها من علٍ.
عن قرب، لم يكن من الممكن وصف ملامحه بالجميلة. بل كانت حادّة حدّ الإيلام.
وخاصةً عيناه. ما إن التقت بهما، حتى عجزت عن صرف نظرها. لم يكن انجذابًا، بل إحساسًا بالانجراف.
وبينما ظلت عاجزةً عن إبعاد عينيها عنه، فتح فمه أولًا:
“ألا تعرفينني؟”
صوته المنخفض والثقيل تسلّل كأنّه يهتزّ قرب أذنها.
“نعم…؟”
ارتجفت عيناها قليلًا عند السؤال القصير. لكنها سرعان ما هدأت.
لم يكن ممكنًا أن تعرف رجلًا كهذا. على مدى أربع سنوات، لم تُتح لها حتى فرصة لقاء الناس. كانت تقضي أيامها بين معهد البيانو والدروس الخصوصيّة، ثم تعود لتسقط نومًا في غرفتها الضيّقة. لم يكن في حياتها متّسعٌ للعلاقات أو اللقاءات.
هزّت رأسها نفيًا وقالت:
“لا بدّ أنّك أخطأت. لم أرك من قبل…”
وقبل أن تُكمل، قطع سي-هيون كلامها بصوتٍ هادئ:
“لا.”
اتّسعت عينا سوا. لكن قبل أن تستوعب، أخرج سي-هيون منديلًا من جيبه، ومسح به برفق طرف عينيها المحتقنتين من التقيّؤ.
ثم انزلق المنديل ببطء إلى فمها، يمسح أثر أحمر الشفاه الذي لطّخته حين مسحت فمها بيدها.
رغم أنّ رجلًا غريبًا يلمس وجهها دون إذن، لم تستطع سوا دفع يده تحت وطأة هيبته. وحين ابتعد إبهامه عن شفتيها، عاد صوته المنخفض إلى أذنها:
“تشا سوا… ابنة تشا هيونغ-غون… أليس كذلك؟”
تجمّد وجهها عند سماع اسمها واسم والدها. ولاحظ سي-هيون التغيّر، فانفرجت شفتاه عن ابتسامةٍ خفيفة.
“هذا وجه شخصٍ يتساءل: كيف يعرفني؟ إذن…”
تراجع خطوة. أعاد المنديل إلى جيبه، ورفع يده إلى ربطة عنقه. أرخاها ببطء، ثم فكّ أزرار قميصه العليا واحدًا تلو الآخر، وأزاح الياقة للخلف.
وفي تلك اللحظة، ظهر جزء من وشمٍ على كتفه، خطوط حمراء وسوداء متداخلة.
“وهكذا؟ هل تتذكّرين؟”
تجمّد بصر سوا على الوشم. وعندها فقط، بدأت خيوط الذكريات المتشابكة تنفكّ.
كانت قد رأته من قبل. منذ زمنٍ بعيد.
وجهٌ لا يُنسى، لكن ظروفها آنذاك لم تسمح لها بحفظ ملامح أحد.
ذلك اليوم… كان اليوم الذي ألقى بأثقل ظلٍّ على حياتها.
اليوم الذي أُغلق فيه زرّ الشقاء الأوّل.
***
منذ نحو أربع سنوات.
قصرٌ فخم تحيط به حديقة. كانت الكاميليا الحمراء والماغنوليا البيضاء تتلألأ تحت أشعّة الشمس، معلنةً ذروة الربيع.
لكن داخل المنزل، وعلى عكس المشهد الجميل، دوّت أصوات رجال غاضبة.
“هذه وثائق ليست ذات صلة!”
“السيد تشا هيونغ-غون! لا تُخفِ المستندات. اتركها مكانها!”
كان هذا منزل مؤسّس ومدير مؤسسة لامير الفنيّة آنذاك، تشا هيونغ-غون. مكانٌ كان هادئًا، تملؤه أحيانًا أنغام بيانو ابنته الوحيدة، انقلب رأسًا على عقب فور صدور أمر التفتيش والمصادرة.
وكان أمر التوقيف قد صدر بالفعل.
كان تشا هيونغ-غون يتجادل مع موظّفي النيابة. والشخص الذي حضر بنفسه حاملاً الأمر…
كان المدّعي الجنائي يون سي-هيون، في التاسعة والعشرين من عمره.
Chapters
Comments
- 5 - بطيشًا منذ 4 ساعات
- 4 - هكذا إذن… هذا مؤسف. منذ 4 ساعات
- 3 - هل أنتَ بلطجيّ؟ منذ 4 ساعات
- 2 - ألا تعرفينني؟ منذ 4 ساعات
- 1 - المرأة التي تُباع منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"