“جين، ما الذي يحدث لكِ؟”
“لينا… لينا… هي، هي، هي…”
يا ترى ماذا جرى الليلة الماضية؟
لم تكن جين ترتجف دون أن تستطيع شرح الأمر بوضوح.
كانت تكرّر كلمات مثل لينا، مخيفة، خطأ، مرارًا بلا نهاية.
كأنها تؤمن أنّ إفشاء ما حدث البارحة سيجلب عليها عقابًا آخر.
أغمض تيموثي عينيه بإحكام.
ولأن حالة جين لم تكن جيّدة، اضطرّ إلى مغادرة جانبها سريعًا.
هل هدأت الآن وهي وحدها في الغرفة؟
أم ما زالت ترتجف مذعورة في نوبة هلع؟
الصورة التي بقيت عالقة في ذهنه عنها جعلت قلبه يضطرب قلقًا.
“لينا هي من هاجمت جين.”
تمتم بعد وقتٍ طويل.
“لينا هاجمت جين.”
صحيح أنّهم ليسوا بمستوى كونت ريتشموند، لكن خدم العائلة كانوا قادرين بدرجاتٍ متفاوتة على استشعار هواء القصر.
نتيجة خضوعهم الطويل لذلك الشيء وتعرّضهم المستمر لتلك الهالة الثقيلة.
الليلة الماضية، شعر الجميع بأنّ أجواء القصر قد اضطربت بقوّة.
وكان السبب كلّه الخادمة الجديدة التي انضمّت حديثًا إلى قصر ريتشموند— لينا.
عندها عقد تيموثي العزم على الانتقام لجين.
* * *
أظنني سمعتُ من قبل أنّ من يعمل في مجال الطهو يبدأ بغسل الصحون، ثم ينتقل إلى تحضير المكوّنات، ولا يتعلّم الطبخ فعليًّا إلا في النهاية.
إذن، أنا التي كنتُ ألمّع الأدوات الفضّية وأصبحتُ فجأة خادمة مطبخ… هل هذا يُعدّ ترقيةً مفاجئة؟
مرّت ثلاثة أيّام منذ أخذت جين إجازتها المرضيّة.
حللتُ محلّها في المطبخ مؤقّتًا.
ولكي لا يُساء الفهم، قولي إنّها ترقية كان مجرّد مزاح.
لا أظنّ نفسي حقًّا خادمة مطبخ.
هذا مكان جين، وسأعيده إليها حين تعود.
لكنني عزمتُ على بذل أقصى جهدي، ولو مؤقّتًا، حتى لا أخجل أمامها لاحقًا.
وفوق ذلك، فرصة جيّدة لأُظهر للناس أنّني موظّفة مسؤولة ومجتهدة!
فالحصول على تقييمٍ جيّد في العمل مهمّ جدًّا لمفاوضات راتبي مستقبلًا!
“عدتُ!”
في ظهيرةٍ مشمسة، دفعتُ باب المطبخ بجسدي لأنّ يديّ كانتا مشغولتين.
“أحضرتُ الحليب، أين أضعه؟”
“هناك، بجانب أكياس الطحين.”
“حسنًا!”
وضعتُ الصندوق الخشبي حيث أشارت ماريان، أقدم خادمات المطبخ.
كان في الصندوق ستّ زجاجات حليب ممتلئة.
وبسبب الحرّ المتزايد، تكاثف البخار على الزجاج، ما جعله يبدو طازجًا وشهيًّا.
بماذا سيُستخدم هذا الحليب؟
“قلتنّ إننا سنصنع به فطائر سوفليه، أليس كذلك؟”
“نعم. ستُقدَّم للكونت.”
“لا بدّ أنّها لذيذة…”
سوفليه بانكيك!
لم أتذوّقها حتى في حياتي السابقة.
لم أكن أملك رفاهية شراء حلوىٍ باهظة تُباع ببضعة أرغفةٍ مع قشدة مقابل مبلغٍ كبير، وأنا أعيش أضيّق وقتٍ.
يقال إنّ قوامها هشّ كالغيوم، والقشدة المصنوعة من حليبٍ طازج ستكون مذهلة بلا شك.
‘ألا يمكننا صنع الكثير منها؟ أودّ تذوّقها… لو قُدِّم القليل للخادمات أيضًا…’
“لينا.”
نادَتني ماريان، وكأنّها قرأت أفكاري الدنيئة.
مسحتُ سريعًا أثر اللعاب عن فمي ووقفتُ باستقامة.
“نعم، ماريان. هل من أمر؟”
“خذي هذا.”
ناولَتني سلّةً خشبيّة مربّعة فارغة.
“اذهبي وأحضري الأعشاب.”
“الأعشاب؟”
“اذهبي إلى تيموثي واطلبي الأعشاب اللازمة للطهي.”
تيموثي… آه، تذكّرتُه.
ذلك الشابّ الأسمر الذي يعمل في حقل الأعشاب.
“أيّ أعشاب أطلب؟”
“نعناع، وريحان، وعشب الليمون.”
“وهل من مقدارٍ محدّد؟”
“قولي له إنّها للطهي وسيُحضّر الكمية المناسبة.”
“حاضر!”
كنتُ قد التقطتُ أنفاسي لتوّي بعد توصيل الحليب، لكن لا بأس.
هذه لينا، خادمة من الدرجة الأولى، مطيعة ومجتهدة.
تذكّروا ذلك جيّدًا وامنحوني تقييمًا ممتازًا لاحقًا، مفهوم؟
كان حقل الأعشاب في الجهة الشرقيّة من القصر.
“على ذكر ذلك، لم أزر الجهة الغربيّة بعد.”
تمتمتُ وأنا أمشي في الطريق الصغير المؤدّي إلى الحقل.
قيل إنّ هناك مبنًى ملحقًا غربًا، ومنطقةً محظورة على الخدم.
“همم… كلّما قيل لا تذهبي، ازددتُ فضولًا.”
رفع في داخلي طبعُ المعاندة رأسه فجأة.
لكنني لم أكن أنوي الذهاب اليوم. أنا مشغولة بأعمال المطبخ.
ربما أذهب يومًا ما لأرى شكله من الخارج فقط.
بعد نحو عشرين دقيقة، وصلتُ.
كان الحقل الأخضر المورق رائعًا كروعة الحديقة التي رأيتها سابقًا،
وتفوح منه رائحة منعشة تبعث على الراحة.
لكنني سرعان ما ضممتُ شفتيّ.
“أين تيموثي؟”
صنعتُ بيديّ شكل منظار وضيّقتُ عينيّ.
‘أين أنت؟ اظهر بسرعة. ما زلتُ لم أتخلّ عن حلم تذوّق فطائر السوفليه!’
ربما إن بقيتُ أتسكّع قرب الطاهي أحصل على قضمة.
فالطاهي إنسان وقد يخطئ، يحرق فطيرة أو يفسدها قليلًا.
وهل يُعقل أن تُرمى فطيرة سليمة بسبب خطأ بسيط؟
مستحيل. حفاظًا على البيئة، سأستقبلها في معدتي.
“تيموثي! هل من أحد؟!”
“ما الأمر؟”
“آه!”
قفزتُ من مكاني حين سمعتُ الصوت خلفي.
استدرتُ ألهث.
“تيموثي…؟”
كان يقف خلفي مباشرة، يحمل معولًا على كتفه.
قبّعته القشّية مهترئة، وبشرته مسمّرة من الشمس.
هو بلا شكّ بستانيّ الأعشاب، تيموثي.
“ما الذي جاء بكِ؟ هل أتيتِ للأعشاب؟”
“آه، نعم.”
ناولته السلّة.
“ماريان قالت إننا بحاجة إلى نعناع وريحان وعشب ليمون.”
توقّفت عيناه السوداوان تحت القبّعة عند السلّة الفارغة، ثم انتقلتا إلى وجهي.
ارتعشت حدقتاه قليلًا.
‘ما به؟ أهو نقص في المغنيسيوم؟’
“اتبعيني.”
“ماذا؟”
“قلتِ إنكِ بحاجة إلى الأعشاب. سأرشدكِ.”
ظننتُ أنّه سيجلبها بنفسه، لا أن أقطفها أنا!
“انتظر! سأأتي معك!”
أسرعتُ خلفه وهو يمشي بخطواتٍ واسعة.
مرّت عشر دقائق.
صوت الأوراق تحت أقدامنا هو الشيء الوحيد المسموع.
‘إلى أين نحن ذاهبان؟’
قطعنا مسافةً لا بأس بها، لكنه لم يتوقّف.
أهذا الحقل واسع إلى هذا الحدّ؟
ربما تُزرع بعض الأعشاب في دفيئات؟
“تيموثي.”
“……”
“كم بقي؟ لقد مشينا كثيرًا.”
“……”
ألن يجيب حين يُسأل؟
واصل السير بلا كلمة.
يبدو أنّه بطبعه كتوم.
‘لو كان الذي أمامي هو سعادة الكونت، لأجابني بلطف، وربما سأل إن كنتُ متعبة…’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
الخادمة تحافظُ على الانضباطِ
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 15"