الفصل 4 :
“لم أكن أعلم أنّ للأميرة الإمبراطورية مثل هذا الهواية. لو كنت أعلم، لكنت تركت باب مخزن الجواهر مفتوحًا، فهناك الكثير من الأشياء الجميلة.”
“ماذا؟ وأين يوجد أصلًا مخزن جواهر في برج السحر؟”
“صحيح، لا يوجد. لكن كيف عرفتِ ذلك إذًا؟”
…وقعتُ في الفخ. من شدّة ارتباكي انكشفتُ دون قصد.
“وكيف عرفتِ أيضًا أنّ هنا أحجارَ مانا؟”
انخفض صوته قليلًا وهو يراقبني بهدوء. حتى من نظرةٍ عابرة، كان واضحًا أنّه يختبرني ليرى كيف سيتصرّف معي.
“من الواجب أن أُعطيكِ فرصةً للتوضيح، قبل أن أُبلّغ القصر الإمبراطوري بجريمةٍ مشهودة.”
كان طرف فم كانياك مائلًا، لكنّه لم يكن يبدو مبتسمًا على الإطلاق. رؤية هذا الجانب المختلف من كانياك، الذي ظننته طفلًا لا غير، أربكت رأسي تمامًا.
‘ه-هذا ملكي… حقًا ملكي. أنا من كنت أنزل ليلًا وأُخبّئه واحدًا واحدًا….’
لكنّي لم أستطع أن أقول إنّه لي…….
كان الأمر ظالمًا، ووددتُ لو كشفتُ عن هويّتي بصراحة، لكن حين رأيتُ تعبير كانياك، شعرتُ أنّ أيّ كلمةٍ طائشة قد لا تمرّ بسلام، حتى لو كنتُ أميرة.
‘هل كان عمله كـ سيّدٍ لبرج السحر قاسيًا جدًّا خلال السنوات الخمس الماضية؟ ذاك الطفل الطيّب صار يُجيد صنع هذا التعبير؟’
صحيح أنّه ليس من السهل أن تنظر بعينٍ حسنة إلى لصٍّ تسلّل خلسة، لكن… مع ذلك.
“سيّد البرج، هذا… أعني… هناك سبب.”
“لا بدّ أن يكون. فأنا الآن في حالةٍ من التوتّر.”
انحنى كانياك والتقط أحد أحجار المانا المتناثرة على الأرض، ثم مسح برفق بطرف أصابعه الجزء العلوي من الحجر الذي تشقّق بفعل السقوط.
“هذا شيء لا أستطيع العبث به كيفما أريد.”
…ما الذي يقوله؟
صحيح أنّني اخترتُ بعناية الأحجار عالية الجودة وخبّأتها، لكنّ برج السحر مليء بأحجار المانا، فلا سبب يمنعه من لمسها.
على أيّ حال، عليّ أن أشرح، وإلّا سيصبح الأمر خطيرًا.
‘لكن… أنا فعلًا جئتُ لأسرق، فبماذا أُبرّر ذلك……!’
كلّما طال صمتي، نفد صبر كانياك أكثر. وعندما بدأت عروقٌ دقيقة تبرز في جبينه الأبيض، استشعر فمي الخطر فأطلق كلامًا بلا تفكير.
“ح-حلمتُ بالسيد ريشا!”
“……بمُعلمتي؟”
“قالت لي إنّ في الطابق السفلي من برج السحر جوهرةً ستنقذني… وإنّه يجب أن أحملها معي….”
بالنسبة لكونه عذرًا مرتجلًا، كان مقنعًا على نحوٍ مدهش. بل إنّ ملامح كانياك بدت وكأنّها ارتخت قليلًا.
حين أفكّر في الأمر، كان كانياك يصبح ليّنًا كالأحمق كلّما تعلّق الأمر بي.
-‘كانياك، مهما كنتُ مُعلمتك، لا ينبغي أن تثق بي إلى هذا الحدّ.’
-‘ولماذا؟’
حين رأيتُ حيرته، فكّرتُ قليلًا ثم طرحتُ عليه سؤالًا.
-‘ماذا لو قتلتُ شخصًا ما؟ ماذا ستفعل؟’
-‘لا بدّ أنّه ارتكب جريمةً تستحقّ الموت.’
-‘……وإن كان إنسانًا صالحًا؟’
-‘فسيكون عالمًا تُحسب فيه الصلاح جريمةً.’
ثم قال بصوتٍ هادئ: وإن لم يكن كذلك، فسأجعله كذلك.
بعد ذلك، تخلّيتُ عن محاولة تعديل ثقة كانياك. مهما قلتُ، لم يكن بالإمكان كسر عناده غير الطبيعي.
“كذب.”
لكن كانياك هزّ رأسه بحزم. لا، كيف عرف أنّه كذب؟!
“لو ظهر ذلك الشخص في حلم أحد، لكنتُ أنا الأوّل بلا شكّ، لذا فهو كذبٌ حتمًا.”
……انتظر لحظة. ما هذه الثقة الغريبة؟ ظننتُ الأمر شيئًا آخر.
ولِمَ عليّ أن أظهر أوّلًا في حلمك أصلًا…؟
“كيف لي أن أصدّق أنّ مُعلمتي ظهرت في حلم لصٍّ لا صلة له بنا؟”
لم يُعجبني اللقب الذي ناداني به، لكن لم أستطع الردّ. في الحقيقة، أنا فعلًا لصّة… نعم….
“أليس كافيًا دليلًا أنّني كنتُ أنوي أخذ أحجار المانا من هنا؟”
“لا، ليس كذلك.”
أومأ كانياك برأسه المائل كما لو كان ينتظر هذا السؤال. تشه. ذلك العناد غير الضروري ما زال كما هو.
“ثم؟”
“…ثم؟”
“هل قالت معلمتي شيئًا آخر غير ذلك؟”
تبعني نظره الأحمر المليء بالشكّ بإلحاح. رغم أنّه يقول إنّه لا يصدّق، إلّا أنّه بدا وكأنّه يثق جزئيًا بحجّتي المبنيّة على الملابسات.
“ذلك….”
وبينما أفكّر، انتزعتُ حجر المانا من يد كانياك وضممته إلى صدري.
“إن سمحتَ لي بأخذ هذا، سأخبرك.”
كنتُ أظنّ أنّ لديّ نحو ثلاث ساعات، لكن يبدو أنّني كنتُ مخطئة. بدأ نَفَسي يضيق شيئًا فَشيئًا، وكان ذلك نذيرًا سيّئًا.
وفي الوقت ذاته، تغيّر بريق عيني كانياك بشكلٍ مريب. بدا وكأنّه لا يثق بي، أنا اللصّة التي تحاول المساومة.
وكما هو متوقّع.
“لا أريد.”
“لا، واحدٌ فقط، دعني آخذ―”
“اخرجي. كُلّها ملكي.”
مدّ كانياك يده مطالبًا بإعادته، وزاد الطين بلّة بحركةٍ مستفزّة بأصابعه. بل وتكلّم بلهجةٍ عاميّة! قِلّةُ أدب!
صدمة. تلميذي يُخفي سوء أخلاقه.
أعيدوا لي تلميذي اللطيف الذي كان يتبعني قائلًا: مُعلمتيي~♡…….
بدأ بصري يَغبُش بسرعة. لا مفرّ إذًا. والموت على الأبواب، سأخوضها للآخر!
“ألا تثير فضولك… يوميّات ريشا آنيس؟”
“……ماذا؟”
حين كنتُ ريشا، كنتُ أكتب يوميّاتٍ كلّ يوم. بدأتُ ذلك فور تجسّدي، لأتأكّد أنّ هذا العالم ليس حلمًا.
في أحد الأيّام، سألني كانياك عمّا أكتبه، فأجبته:
‘أكتب عن أغلى ما أملكه.’
ومنذ ذلك الحين، كان يترصّد يوميّاتي، لكن بعدما خبّأتها في مكانٍ ما، لم يتمكّن من العثور عليها.
“إن ساعدتَني، أستطيع أن أخبرك أين هي―”
كُحّ، ومع نوبة السعال العائدة، غمر السواد الملطّخ بالدم بصري. الموت الذي قاومته طويلًا، وصل أخيرًا. لم تسعفني الفرصة حتى لأفكّر، وسُحبت القوّة من جسدي في لحظة.
وفي النهاية، فقدتُ الوعي قبل أن أرى تعبير كانياك.
***
“هاه!”
“كح، كح…!”
“أ-أ-الأميرة…؟”
“لماذا الأميرة هنا…….”
اهتزّ السحرة الذين شاهدوا رجلًا يعبر الممرّ المركزي لبرج السحر بصمت. بعضهم صُدم لدرجة أنّه بصق قهوته التي كان يشربها.
كان الشعر الفضيّ المتلألئ كزهور الثلج في عزّ الشتاء هو اللون الرمزيّ للعائلة الإمبراطورية غلاسيس الحاكمة لإمبراطورية باتييل. امرأة ذات شعرٍ فضّي، أميرة بلا شكّ، فاقدة للوعيّ بين ذراعي سيّد برج السحر—كيف لا يُصابون بالذهول؟
“يا إلهي، يبدو أنّ مصير برج السحر قد انتهى أخيرًا.”
“ي-يجب أن نكتب وصيّتنا…….”
وخلف الرجل، لحق به شخصٌ آخر على عجل. رفع القادم إصبعه إلى فمه وهو ينظر إلى الشهود.
“ما رأيتموه الآن، إن نطقتم به….”
ورسم بإصبعه حركة قطعٍ على عنقه. عند تلك الإشارة المرعبة، أغلق السحرة أفواههم وغادروا مسرعين.
روبل آكام. بصفته الوحيد الذي يخدم تحت سيّد البرج كانياك، كان السحرة الذين يعرفون ذاكرته العبقريّة واثقين أنّهم سيلتزمون الصمت. إن كانوا يثمّنون حياتهم.
“جنون…!”
بعد أن خلا المكان سريعًا، أطلق روبل زفرةً حادّة. كان ينبغي ألّا يترك سيّده يذهب إلى الطابق السفلي وحده.
في تلك اللحظة القصيرة، ماذا فعل ليظهر حاملًا أميرةً فاقدة الوعيّ؟!
ولمّا لحق به، رأى مشهدًا صادمًا: كانياك يضع الأميرة على سريره.
“سيّد كانياك، أحتاج إلى تفسير. هذا ليس مكانًا ينبغي لها أن تكون فيه، ولا شخصًا يجوز أن يكون هنا.”
حادثةٌ كبيرة، ولا سبيل سهلًا لمعالجتها.
فالأميرة سييرا كانت محطّ حبّ الإمبراطورية بأسرها. ضعيفةٌ للغاية، لكنها لذلك كانت أكثر من يفهم الضعفاء، وتحظى بإجلالٍ ومحبّةٍ لا تُحصى. فكيف… لماذا!
كان يعلم أنّه يُقدم أحيانًا على تصرّفاتٍ غير مفهومة، لكن هذه المرّة تجاوز الحدّ. لم يتخيّل يومًا أن يطال الأمر أحد أفراد العائلة الإمبراطورية!
“أقول ذلك أنا أيضًا.”
وقبل أن يبدأ روبل بالاستجواب، جاءه ردٌّ عبثيّ.
“ماذا؟”
“كيف وصلت هذه المرأة إلى هنا؟”
لا تُفتح أبواب الطابق السفلي إلّا لمن اعترف به برج السحر. أي سيّد البرج وحده.
“هل يعترف البرج بغير سيّد البرج؟”
“أبدًا. لم يحدث ذلك قطّ في تاريخ البرج.”
“شرفٌ عظيم. أن أعيش لأشهد ذلك لأول مرة.”
هل ينبغي شكر المتسلّلة النبيلة……؟
وكأنّه لا يُدرك فداحة الموقف، راقب كانياك سييرا النائمة بنظرةٍ هادئة.
حتى لو ظهرت لها ريشا في الحلم، فالأميرة ليست إنسانةً عاديّة. فكيف دخلت الطابق السفلي؟
“على أيّ حال، يجب إعادتها فورًا إلى القصر الإمبراطوري. لا بدّ أنّهم أدركوا اختفاءها الآن.”
“هممم.”
ليس هممم، بل أرسلها فورًا!
ضرب روبل صدره المكتوم محاولًا حبس دموعه. كان مرعوبًا مِمّا قد يفعله هذا المجنون لاحقًا.
قبل أيّامٍ فقط، جفّف النهر العلوي لنهر أرسيو—شريان الإمبراطورية—بحجّة التجربة، وكاد يموت وهو يُعيده إلى حالته! وها هو يعود للمصائب!
“عرضٌ أحاديّ الطرف، لكنّه ليس سيّئًا.”
وحين التفت روبل إليه بحذر، أشار كانياك إلى سييرا وسأل:
“روبل، هل ترى شيئًا في هذه الأميرة؟”
“لا، لا أشعر بأيّ شيء.”
“طاقتها السحرية انفجرت.”
“ماذا؟ مستحيل. بل… هل كانت الأميرة ساحرةً أصلًا؟!”
اتّسعت عينا روبل صدمةً. إن كانت إنسانةً عاديّة، فكيف تنفجر طاقتها؟!
“ومع ذلك، إن لم تكن طاقتها هائلة، فالانفجار بعيد…….”
لكن كانياك رأى بوضوح: الدم الأسود المتكوّن من طاقةٍ ميّتة، والاضطراب الهائل الذي شعر به للحظة.
كان هناك شيءٌ يُقيّد قوّة الأميرة الهائلة بإحكام.
“لا تموتي، أيتها اللصّة. هذه الصفقة تعجبني كثيرًا.”
ضحك كانياك ضحكةً خافتة، ووضع يده على جبين سييرا البارد.
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"