‘مُحال.’
هززتُ رأسي نفيًا مرارًا.
التشكيك في الناس بتلك السهولة عادةٌ سيّئة.
جين لم تُكنّ لي سوى حسنِ النية فحسب.
قلتُ بحزم، لكن من دون أن أفقد لباقة الحديث:
“آسفة، لكن الطعام الذي أعطتني إيّاه جين قد فسد. بالطبع أنا ممتنّة جدًا جدًا لأنها صنعت لي الكب كيك بنفسها، لكنني مع ذلك لا أظن أنني أستطيع أكله.”
“كُليه يا لينا.”
“آسفة. لن آكله.”
حدّقت بي جين بنظرةٍ مخيفة.
كانت عيناها السوداوان المغروستان فيَّ لا ترتجفان قيد أنملة.
كانت نظرةً يستحيل تخمين ما يدور خلفها.
كتلة الكب كيك المهروسة المتأرجحة أمام عيني بدت وكأنها ستُسكب على وجهي في أي لحظة، مما جعلني أشعر بقلقٍ شديد.
ما هذا؟ جين تبدو غريبة قليلًا.
في اللحظة التي ابتلعتُ فيها ريقي بتوترٍ وهممتُ بدفعها بعيدًا—
دَانغ-. دَااانغ-.
الساعة السابعة.
دقّ جرس الساعة مُعلنًا وقت العشاء.
وفي الوقت نفسه، ابتعدت جين عني فجأة.
انزلقت كتلة الكب كيك المهروسة من يدها وسقطت على الأرض.
“جين؟”
ناديتُها بارتباك.
عندها حدّقت جين في الفراغ بشرودٍ وحرّكت شفتيها قائلة:
“حان وقت الطعام.”
وبعد تلك الكلمات مباشرةً، استدارت جين فجأة وغادرت الغرفة.
ما هذا، أستغادر هكذا ببساطة؟
هل كانت جين في الحقيقة طالبةَ ثانوية؟ تركض إلى المقصف فور سماع جرس الوجبات؟
ظللتُ أحدّق في ظهرها للحظةٍ بشعورٍ من الفراغ، ثم نظرتُ حولي قبل أن أصرخ بفزع:
“لا! أدوات المائدة الفضية التي لمّعتها بكل جهدي…!”
كانت أدوات المائدة الفضية الجميلة اللامعة قد اسودّت وكأنها تلطّخت بالأوساخ.
جمعتُ الكب كيك الفاسد الذي تركته جين في ذلك اليوم وألقيته في سلّة المهملات.
كان شعوري آنذاك غريبًا للغاية.
لأن صورة جين وهي تحاول إجباري على أكل الكب كيك لم تفارق ذهني.
‘أيعقل أنها كانت تعلم أن الكب كيك فاسد ومع ذلك أعطتني إيّاه عمدًا؟’
لم أكن أرغب في تخيّل شيءٍ كهذا إن أمكن.
لكن توقيت إعطائي الكب كيك كان مباشرةً بعد نجاحي في التفاوض على راتبي مع الكونت…
وكان كبير الخدم حاضرًا في جلسة التفاوض تلك.
ربما انتشر بين الخدم خبر أنني سأحصل على راتبٍ يزيد عن ستة أضعاف راتبي السابق عبر كبير الخدم.
أفأكون قد بالغت إن ظننتُ أن جين غارت مني بعدما سمعت بذلك وحاولت مضايقتي؟
“لا. ليس كذلك.”
قرّرتُ أن أفكّر بإيجابية قدر الإمكان.
التشكيك في أمرٍ غير مؤكّد ليس تصرّفًا حسنًا.
وفوق ذلك، إذا أردتُ الحصول على تقييمٍ جيّد في العمل مستقبلًا، فعليّ أن أُحسن علاقتي بالناس بدل أن أُعاديهم.
‘لا بد أن الكب كيك فسد لعدم وجود ثلّاجة في القصر. من المستحيل أن تكون جين قد أعطتني طعامًا فاسدًا عمدًا.’
وهكذا أنهيتُ هذه الحادثة الصغيرة.
ومرّت بضعة أيام.
“هووف، انتهيت.”
أخيرًا انتهيتُ من تلميع أدوات المائدة الفضية.
وضعتُ الصحون اللامعة في خزانة العرض وابتسمت.
الغرفة كلّها تلمع ببريقٍ ساطع.
كم بذلتُ من جهدٍ لتلميع كل هذا.
خصوصًا الأدوات الفضية التي سقط عليها الكب كيك، فقد اسودّت تمامًا واضطررتُ لبذل عناءٍ كبير لتنظيفها.
‘كما توقّعت، كان ذلك الكب كيك فاسدًا فعلًا.’
حتى هذه الأدوات الفضية الفاخرة باهظة الثمن كشفت احتمال التسمّم الغذائي.
حقًا إن عراقة عائلة الكونت تبدو واضحة، فحتى الصحون من مستوى مختلف.
بما أنني أعدتُها إلى حالتها الأصلية، فلا بد أن رئيسة الخادمات ستمدحني عندما تراها، أليس كذلك؟
“هاه، لقد تجاوزت الساعة التاسعة بالفعل.”
تمتمتُ بدهشةٍ وأنا أنظر إلى الساعة المعلّقة على الجدار.
ظننتُ أنني إن عدتُ بعد العشاء لأُكمل العمل فسأنتهي سريعًا، لكن الأمر استغرق وقتًا أطول مما توقّعت.
“يجب أن أستحمّ بسرعة وأستعدّ للنوم.”
كان مسكن الخادمات ملاصقًا للجناح الشرقي من القصر حيث المطبخ وقاعة الطعام.
لذلك لم يكن تأخّر عودتي إلى غرفتي مشكلة، لكن المشكلة أن حمّام الخدم المشترك يقع في الجناح الغربي.
مهما كانت عائلة ريتشموند عائلةً راقية توفّر غرفةً خاصة لكل خادمة، فإن تلك الغرف لا تحتوي على حمّامٍ خاص.
أغلقتُ باب خزانة العرض على عجل.
وأعدتُ الكرسي وسائر الأغراض الصغيرة إلى أماكنها، ثم خرجتُ من الغرفة.
خطوةً بعد خطوة.
ربما لأن الوقت كان متأخرًا، لم يكن في الممرّ أحد.
كان قصر ريتشموند ينهي يومه باكرًا نسبيًا.
رغم أن حظر التجوّل عند منتصف الليل، فإن الممرّات تكاد تخلو من الناس عند التاسعة.
كان مشهدًا يختلف تمامًا عن حياتي السابقة، حيث كان عشّاق السهر أكثر من محبّي الاستيقاظ المبكّر.
طَق.
عدتُ إلى غرفتي لأحمل ملابس أبدّلها، ثم خرجتُ إلى الممرّ مجددًا.
وأنا أسير مسرعةً نحو حمّام الخدم المشترك، شعرتُ بوجود أحدٍ أمامي.
‘آه، إنها جين.’
تجمّدتُ لحظة.
كانت هذه أول مرة أواجهها منذ ذلك اليوم.
دَرِرِك، دَرِرِك.
كانت جين تدفع عربةً فضيةً كبيرة.
يبدو أن عملها لم ينتهِ بعد.
‘تتعب كثيرًا…’
في الحقيقة، كنتُ حائرة طوال الأيام الماضية بشأن الطريقة التي يجب أن أتعامل بها معها.
بصراحة، كانت نظرتها في ذلك اليوم مخيفة قليلًا.
لكن رؤيتها تعمل حتى هذا الوقت المتأخر جعلتني أشعر بالذنب دون سبب.
‘صحيح. لا بد أنها لم تعطِني طعامًا فاسدًا عمدًا لأنها تكرهني.’
حينها كنتُ مرتبكة فلم أتذكّر ما قرأته في لائحة العمل في اليوم الأول.
ألم يُذكر فيها أن الطعام الذي يُعطى خارج أوقات الوجبات ليس آمنًا للأكل؟
ربما كان ذلك لمنع انتشار التسمّم الغذائي في القصر.
في مكانٍ كهذا بلا ثلّاجات، من الأفضل ألّا يُحتفظ بالطعام طويلًا، بل يُؤكل ما يُحضَّر طازجًا في أوقات الوجبات.
ربما جين لم تكن تعلم أن الطعام قد فسد.
‘كما توقّعت، من الأفضل أن أقترب أنا أولًا.’
حتى لو—افتراضًا فقط، حقًا افتراضًا—كانت تكرهني، فقد قرّرتُ أن أُغيّر ذلك الشعور.
رفعتُ صوتي:
“جين!”
توقّفت جين عن السير.
واستدارت نحوي.
تقدّمتُ نحوها بخطواتٍ سريعة.
“إلى أين تذهبين؟ ألم تنتهي من عملك بعد؟”
“لينا.”
“سأساعدكِ. لنذهب معًا.”
ابتسمتُ وأمسكتُ بمقبض العربة.
وحين دفعتها قليلًا، تفاجأتُ بثقلها.
ماذا بداخلها؟ أكانت تجرّها وحدها؟
كما شعرتُ من قبل، جين قوية حقًا.
“إلى أين كنتِ ذاهبة؟”
“إلى المغسلة.”
“آها، إذن بداخلها ملابس للغسل على الأرجح.”
ربما مفارش الطاولات أو المناديل.
فالمطبخ يُنتج كمّية لا بأس بها من الغسيل يوميًا.
“كنتُ في طريقي إلى الحمّام المشترك على أي حال. من الصعب جرّها وحدكِ، أليس كذلك؟ سأساعدكِ.”
اكتفت جين بهزّ رأسها دون كلام.
يبدو أنها ما تزال مستاءة لأنني لم آكل الكب كيك آنذاك.
لكنها لم ترفض مساعدتي، فظننتُ أن هناك فرصة لتحسين علاقتنا، وبدأتُ أجرّ العربة معها.
“بالمناسبة، هذه أول مرة أزور فيها المغسلة. لم تتح لي فرصة الذهاب إليها من قبل. يقولون إن العمل هناك شاق، أهذا صحيح؟”
“نعم.”
حاولتُ فتح حديثٍ جانبي، فجاءني ردٌّ مقتضب.
ومع ذلك لم أستسلم.
“أتخيّل ذلك حقًا. فعدد الناس في القصر كبير، وكمية الغسيل اليومية لا بد أنها هائلة. ناهيك عن الستائر والأغطية التي يجب غسلها كل موسم.”
“هل لينا مهتمّة بالمغسلة؟”
“همم، أعتقد أنه كخادمة تعمل في ريتشموند يجب أن أعرف ما الذي يُنجَز وأين.”
“إذًا، هل أريكِ؟”
“تُريني؟”
“المغسلة. سأدع لينا تُشاهدها.”
في الحقيقة، لم أكن مهتمّة كثيرًا بأعمال الغسيل، إنما فتحتُ الموضوع لأتبادل الحديث معها.
لكن بما أن جين هي من عرضت عليّ ذلك أولًا، فقد أجبتُ بسعادة:
“بالطبع! لكن هل يُسمح لي بالدخول هكذا؟”
“بما أن لينا قبلت دعوتي، فلا بأس.”
“واو، متحمّسة.”
واصلتُ الحديث بحيوية، بينما تحسّن الجوّ بيننا قليلًا.
وبعد أن سرنا في الممرّ لبعض الوقت، وصلنا إلى وجهتنا.
“هذه هي المغسلة.”
التعليقات لهذا الفصل " 10"