‘آه.’
أدركتُ أن تيار أفكاري قد انجرف مجددًا نحو الكونت، فهززتُ رأسي بعنف.
في الآونة الأخيرة صار هذا يحدث باستمرار.
بل بالأحرى، منذ تلك الليلة التي تمشّيتُ فيها معه تحت ضوء القمر.
‘تبا، لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا.’
أنا لا أُكنّ للكونت مشاعر حبّ عقلانية.
يبدو أن السبب الأكبر هو أنني حين تجسدتُ جسد لينا، صرتُ أشاركها ردود أفعالها الجسدية.
فما إن أرى وجه الكونت حتى يخفق قلبي بعنف، فأذوب أنا أيضًا في تلك العاطفة الرقيقة.
ثم إن الكونت لطيف إلى حدٍّ كبير، ما يدفعني إلى تخيّل أشياء لا طائل منها، كأن ينشأ بيننا تيار ورديّ من المشاعر.
‘كفى، كفى.’
إنها أفكار لا معنى لها على أي حال.
‘فلأُحسن أداء عملي فحسب.’
هززتُ رأسي بقوة لطرد تلك الهواجس المريبة.
“تيموثي، أما زلنا بعيدين عن الوصول…؟ همم؟”
ناديتُ تيموثي مجددًا، ثم تجمّدتُ في مكاني.
لقد كان يسير أمامي قبل لحظات، لكنه اختفى.
أين ذهب هذا الفتى؟
“تيموثي؟ تيموثي!”
صرختُ بأعلى صوتي، فتردّد صداه في حقل الأعشاب الواسع.
“يا إلهي، ماذا أفعل؟”
يبدو أنني فقدته بينما كنتُ سارحةً في أفكاري.
لا أعرف الطريق، وكان ينبغي أن أتبعه عن كثب.
لكنني انشغلتُ بالتفكير في الكونت فضاع مني.
في ذلك الموقف الحرج، كاد البكاء يخنقني.
“هل أنتظر هنا فحسب؟”
حين يدرك أنني لم أتبعه، سيعود أدراجه… أليس كذلك؟ سيعود، أليس كذلك؟
لكن بالنظر إلى طبيعته الجافة، ربما لا يجدر بي أن أتوقع الكثير.
“هاه…”
أطلقتُ تنهيدةً طويلة.
ماريان شددت عليّ أن أحضر الأعشاب حتمًا.
إن عدتُ بسلة فارغة، فكم ستنظر إليّ بازدراء!
“هذا لا يجوز.”
راتبي السنوي البالغ خمسة آلاف لم أحصل عليه مجانًا.
لقد تفاوضتُ عليه، وقد يرتفع أو ينخفض وفقًا لأدائي.
أشرقت عيناي بعزم.
“الأفضل أن أقطفها بنفسي.”
أليس هو من جاء بي إلى هنا لأحصدها بنفسي أصلًا؟
قد لا أميّز الريحان وعشب الليمون جيدًا، لكن النعناع أستطيع تمييزه.
يكفي أن آخذ شيئًا واحدًا بإتقان ليكون لديّ عذر.
بعزمٍ شديد أخذتُ أتفحّص المكان.
ولحسن الحظ، وجدتُ ما بدا أنه نعناع قريبًا مني.
جثوتُ قرب شجيرة صغيرة وقطفتُ ورقةً وشممتها.
“إنها رائحة معجون الأسنان!”
يبدو أنه نعناع فعلًا.
يا لحظي الجيد!
قهقهتُ بخفة وبدأتُ أملأ السلّة بنشاط.
كان العطر المنعش يدغدغ أنفي كلما قطفتُ ورقة.
وبينما كنتُ منهمكةً في ذلك—
سَسْت.
“همم؟”
شعرتُ بشيء يلامس كاحلي، فالتفتُّ.
لا شيء على التراب.
“هل توهّمتُ؟”
ربّتُّ على كاحلي وعدتُ للعمل.
لكن بعد قليل عاد الشعور المزعج.
التفتُّ بسرعة.
“…ما هذا؟”
لا شيء حقًا.
فلماذا أشعر بالحكّة؟
ضيّقتُ عينيّ أحدّق في الأرجاء.
لا شيء سوى الأعشاب المتمايلة.
“همم…”
تظاهرتُ باللامبالاة لأصطاد ما يختبئ.
وفي اللحظة التي قطفتُ فيها ورقةً بصوتٍ واضح—
ضربتُ الأرض بقبضتي فجأة.
كُووم!
“آه، آه…”
ألمٌ أشد مما توقعت.
خشيتُ أن يفلت، فضربتُ أولًا.
نفضتُ الرمل عن يدي وحدّقتُ بين الشجيرات.
كان هناك شيء.
حيوان قارض بحجم قبضة اليد تقريبًا.
“كيف يجرؤ فأرٌ على التسلل إلى حقل أعشاب الكونت الطيب الكريم؟”
من يرى هذا الحقل يدرك مدى أهميته لديه.
الأوراق كلها خضراء نضرة، بلا ورقة صفراء واحدة.
كم اعتنى به البستاني!
وكم هو مهم حتى يُعتنى به هكذا!
“…”
أخرجتُ سلاحي.
وكما في المرة السابقة، كان حذائي.
أمسكتُ بالحذاء البني المتين وركّزتُ حواسي.
على فكرة، كنتُ بارعةً في ألعاب الإيقاع قديمًا.
تحرّكت الأعشاب بخفة. هناك!
بووم!
شعرتُ بضربةٍ مكتومة وصوت صرير.
واصلتُ الضرب بلا تهاون.
توقفتُ حين لم أعد أشعر بأي حركة.
أزحتُ الشجيرات بحذر.
“همم؟”
لم أجد جثة فأر، بل سائلًا أسود لزجًا متناثرًا كأن بالون ماء قد انفجر.
“ما هذا…؟”
يشبه الوحل… أو القطران… أسود ككتلة نفط.
رائحة كريهة اخترقت عبير الأعشاب.
قطّبتُ جبيني، ثم صرختُ فزعًا.
“آآه! ماذا فعلتُ!”
لقد دمّرتُ حقل أعشاب الكونت بيدي!
بقي أثرٌ دائريّ، وتطاير التراب، وانفتحت حفرة.
ألقيتُ الحذاء جانبًا وسندتُ الشجيرات المنكسرة.
لكن أعناقها المائلة بدت ميؤوسًا منها.
لم أقصد هذا…
وزاد الطين بلّة أن الفأر اختفى.
“…”
حدّقتُ في الخراب لحظة، ثم وقفتُ فجأة.
حملتُ سلّة النعناع بإحكام.
لم يرَ أحد…
آه، سيدي الكونت، أعتذر حقًا!
اعتذرتُ في سرّي، وغادرتُ مسرعةً، متظاهرةً بعدم رؤية الفجوة الكبيرة التي خلّفتها.
* * *
“كحّ.”
كان تيموثي مختبئًا في الخلف.
جسده كان قد ذاب نصفه منذ عشر دقائق.
انهار جسده المترهّل مكوِّنًا بركة.
وجهه المتجهم يعكس ألمه.
ارتجف وهو يفكّر:
ما حقيقة لينا؟
هل هي بشر عاديّة فعلًا؟
كانت دعوةً مدبّرة منذ البداية.
الجميع يعلم ما حدث لجين، لذا لم يكن من الصعب طلب التعاون.
في اللحظة المناسبة، أُرسلت لينا إلى الحقل.
يستدرجها تيموثي إلى مكان منعزل.
وحين تغفل، ينتقم لجين.
لم ينوِ قتلها؛ فهي لم تخالف القواعد.
أراد فقط إزعاجها قليلًا.
مزحةٌ صغيرة يعفو عنها الكونت.
ظنّ أنه سيتمكن على الأقل من التهام كاحلها.
كسر عظم كاحلٍ رقيق وابتلاعه كان مما يُجيده.
لكن حين حانت اللحظة، تعرّض لهجومٍ عنيف بدلًا من أن ينفّذ خطته.
بل بدا أنها توقعت هجومه.
حين اختفى فجأة، لم ترتبك.
تظاهرت بالحصد، ثم باغتته بردٍّ خاطف.
“تيموثي، أنا خائفة… خائفةخائفةخائفةخائفة.”
تردّد صوت جين المرتعب في ذهنه.
جين… وأنا أيضًا، لينا…
“تبًا.”
رمش بعينيه، فرأى رجلًا بشعرٍ فضيّ في رؤيته الضبابية.
تحرّكت شفتاه بصعوبة.
“الكونت… سيدي…”
“يبدو أن حادثًا وقع. نم الآن.”
لمست يدٌ باردة جبينه.
ارتجف بعنف، ثم انقلبت عيناه وأُغمي عليه.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
الخادمة تحافظُ على الانضباطِ
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 16"