الفصل 5 :
“ا-ا-انتظر، لحظة فقط. سيّد كانياك! ماذا تفعل الآن…… لا تقل إنّك تحاول تهدئة انفجار طاقة الأميرة السحرية؟”
“بلى.”
“وكيف ستتعامل مع طاقةٍ لا تُرى أصلًا! إن تدخّلت بتهوّر في تدفّق طاقة شخصٍ آخر، فقد ينقلب الأمر إلى انفجارٍ معاكس!”
حتى الانفجار الواضح للعيان يصعب احتواؤه، فكيف بتهدئة طاقةٍ غير مرئيّة؟ إنّه أمرٌ يقترب من المستحيل فعلًا.
مهما يكن الرجل الواقف أمامه عبقريّ القرن، فهو في النهاية إنسان. وخطأٌ واحد كفيلٌ بأن يُفضي إلى كارثةٍ غير مسبوقة، نخسر فيها سيّد البرج والأميرة معًا.
“هذا ما سنعرفه بعد أن نجرّب.”
“آآآآآآآه……!”
أطلق روبل صرخةً نابعة من أعماقه بلا أيّ تحفظ، حتى إنّ أطراف عينيه الجافّتين ابتلّتا أخيرًا. دارت في رأسه عشرات السيناريوهات للهروب من هذا المأزق، لكن لم يظهر حلٌّ مثاليٌّ واحد.
تثبيت تدفّق طاقةٍ سحريّةٍ مختلّة ليس أمرًا يقدر عليه أيُّ أحد. يجب أن تتوافق حساسيّة الطاقتين، وإن ساء الحظّ وتعارضت القوّتان، حدث رفضٌ ارتداديّ يُنهك الطرفين.
بل إنّ حياة المتدخّل نفسه كثيرًا ما تكون في خطر.
كان الأمر أشبه بمحاولة فكّ خيوطٍ متشابكة بشدّة في ظلامٍ دامس، ضمن وقتٍ محدود. وزلّةٌ واحدة تعني موت الخيوط… وموتي معها.
‘أيعقل أنّه عازمٌ حقًّا على ارتكاب هذا الجنون؟’
ظلّ روبل يصرخ معترضًا بكلّ ما أوتي من قوّة، لكنّه أُقصي بحدّةٍ بحجّة أنّه مُزعج. وحين أوصد كانياك الباب وأحكم إقفاله، لم يبقَ لروبل سوى الوقوف خارجه باكيًا دون حولٍ ولا قوّة.
“سيّد برجٍ مجنون. حاكمٌ شرير فاقد العقل!”
في العادة، كان سيُرمى روبل من نافذة الطابق الأعلى، على ارتفاعٍ يقارب 274 مترًا، لكن المؤسف أنّ ما خلف الباب ظلّ صامتًا تمامًا.
“…….”
في السكون الذي خيّم أخيرًا، نظر كانياك إلى سييرا التي كانت تلهث بحرارةٍ محمومة. لم يكن الإحساس واضحًا، لكنّه شعر به. عمرها المتبقّي، الهشّ، لم يكن طويلًا.
‘في العادة، لا يموت المرء لمجرّد اضطرابٍ بسيط في الطاقة.’
لكن الأميرة ستموت من هذا الانفجار الواحد. دون أدنى شكّ.
-‘كانياك……؟’
تذكّر نظرتها المتحفّظة وهي تنطق باسمه ببرودٍ فور رؤيته في الطابق السفلي. كانت عيناها البنفسجيّتان الداكنتان، كزهر البنفسج المتفتّح لتوّه، تتركان أثرًا غريبًا في النفس.
رغم أنّها كانت المرّة الأولى، شعور الألفة ذاك لم يكن مريحًا على الإطلاق. ربّما كان الأجدر أن يتغاضى عنها ويُعيدها إلى القصر، لكن الندم الآن لم يعد ذا جدوى.
“…تسك.”
وبينما طرد كانياك أفكاره الشاردة، بدأ نورٌ أزرق خافت يتجمّع ببطء في يده.
***
“……أهمم.”
سقفٌ غريب، وثقلٌ يضغط على الجفون. فتحتُ عينيّ ببطء، فرأيتُ شخصًا جالسًا قرب السرير، يُغالب النعاس برأسه المتمايل.
‘من هذا؟’
على الطاولة الجانبيّة، وُضع وعاءٌ فيه ماءٌ بارد، وكانت على جبيني منشفةٌ باردة.
دليلٌ على أنّني ما زلتُ حيّة.
“ك-كيف…؟”
كنتُ متأكّدةً أنّني متُّ هناك.
وحين شعر الجالس بحركتي، رفع رأسه فجأة.
“أه، صاحبة السموّ. هل استعدتِ وعيّكِ؟ هذا جيد!”
مسح الرجل دموعًا غير مرئيّة من عند عينيه الجافّتين، بملامح متأثّرة.
…ماذا كان يمسح للتوّ؟
“ظننتُ حقًّا أنّ برج السحر سينهار هكذا…….”
وبعد أن خف صوته المصطنع بالبكاء، وبسبب نظرتي المتحيّرة، قدّم نفسه بهدوء.
“كحّ. تشرفتُ بلقائكِ، صاحبة السموّ. أنا روبل آكام، أحد أتباع سيّد برج السحر، كانياك.”
“روبل، ماذا حدث لي؟”
كنتُ قد فقدتُ الوعيّ أمام كانياك. وكان ينبغي أن أموت.
‘لا أشعر بالألم. جسدي أخفّ، ولم يعد صدري يتكسّر مع كلّ نفس.’
أمرٌ غير مفهوم. وحين نظرتُ إليه، تابع روبل بشرحٍ مطمئن.
“سيّد كانياك أعاد تدفّق طاقتكِ السحرية إلى وضعهِ الطبيعي. وقال إنّ حجر المانا الذي كنتِ تحاولين أخذه لم يكن سوى حلٍّ مؤقّت لتأجيل الانفجار.”
“…هل كان انفجار طاقتي مؤكدًا إذًا؟”
“نعم. لا أعلم إن كنتِ على درايةٍ بذلك، لكنّ طاقتكِ تكاد لا تُستشعر. حتى الآن، تبدين أقرب إلى شخصٍ عادي.”
كانت طاقتي مكبوحةً بإحكامٍ شديد، ولهذا كان الانفجار أمرًا محتومًا.
‘كنتُ أتوقّع ذلك، لكن أن يكون هذا هو السبب فعلًا…’
كان هناك سببٌ لختم طاقتي. أنا، حين كنتُ ريشا، كنتُ ساحرةً عظمى، وأمتلك مقدارًا هائلًا من الطاقة. ولو لم تُختم، لتحطّم جسد سييرا الواهن فورًا.
إنّ جسد سييرا كصحن صلصةٍ صغير، بينما طاقة ريشا لترٌ كامل. ولئلّا يفيض، كان لا بدّ من سدّ الفوّهة قسرًا.
‘هذا الجسد الذي يكاد يكون جثّة لا يمكنه تحمّل طاقتي، فتركتها مختومة… لكنّ ذلك انقلب سمًّا.’
أضاف روبل أنّ حرارتي ارتفعت قليلًا بسبب آثار الانفجار، فوضعوا منشفةً مبلّلة.
“وأين سيّد البرج؟ أودّ شكره.”
“سيعود قريبًا. لقد… استُدعي إلى القصر الإمبراطوري.”
“……آه.”
نسيتُ القصر تمامًا. وعلى ما يبدو، كان الوقت كافيًا لاكتشاف البديل.
حين نظرتُ من النافذة، بدا الفجر قريبًا. وبالنظر إلى شخصيّة الإمبراطور وآرتي، كان غريبًا ألّا يقتحموا البرج للمطالبة بي.
“آسفة. كنتُ في حالةٍ من الارتباك.”
“لا بأس. وإن سمحتِ لي، فأهلًا بكِ في برج السحر. لم يكن وضعكِ قابلًا للعلاج بالطبّ العادي.”
آه. أي أنّني كنتُ سأموت لولا كانياك.
“كا… أعني، سيّد البرج مذهلٌ حقًّا. لم يكن الأمر سهلًا.”
“في النهاية، هو أصغر ساحرٍ عظيم في التاريخ.”
“ساحر… ماذا؟”
ساحرٌ عظيم؟ من؟ كانياك؟ اتّسعت عيناي دهشةً. لم أسمع بهذا من قبل.
‘كانياك الذي أعرفه لم يتجاوز كونه ساحرًا موهوبًا من الرتبة العليا!’
وكأنّه أدرك أنّني قضيتُ وقتًا طويلًا طريحة الفراش، تابع روبل بشرحٍ هادئ.
“الأمر معروفٌ منذ مدّة، لكن… قبل خمس سنوات، بعد وفاة سيّد البرج السابق، السيدة ريشا، فتح كانياك قوّته المخفيّة وسُجّل اسمه رسميًّا ضمن قائمة السحرة العظماء.”
“فتح قوّته المخفيّة…؟ لماذا؟”
“لا أعلم التفاصيل، لكن يبدو أنّه كان يشعر بندمٍ شديد لأنّه لم يكن قويًّا بما يكفي لحماية ريشا في لحظاتها الأخيرة. هذا مجرّد استنتاجي.”
أمرٌ غريب. كانياك كان مجرّد شخصيةٍ هامشيّة ربّيتها بنفسي. أن يمتلك قوّةً مخفيّة، وأن أجهل ذلك؟
‘لو كان بهذا المستوى من إخفاء القوّة، لكان له حضورٌ في الأصل… لكن لا وجود لشخصيّة تُدعى كانياك هناك.’
وحين رآني مذهولة، انسحب روبل بلطف.
“سأترككِ لترتاحي.”
“شكرًا لك، روبل.”
مهما يكن، أنا مدينةٌ لكانياك. حتى ساحرٌ عظيم سيجد صعوبةً في علاج شخصٍ لا تُرى طاقته.
‘اختياري له كخليفةٍ لسيّد البرج كان صائبًا. لو كان رافائيل، لدمّر البرج.’
رغم الأسرار الغامضة، فإنّ سماعي أنّه نجا ونما جيّدًا كان مُطمئنًا.
“حسنًا فعلتُ حين أوكلتُ الأمر إليه.”
“إلى ماذا؟”
فزعتُ حين سمعتُ صوتًا من خلفي، وحين التفتُّ رأيتُ كانياك واقفًا بملامح متوتّرة.
يظهر دائمًا بلا صوت.
“سمعتُ ما حدث. شكرًا لأنّك أنقذتني.”
“إن كنتِ ممتنّة، فادفعي الثمن.”
عادت حركة الأصابع المستفزّة. الأفضل ألّا أسأله عمّا جرى في القصر… قد ينفجر.
“…حسنًا. الوعد وعد.”
نهضتُ من السرير، ونزعتُ لوحةً صغيرة معلّقة في وسط الجدار. خلفها شقٌّ طويل، أدخلتُ يدي فيه فأخرجتُ دفترًا.
“لم أتوقّع هذا المكان.”
أخذ كانياك الدفتر وهو مذهول، وحاول فتحه.
“…ختمٌ سحري؟”
لم يُفتح. كان الختم يرفض بعناد.
“يا لها من موهبة في الاحتيال، أيتها اللصّة.”
وبعد محاولاتٍ فاشلة، نظر إليّ بنظرة خذلان. تجاهلتُه وابتسمتُ ببراءة.
“قلتُ إنّي سأخبرك بالمكان، لا إنّي سأسمح لك بقراءته.”
لا يُفكّ الختم إلّا بطقسٍ محدّد، أو بطاقةٍ تفوق طاقة المُنشئ. وريشا كانت الأقوى على الإطلاق.
“واضحٌ أنّ لديكِ طريقة. تفضّلي، تكلّمي.”
لم أفهم سبب هوسه بيوميّاتي، لكن… هذه فرصة.
فرصة لمعرفة سبب إخفاء تلميذي لقوّته، ولماذا تغيّر طبعه، ومن أين تعلّم هذه الوقاحة، ولماذا هو مهووسٌ بيوميّات غيره… والكثير غير ذلك!
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"