1 - المرأة التي تُباع
الفصل 1 : المرأة التي تُباع
داخل أحد مطاعم سيول.
كان الموظفون، وهم يرتدون زيًّا أنيقًا ومرتّبًا، يتنقّلون بحذر بين الطاولات. كان صوت موسيقى كلاسيكية هادئة تنساب في أرجاء المكان، صانعًا أجواءً يتعايش فيها الوقار والراحة بتناغمٍ دقيق.
لكن تلك الأجواء المتوازنة كانت تُخدَش بطاقةٍ نشاز تتصاعد من جهة المقاعد القريبة من النافذة.
رجلٌ يجلس قرب النافذة، يُدعى يون سي-هيون، كان يحدّق في مكانٍ واحد بوجهٍ لا يبدو عليه الرضا.
طَق، طَق، طَق.
كانت أصابعه الغليظة تنقر على الطاولة بإيقاعٍ منتظم.
قد يبدو الأمر عادةً عابرة، لكن في تلك الحركة تسلّل انزعاجٌ ثقيل لا يُعرف سببه.
وأمام سي-هيون، كان يجلس المحقّق أو-جي-هون.
نظر جي-هون إلى ملامح سي-هيون بحذر، ثم وضع كوب الماء الذي كان يشرب منه برفق وسأله:
“أممم… سعادة المدّعي، هل الطعام لا يروق لك؟ هل نغيّر المكان؟”
“لا.”
أجاب سي-هيون دون أن يحوّل نظره، محرّكًا شفتيه فقط. أربكت إجابته جي-هون.
فهو يعرف أنّ سي-هيون ليس مِمّن يتفوّهون بكلامٍ مجامل، ولذلك لم يكن يعلم ما الذي يثير أعصابه إلى هذا الحد.
كان جي-هون هو من جرّ سي-هيون بالقوّة تقريبًا وأخرجه من عمله إلى هذا المطعم. إذ إنّ سي-هيون، المنغمس في العمل دائمًا، كان يهمل وجباته باستمرار، وخشي جي-هون أن يقع مكروه إن لم يُطعمه شيئًا.
لذلك ظنّ في البداية أنّ انزعاجه سببه خروجه على مضض. لكن حين دخل سي-هيون المطعم، وجلس في مكانه، وشرب الماء، واختار من القائمة، لم يظهر على وجهه تغيّر يُذكر.
إلا أنّ الظلّ الذي خيّم على ملامحه، والحدّة التي تسلّلت إلى نظرته، ظهرتا في لحظةٍ ما دون سابق إنذار.
راقب جي-هون تعابير سي-هيون بحذر، ثم أدار نظره حوله. وفي تلك اللحظة، انتبه إلى أنّ نظر شي-هيون كان مثبتًا بإحكام على مكانٍ واحد.
كان سي-هيون متكئًا بمرفقه على الطاولة، يسند ذقنه إلى قبضة يده. كانت عيناه موجّهتين إلى طاولةٍ جانبية، وقد استقرّ فيهما بردٌ غريب. هناك، كان يجلس أربعة أشخاص.
رجلٌ في منتصف العمر، وأمامه زوجان في منتصف العمر أيضًا، وإلى جانبهما امرأةٌ شابّة بملامح غضة، تبدو في أوائل العشرينات.
كانت تجلس منكمشة الكتفين، وكأنّها تحاول أن تصغّر وجودها قدر الإمكان. ومن دوّن وعيّ، أصغى جي-هون إلى حديث الطاولة المجاورة، متتبعًا نظرات سي-هيون.
“سوا خاصّتنا صغيرةٌ في السن، لكنها تجيد كلّ شيء.
الطهي، أعمال المنزل، أيّ شيء.”
قالت امرأةٌ في منتصف العمر، يغطّي وجهها مكياجٌ كثيف يكاد يكون مفرطًا، وهي تطوّق كتفي الشابّة بذراعيها وترسم ابتسامةً مبالغًا فيها.
“لسنا والديها، لكننا ربّيناها بإخلاصٍ حقيقي.”
وافقها الرجل الجالس بجانبها بهزّ رأسه.
“وتجيد صنع كلّ أنواع الطعام، الكوري والغربي على حدّ سواء. أليس كذلك يا سوا؟”
كان صوت المرأة ناعمًا، لكن في أطراف أصابعها ضغطٌ قاسٍ يفرض الإجابة. كانت أظافرها المطلية بالأحمر القاني تغوص بعمق في ذراع الشابّة، سوا. ارتجفت سوا وأسقطت نظرها نحو الأرض.
كان الرجل الجالس قبالتها يرمقها بنظرةٍ بطيئة ولزجة. وبضغطٍ من المرأة، حرّكت سوا شفتيها المرتجفتين. خرج صوتها مبحوحًا، وكأنّه مُنتزعٌ بالقوّة.
“نعم… أنا… أجيد معظم أعمال المنزل…”
عندها، قاطعها الرجل الجالس أمامها فجأة:
“ليس هذا ما أقصده.”
رفع حاجبه ومال أحد طرفي فمه. ثم أضاف، متعمّدًا إبطاء كلماته:
“أمورٌ أخرى… هل تجيدينها؟”
انزلقت عيناه من وجه سوا ببطء، ثم توقّفتا بوقاحة عند صدرها الملاصق لحافة الطاولة.
شعرت سوا بتلك النظرة غريزيًّا. شحُب وجهها في لحظة، وشدّت يديها فوق ركبتيها حتى ابيضّت مفاصلها. كان جسدها يحترق خجلًا، فيما قلبها يبرد كالجليد.
“أوه… آه، يبدو أنّ للسيد يانغ ما يهمّه أكثر. هاهاها.”
ضحكت المرأة الجالسة بجانب سوا، وقد احمرّ وجهها تظاهرًا. كانت تلك المرأة هي عمّة سوا، تشا-إن-جو. أما الرجل الضخم بجانبها فكان بارك-سونغ-تشول، مدير مؤسسة لامير الفنيّة، زوج عمّتها.
“لا أدري إن كان يحقّ لي قول هذا.”
قالت تشا، رافعة زاوية فمها، وكأنّها تكشف سرًّا عظيمًا، ثم مالت نحو السيد يانغ وخفّضت صوتها عمدًا، لكنها قالت بوضوحٍ متعمّد:
“سوا خاصّتنا… لم تلتقِ رجلًا من قبل قط.”
ارتفعت زاوية فم السيد يانغ ببطء، بابتسامةٍ قاتمة. وعلى النقيض، تجمّد نظر سي-هيون وهو يراقب المشهد، وازداد برودًا وحدة.
وفي تلك الأثناء، تمتم جي-هون في داخله وهو يراقب الموقف وردّة فعل سي-هيون:
‘ما هذا…؟ هل المدّعي يعرف هؤلاء الناس؟’
أعاد جي-هون نظره إلى الطاولة المجاورة. من الخارج، بدت كأنّها جلسة تعارف رسمي. لكن شيئًا ما كان خاطئًا. بدت الفتاة وكأنّها بالكاد تخرّجت من الجامعة.
أما الرجل الجالس أمامها، فكان يبدو في عمر والديها تقريبًا. طوال الوجبة، ظلّ الزوجان في منتصف العمر يبتسمان ويتملّقان الرجل، بينما بقيت ملامح الشابّة متجمّدة بلا تعبير.
تنفّس جي-هون زفيرًا مثقلًا وفكّر:
‘نعم… أيّ شخصٍ سيرى هذا المشهد سيشعر بالاشمئزاز.’
كان زواجًا أشبه بالبيع والشراء.
وفي تلك الأثناء، استمرّ الحديث على الطاولة المجاورة. حاول السيد يانغ كبح ابتسامته بعد كلام تشا، متظاهرًا بالهدوء.
“حسنًا، هذا ليس سيّئًا بالضرورة.”
فضحك المدير بارك موافقًا:
“بالطبع. وكما تعلم، المرأة تعتمد على الرجل الذي تكون معه، أليس كذلك؟”
وفي اللحظة نفسها، امتدّت يد بارك ببطء نحو كتف سوا. وقبل أن تلامس أصابعه كتفها… قفزت سوا واقفة فجأة.
توقّفت يد بارك في الهواء، وتيبّس الجوّ حول الطاولة. مرّ الذهول سريعًا على وجهي تشا وبارك، ثم تحوّل إلى برودٍ حاد. توجّه نظرهما الحاد مباشرةً نحوها.
“سوا.”
نادت تشا باسمها بصوتٍ منخفض وضاغط. لم يكن نداءً عاديًّا. بل كان يحمل ثقل: ‘هل تعلمين ما الذي تفعلينه الآن؟’
ابتلعت سوا أنفاسها المرتجفة بصعوبة. كانت ساقاها ترتجفان، ونظرتها تهتزّ بيأس. ومع ذلك، فتحت فمها بصعوبة:
“أعتذر… لكن… سأذهب إلى الحمّام قليلًا.”
أومأ السيد يانغ برأسه، رافعًا زاوية فمه. ولوّح بيده بتراخٍ، وكأنّه يمنح فضلًا عظيمًا.
“تفضّلي. على راحتك.”
ما إن انتهى من كلامه حتى استدارت سوا مسرعة وغادرت المكان. خطت بخطى سريعة نحو خارج المطعم، كأنّها تهرب من هواءٍ خانق.
راقبت تشا ظهرها بوجهٍ جامد، ثم قطّبت حاجبيها بضيق، قبل أن تلتفت إلى السيد يانغ بابتسامةٍ مصطنعة.
“أعتذر. كان يجب أن نربّيها أفضل… يبدو أنّها لا تزال تفتقد ليد الوالدين.”
“لا بأس. ما زالت صغيرة. بعد الزواج، سأهتمّ بتعليمها.”
ضمت تشا يديها بإعجابٍ مبالغ فيه.
“يا له من قلبٍ واسع.”
“لكنني لا أعلم إن كانت سوا ستعجب بي. فهذا زواجها الأوّل، وأنا هذا زواجي الثالث، ولديّ ابنان بالغان.”
قال السيد يانغ مبتسمًا بحرج، فتدخّل بارك ملوّحًا بيده:
“لا تقل هذا. في هذه الأيام، هل فارق العمر مهم؟
ثم إنّك السيد يانغ، يجب أن تشكر السماء إن قبلتك أصلًا.”
ضحك السيد يانغ، فضحك بارك وتشـا معه.
“حسنًا، إن كان جانب المدير بارك موافقًا، فأنا أيضًا لا مانع لديّ. آه، وبخصوص حفل الزفاف…”
ترك السيد يانغ كلامه معلّقًا، فرفعت تشا زجاجة الشراب وسكبت له برفق:
“أيُّ حفل زفاف؟ يكفي أنّنا تناولنا الطعام اليوم.
أخبرنا فقط بالموعد، وسنُجهّز سوا ونرسلها فورًا.”
كان كلامها سوقيًّا، كأنّها تعقد صفقة تبادل، لكن السيد يانغ أومأ برضا.
“كما توقّعت، عائلةٌ تربويّة، يسهل التفاهم معها.”
تبادلت الكؤوس الخفيفة تصادمًا، وضحكاتهم كانت مريحة… وجشعة في آنٍ واحد.
وفي خضمّ ذلك، تبادل بارك وتشـا نظرةً سريعة. ثم فتح بارك فمه بحذر:
“آه… لكن بخصوص هذا الدعم… هل يمكن أن نعرف كيف سيكون؟”
بعد أن أنهى السيد يانغ كأسه، ابتسم بثقة:
“في اللحظة التي تدخل فيها سوا بيتنا، سيقوم مساعدي بتسليم أوراق الدعم والمبلغ.”
“آه! نعم، نعم…!”
انحنى بارك تلقائيًّا. وأضافت تشا بسرعة:
“نحن لا نحتاج لتحضير شيء. قل لنا فقط متى.”
“أودّ ذلك، لكن الغرفة لم تُجهّز بعد.”
“أوه، أيّ غرفة؟ لتنام معه في السرير نفسه.”
صرير—!
بلغ الحديث ذروته، حين دوّى فجأة صوتٌ خشن من الجوار. لم يكن صوت كأسٍ أو طبقٍ مكسور، بل صوت كرسيّ يُدفَع بقوّة على الأرض.
“يا إلهي! ما هذا؟ من يتصرّف بهذه الوقاحة؟!”
عبست تشا والتفتت نحو مصدر الصوت. وفي تلك اللحظة، التقت عيناها بسي-هيون، الذي كان قد نهض واقفًا بجانب الطاولة المجاورة.
كان سي-هيون يقف بوجهٍ هادئ، يحدّق فيهم. لكن نظرته كانت حادّة، باردة، ومسلولة كالنصل.
Chapters
Comments
- 5 - بطيشًا منذ 4 ساعات
- 4 - هكذا إذن… هذا مؤسف. منذ 4 ساعات
- 3 - هل أنتَ بلطجيّ؟ منذ 4 ساعات
- 2 - ألا تعرفينني؟ منذ 4 ساعات
- 1 - المرأة التي تُباع منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"