ثبتُّ بصري على ركبتيّ وأخذتُ أعبث بأصابعي في توتّر.
تابع الكونت حديثه:
“أظنّ أنكِ تعلمين ما الذي أنوي قوله يا لينا. لا بدّ أنكِ ظللتِ تفكّرين فيه.”
‘بل أعلم تمامًا. ولذلك أكاد أموت من التوتر الآن.’
“وأرى أنني منحتكِ وقتًا كافيًا.”
ذلك الصوت اللطيف الذي اعتدتُه بدا اليوم مخيفًا على نحوٍ خاص.
فالناس اللطفاء حين يغضبون يكونون أشدّ رهبة.
بما أنّ الأمر قد انكشف على أي حال… إذن فالأفضل أن—
“لقد أخطأتُ!”
صرختُ أخيرًا باعترافي قبل أن يسبقني.
الهجوم خير وسيلة للدفاع!
ظننتُ أن إظهار الندم الصادق قد يمنحني الغفران.
أطرقتُ رأسي وانتظرتُ الرد.
لكن لم يأتِ شيء.
رفعتُ رأسي بحذر، فوجدته ينظر إليّ بملامح يغشاها شيءٌ من الاستغراب.
“أخطأتِ؟”
“نعم…”
إحداث ثقبٍ في حقل الأعشاب الذي تعتني به عائلة ريتشموند بعناية.
ثم عدم الإبلاغ عن الخطأ.
إن أخطأ مبتدئ فعليه أن يبلّغ، ليُتاح إصلاح الأمر.
هذا خطئي بلا شك.
“لن أكرّر ذلك أبدًا. أعتذر.”
“همم… وما الذي أخطأتِ فيه يا لينا؟”
“في كل شيء… أنا آسفة حقًا.”
“ممَّ تعتذرين؟”
“حسنًا…”
تجمّع العرق على جبيني.
لماذا تتحدّث معي كما لو كنتَ حبيبةً غاضبة؟
‘آسف.’
‘ممَّ أنت آسف؟’
‘عن كل شيء.’
‘ألا تعرف ممَّ تعتذر؟’
‘لا، أعني… لقد أخطأتُ أولًا.’
‘أتعترف بالخطأ وأنت لا تعرفه؟’
‘آسف.’
‘قلتُ ممَّ تعتذر؟’
يا له من كابوس حلقةٍ لا تنتهي!
مع أنه ليس حبيبي أصلًا!
‘مع ذلك… يبدو هذا الدور مناسبًا له على نحوٍ ما.’
هل هذه الفكرة وقاحة؟
لكن ملامحه رقيقة جدًا…
كأنّه شخص شيصابُ لو حطتَ عليهِ قطرةٌ من ماء.
وهو فعلًا في مكانةٍ يُخدَم فيها دائمًا…
“لينا.”
اخترق صوته أذنيّ فأفقتُ.
هل فقدتِ عقلكِ يا لينا؟
حتى وأنتِ تُوبَّخين تسرحين؟
أطرقتُ رأسي بسرعة واعترفت:
“آسفة. حين أعمل في القصر يجب أن أكون أكثر حذرًا. لكنني تصرّفت بطيش وتسببتُ بحادث.”
تصلّب طرف ابتسامته للحظة.
كانت أول مرة أراه هكذا منذ قدومي.
ازداد خوفي.
كأنني محكومٌ عليّ بالإعدام، بدأتُ أُفرغ اعترافي دفعةً واحدة:
“وكان ينبغي أن أبلّغ ماريان أو كبيرة الخادمات. لكنني خفتُ من التوبيخ وصمتُّ، ظننتُ أن أحدًا لن يكتشف الأمر. أعتذر حقًا.”
“…أتحاولين الآن الاعتراف بكل شيء؟”
“نعم. أخطأتُ حين أخفيتُ الحقيقة.”
كنتُ الخادمة التي فاوضها على الراتب بنفسه.
هل خيّبتُ أمله؟
شعرتُ كأن حرارة الغرفة انخفضت عشر درجات.
لم يكن ذلك وهمًا؛ فقد اقشعرّ جلدي فعلًا.
وزادت الغيوم في الخارج قتامة المكان.
طرق بأصابعه على مسند الكرسي وسأل:
“ولماذا تعترفين الآن بكل شيء؟”
“لأطلب الغفران.”
كان قلبي يخفق بعنف.
“ظننتُ أن ترك الأمر سيؤدي إلى خراب الحقل كله.”
“همم.”
“من الواضح كم تعتني عائلة ريتشموند بذلك الحقل. لم أستطع الوقوف مكتوفة اليدين. في الحقيقة كنتُ واثقة من نفسي… بل إن لقبي أيام الدراسة كان القاتلة.”
رَنَّ صوت خزفٍ يصطدم.
ارتجفت يد كبير الخدم قليلًا وهو يضع الإبريق فوق القماش المطرّز بزهر الزنبق.
تفادى نظري، وانبعث ضحكٌ خافت.
“هاه… القاتلة.”
التفتُّ إلى الكونت.
عيناه البنفسجيتان الجميلتان—
بلون عنبٍ ناضج تحت شمس الصيف—
بدتا اليوم مائلتين إلى الحمرة الداكنة.
كأن الضوء كلّه امتصّ منهما، فلم يبقَ سوى فراغ.
“ألهذا دخلتِ ريتشموند؟”
“عفوًا؟”
ابتسم ابتسامةً أعمق.
“ثقتكِ بنفسكِ عظيمة. ظننتِ أنكِ قادرة على حلّ كل شيء وحدكِ؟”
“لا، لم أقصد—”
“هل أقسمتِ أنكِ قادرة على معالجة مشكلة ريتشموند التي لم يستطع أحد حلّها؟”
مشكلة؟
أكان الفأر الذي يتجوّل في الحقل مشكلةً بهذه الجسامة؟
كان واضحًا أنه غير راضٍ عني.
‘لابد أن أسلوبي كان متعجرفًا.’
جئتُ لأُوبَّخ، ومع ذلك تباهيتُ بأنني أستطيع اصطياد الفئران.
سارعتُ بالتراجع:
“لا، لم أقصد ذلك. لستُ خبيرة.”
“لكنّكِ قلتِ هذا للتو.”
“أستطيع اصطياد الحشرات أفضل من غيري، لكن القضاء على كل فئران ذلك الحقل مستحيل…”
“…همم؟”
“لو وُضعت مصائد فربما، لكن لا توجد… آسفة، مجرد قولي هذا وقاحة. لن أتصرف دون أوامر بعد الآن. والثقب الذي أحدثته في الحقل…”
“لحظة يا لينا. عمّ تتحدثين؟”
“عن طلبي العفو عن خطئي—”
“وما خطؤكِ تحديدًا؟”
ها قد بدأت الحلقة اللانهائية فعلًا.
إنه غاضب حقًا.
كدتُ أبكي:
“أنا آسفة لأنني أحدثتُ فجوةً في حقل الأعشاب…”
“ماذا؟”
“سأعيد كل شيء كما كان. سأشتري أعشابًا جديدة من مالي الخاص، وأعتني بها يوميًا حتى تنمو، وأسقيها وأحميها من الآفات—”
“عمّ تتحدثين…”
رمشتُ بعينيّ.
“عن أنني أفسدتُ الحقل ولم أبلّغ…؟”
“همم؟”
“أليس هذا هو الموضوع؟”
هل ارتكبتُ خطأً آخر أيضًا؟
وبينما كنتُ أسترجع ذاكرتي—
“هاهاهاها!”
انفجر الكونت ضاحكًا فجأة.
ارتعشتُ من المفاجأة.
طال ضحكه حتى دمعت عيناه.
مسح طرف عينه وقال:
“لا، صحيح. نعم، كنا نتحدث عن ذلك.”
“…”
“وإلّا فعمّ كنا سنتحدث غير الحقل المخرّب؟ أنتِ محقّة.”
أطلق همهمةً خفيفة، وعقد ساقًا فوق أخرى بأناقة.
“إذن هذا ما يُسمّى باللعب بشخصٍ ما.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
الخادمة تحافظُ على الانضباطِ
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 18"