1
## 1
… مع هاغنتي؟
جمعتْ ساشا دفترَها وقلمَها اللذينِ لا يفارقانِها كأنهما جزءٌ من جسدِها، وتبعتِ الخادمَ عبرَ الرواقِ المظلمِ. كان المكانُ الذي قادَها إليهِ مفاجئاً؛ إذ كان عيادةَ الملحقِ السكنيِّ المخصصِ للخدمِ فقط.
فاحتْ رائحةُ الكحولِ في أرجاءِ العيادةِ الصغيرةِ. وفي الزاويةِ حيثُ تترنحُ ظلالُ الشموعِ، وقفَ طبيبُ القصرِ وحارسُهُ بوجوهٍ تعلوها ملامحُ الجديةِ والقلقِ حولَ أحدِ الأسرّةِ. كان هناك شخصٌ يجلسُ فوقَ الفراشِ يقيناً، لكنَّ ظهرَ الطبيبِ كان يحجبهُ عنِ الرؤيةِ.
“…….”
غلى في صدرِها قلقٌ لا تدركُ سببَه. قبضتْ ساشا على طرفِ شالِها بقوةٍ دون وعيٍ، وبينما هي كذلك، مدَّ الخادمُ نحوها لفافةً من القماشِ الأبيضِ.
“يبدو أنَّ هذا الشيءَ قد سقطَ فوقَ رأسِ سيادةِ الدوقِ الأكبرِ واصطدمَ بهِ.”
ما إنْ حلَّ القماشَ حتى ظهرتْ قطعةُ كريستالٍ ضخمةٍ من تلكَ التي تزينُ الثرياتِ. كانت الدماءُ تلطخُ جزءاً مكسوراً منها.
يا إلهي، إذن هذا هو الأمرُ الطارئُ الذي……
«مَا حَالُه؟ هَلْ إصَابَتُهُ بَلِيغَة؟»
“كلا، الجروحُ الخارجيةُ ليستْ كبيرةً جداً. ولكنَّ المشكلةَ هي……”
في تلك اللحظةِ… ‘طَنْ!’
ارتطمتْ ملعقةٌ فضيةٌ بالأرضِ الحجريةِ ثم ارتدتْ لتصدمَ بالجدارِ. تحركَ الطبيبُ المذعورُ مفسحاً الطريقَ، فظهرتْ هيئةُ رجلٍ يغمره ضوءُ الشموعِ الأصفرُ الخافتُ.
باستثناءِ أثرِ الدماءِ الجافةِ فوقَ جبهتِهِ، بدا هاغنتي سليماً تماماً من الناحيةِ الجسديةِ.
ولكن…… لدهشتِها، كان يزفرُ بضيقٍ وحدةٍ.
أجل، كان يزمجرُ كالطفلِ الغاضبِ. ذلكَ الرجلُ الجليديُّ، الذي يشبهُ الآلةَ الصماءَ.
حاولَ الطبيبُ تقريبَ ملعقةٍ فضيةٍ أخرى تحملُ مسكناً للألمِ من فمِ هاغنتي، لكنَّ الأخيرَ انكمشَ على نفسِهِ كالسُّلحفاةِ وأدخلَ رأسَهُ بين كتفيهِ، ثم صرخَ بحدةٍ وهو يتفادى الملعقةَ.
“أبعدْها! لا أريد!”
“سيادةَ الدوقِ الأكبر، يجبُ أنْ تتناولَ الدواءَ.”
“قلتُ لا أريد! لن آكلَه!”
ها.. هاغنتي……؟
استيقظتْ ساشا من صدمتِها العميقةِ واقتربتْ منهُ ببطءٍ. لمحهُا هاغنتي فضاقتْ عيناهُ، ثم نفخَ وجنتيهِ بالهواءِ كالسنجابِ.
وبدأ ينطقُ بكلماتٍ متلعثمةٍ وبنبرةٍ طفوليةٍ جادةٍ.
“إنْ لم يكنْ بطعمِ الفراولةِ.. فلن آكلَه.”
### 1. زوجٌ في السابعة
تصاعدتْ في أعماقِ ساشا صرخاتٌ مكتومةٌ.
سكبتْ عيناها الرماديتانِ الغارقتانِ في الرعبِ دموعاً حارةً مرةً أخرى. شعرتْ بألمٍ يشبهُ وخزَ الإبرِ في ساقيها، وكأنَّ شعيراتها الدمويةَ قد تمزقتْ.
حاولتْ بكلِّ قوتها أنْ تصمدَ في مكانِها، لكنَّ قوةَ الرجلِ كانتْ أكبرَ من أنْ تغالبَها فتاةٌ في مقتبلِ العمرِ.
“هاها! انظروا، إنَّها تبكي مجدداً!”
تعالتْ ضحكاتٌ متنافرةٌ من المحيطينَ بساشا عندَ الخزائنِ المعدنيةِ. كانوا جميعاً يرتدونُ الزيَّ المدرسيَّ نفسَه، إلا زيَّ ساشا الذي تلطخَ بقاذوراتٍ مجهولةٍ فاحتْ منها رائحةٌ كريهةٌ.
أكاديميةُ سانت لويتشل. مدرسةٌ عريقةٌ مرموقةٌ، لا يدخلُها إلا الطلابُ ‘المختارونَ’ بناءً على نسبِهم أو ثرواتِهم.
لكنَّ قانونَ الغابِ والطبقيةَ موجودانِ في كلِّ مكانٍ.
الاسمُ. ألكساندرا إيفروا.
الميزةُ. يتيمةٌ، منبوذةٌ حتى من أقاربِها، وفتاةٌ تجلبُ النحسَ أينما حلَّت.
… وأيضاً، بكماء.
“آه! أنتِ!”
حاولَ أحدهمُ انتزاعَ أصابعِها المتشبثةِ ببابِ الخزانةِ، فنطحتْهُ ساشا برأسِها بكلِّ قوتِها. شعرَ الطالبُ بالإهانةِ فزمجرَ غاضباً، ثم دفعَ ساشا بقوةٍ داخلَ الخزانةِ الضيقةِ.
وفجأةً… ‘بَـم!’
أُغلقَ بابُ الخزانةِ، فغرقَ جسدُ ساشا الواقفُ بجمودٍ في ظلامٍ دامسٍ وضيقٍ.
سُمِعَ صوتُ القفلِ وهو يُغلقُ من الخارجِ.
“حاولي أنْ تكتبي طلباً للنجدةِ من هناك! اكتبي بقوةٍ لعلَّ صوتَ قلمِكِ يُسْمَع!”
كلا.. افتحوا لي.
أنا خائفة.. لا ترحلوا.
لا ترحلوا….
‘لا ترحلوا!’
صرختْ ساشا بصرخةٍ لا يسمعُها أحد، وضربتْ بابَ الخزانةِ بقبضتِها بجنونٍ. لكنَّ أصواتَ أقدامِ الطلابِ ابتعدتْ بسرعةٍ وكأنها تسخرُ منها.
متى بدأتْ هذه الذكرى الداميةُ تندمل؟
كلا، يبدو أنها لم تندملْ حتى لحظةِ لقائِها بهِ.
بعدَ سنواتٍ من التخرجِ من تلكَ الأكاديميةِ الجحيميةِ، وفي سنِّ الثانيةِ والعشرين، جلستْ ساشا إيفروا في غرفةِ الاستقبالِ كالمجرمةِ لتواجهَ حشوداً من الخُطابِ.
رغمَ أنها عُرفتْ بالبكمِ، إلا أنَّ لقبَها النبيلَ وجمالَها الأخاذَ جعلا منها جوهرةً نادرةً في سوقِ الزواجِ. لذا، لم يكن لدى هاغنتي سببٌ لعدمِ الرغبةِ فيها.
“تشرفتُ بلقائِك. أدعى هاغنتي.”
وكأنهُ في صفقةِ عملٍ، جلسَ أمامَها ببدلتِهِ السوداءَ الفاخرةِ، وبمجردِ جلوسِهِ قدَّمَ لها خاتماً من الألماسِ بعشرةِ قيراطاتٍ.
“لنتزوجْ، آنسة إيفروا.”
وهكذا، نجحَ في شراءِ عروسِهِ الجديدةِ.
—
“يدَّعي أنَّهُ في السابعةِ من عمرِه. يبدو أنَّهُ تعرضَ لصدمةٍ قويةٍ في رأسِهِ جعلتْ ذاكرتَهُ تعودُ إلى تلكَ المرحلةِ.”
يا إلهي.
ترنحتْ ساشا فاستندتْ إلى المكتبِ لتقفَ بجهدٍ. حاولَ الطبيبُ مساعدتَها لكنها رفضتْ برقيٍّ؛ فهي لم تصلْ لحدِّ الإغماءِ بعد.
لا يمكنُ تصديقُ الأمرِ. رغمَ أنَّ حالتَهُ كانتْ غريبةً جداً ليلةَ أمس، لكنْ أنْ يعودَ طفلاً في السابعةِ….
والأسوأُ من ذلك، أنها السابعة.
ليستِ السابعةَ عشرة، بل ‘السابعة’.
“سنبدأُ بالعلاجِ الدوائيِّ وننتظرُ تحسنَ حالتِه. وإذا لم ينجحِ الدواءُ، فقد نضطرُّ لاستخدامِ أساليبَ أكثرَ حِدَّة.”
تناهتْ أصواتُ الخدمِ وهم يبدأونَ يومَهم من النافذةِ المفتوحةِ قليلاً، فسارعَ الطبيبُ بخفضِ صوتِه. قلبتْ ساشا دفترَها لتُظهرَ لهُ ما كتبتْه.
«مَنْ يَعرفُ بِحَالَةِ هاغنتي الحَالِية فِي هَذَا القَصْر؟»
“أنا، وكبيرُ الخدمِ، وفارسُ الحرسِ لويس كارل الذي وجدهُ ملقىً على الأرضِ. آه، وسأخبرُ المساعدَ أيدن، فعليهِ تولِّي شؤونِ القصرِ مؤقتاً.”
«لَا يَجِبُ أَنْ يَعرفَ أَيُّ شَخصٍ آخَرَ بِهَذَا المَوْقِفِ باسْتِثْنَاءِ أيدن. أَرْجُو مِنْكَ الحِفاظَ عَلَى السِّر.»
“أمرُكِ يا سيدتي. هذا أمرٌ بديهي.”
هاغنتي رجلُ ثروةٍ من أصولٍ عاميةٍ، وكان لهُ أعداءٌ كثرٌ حتى قبلَ زواجهِ بها. إذا عُرفتْ حالتُهُ الحاليةُ، فستنهالُ عليهِ الهجماتُ الخارجيةُ بكلِّ تأكيد.
… هل عليَّ كتابةُ وثيقةِ تعهدٍ بالسريةِ ضماناً للأمر؟ ولكن كيفَ تُكتبُ هذه الوثائق؟
لا بدَّ أنَّ هاغنتي قد كتبَ الكثيرَ منها. لكنَّ ساشا، التي لم تتدخلْ قطُّ في شؤونِ القصر، لم تكن تعرفُ محتواها أو حتى كيفَ يبدو شكلُها.
«سأقومُ بتحذيرِ السيدِ لويس كارل بنفسي مرةً أخرى.»
بمجردِ أنْ أومأ الطبيبُ برأسِه، كسرَ هدوءَ المكانِ صوتُ طرقٍ مفاجئٍ على الباب.
بما أنَّ ساشا لا تستطيعُ الكلام، كانتْ تستخدمُ التصفيقَ أو الجرسَ للتواصل. صفقتْ مرتين، ففُتحَ البابُ وظهرَ بيل دانفر، كبيرُ الخدمِ.
كان بيل شاباً نسبياً مقارنةً بمكانتِه، يرتدي دائماً بدلةً رسميةً مثاليةً، ويُصففُ شعرهُ المشتعلَ بالشيبِ الخفيفِ بالزيتِ بعناية. هو أيضاً كان من الأشخاصِ الذين جلبهم هاغنتي.
في الواقع، لم يكن في هذا القصرِ خادمٌ واحدٌ لم يخترْهُ هاغنتي بنفسِه.
“سيدتي، ماذا نفعلُ بشأنِ موعدِ اليوم؟”
… موعد؟
قطبتْ ساشا حاجبيها، فأوضحَ لها.
“لديكِ موعدٌ مع المحامي بعدَ الظهرِ. يتعلَّقُ الأمرُ بـ ‘المشكلةِ’ القائمةِ بينكِ وبينَ السيدِ هاغنتي.”
كحالِ بقيةِ سكانِ هذا القصر، تجنَّبَ كبيرُ الخدمِ ذكرَ تلكَ الكلمةِ مباشرةً، ولم يستطعْ مواجهةَ نظراتِها. ورغمَ أنها اعتادتْ على هذا التجنب، إلا أنَّ ساشا شعرتْ اليومَ بغضبٍ غريب.
«قُلْ لَهُ أَلَّا يَأْتِيَ اليَوْمَ لِأَنَّ هُنَاكَ أَمراً طَارئاً.»
“سيدتي، هل تعنينَ بذلكَ أنَّ……”
«سيعودُ هاغنتي قريباً، وسنفصلُ أيضاً.»
كان صوتُ القلمِ وهو يتحركُ فوقَ الورقِ حاداً.
وبخطِّها غيرِ المنظمِ، وبختْ ساشا كبيرَ الخدمِ بهدوءٍ وسطَ الصمتِ.
«وفي المستقبل، أرجو ألا تسمّي هذا الانفصال “مشكلة” يا سيد دانفر. هذا يسمّى “حلاً”.»
—
رغمَ قولهِ إنهُ في السابعةِ، إلا أنَّ هاغنتي كان يختلفُ قليلاً عن الأطفالِ العاديينَ في سنِّه.
لم تتغيرْ شخصيتُهُ أو ذكاؤه لتصبحَ كطفلٍ، بل إنَّ ذاكرتَهُ ‘عادتْ’ إلى سنِّ السابعةِ؛ لذا كان أذكى من أقرانهِ وأكثرَ حزماً.
حسناً، إذا أردنا قولَ ذلكَ بلهجةٍ إيجابيةٍ. أما بلهجةٍ سلبيةٍ… فقد كان كثيرَ الحيلِ، وسريعَ الغضبِ.
وفوقَ كلِّ ذلك، كان يفتقرُ تماماً للاحترامِ.
“آه! هذا مؤلم!”
صداحُ صراخِهِ غيرِ المهذبِ كان يشبهُ زئيرَ أسدٍ شابٍ واجهَ عدواً في منتصفِ السهولِ.
وبينما كان هاغنتي يلوحُ بذراعيهِ، دفعَ بالخطأِ الطبيبَ الذي كان يطهرُ جرحَ جبهتِه.
ورغمَ أنهُ هو من دفعهُ، إلا أنهُ أصيبَ بالذهولِ وأصدرَ صوتاً مندهشاً حينَ رأى الطبيبُ يترنحُ من الألمِ. فبالنسبةِ لهُ وقد نما جسدُهُ بينَ ليلةٍ وضحاها، كان من الصعبِ عليهِ التحكمُ في قوتِه.
—
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 1"