بعد قليل، أخرج كيليان طبق غراتان بطاطا بالجبن، لا يُرى مثله عادةً إلا في الأفلام الأجنبية.
لا بد أن في القصر قاعة طعام تليق به، لكن الجوع كان قد نال منّا، والقلق أشدّ؛ فآثرنا الوقوف في المطبخ وتناول الطعام هناك.
تذوّقتُ لقمة من الغراتان الذي سكبه في طبقي.
«……!»
«كيف هو؟ أيناسب ذوقك؟»
«لا بأس به.»
والحقّ أن كلمة لا بأس به كانت ظلمًا فادحًا بحق هذا الطبق؛ فقد كان ألذّ من أيِّ أطباقٍ كثيرة قد دَفعتُ فيها مالًا طائلًا في مطاعم فاخرة.
«هذا يطمئنني.»
ذلك الرجل الذي لم يكفّ قبل قليل عن الثرثرة والمراوغة، بدا هذه المرة سعيدًا بصدق.
حينها تساءلتُ في نفسي:
إذا كان الطهي يلائمه إلى هذا الحد؛ فلماذا اختار أن يكون زعيمًا في العالم السفلي بدلًا من طاهٍ محترم؟
ابتسامة كيليان، وقد ضيّق عينيه بانشراحٍ سعيدٍ أثار ربكتي إثر وسامته؛ ما جعلني أنزل بصري قسرًا، متصنّعةً التركيز على الطعام.
«بالمناسبة، أكمل حديثك السابق.»
«أيّ حديث؟ الإنعاش الاصطناعي؟»
«لا، ليس ذاك— أقصد… حديثنا عن إعدام أبي.»
كان وصفُ رجلٍ لم أره قطّ بـ أبي أمرًا يثقل لساني، والأدهى أن تفاصيل نهايته تسكن ذاكرة يورينا، لا ذاكرتي أنا؛ فأنا لست يورينا، بل كيم مالهي، وكيليان نفسه لم يتوقّف عن تمحيصي بنظراتٍ مريبة.
ظلّ يحدّق فيّ لبرهةٍ طويلة، والملعقة لا تزال عالقةً بين شفتيه.
«لا تقولي إنكِ فقدتِ ذاكرتك؟»
«أحيانًا… تتشوّش الأمور في رأسي.»
«إذًا، أما زلتِ تذكرين أن السيّد ماتيو آرثر كان يجاهر بنبوءة نهاية العالم؟»
«نعم.» قلتُها بثباتٍ مصطنع، فيما الحقيقة داخلي تهزّ رأسها نفيًا.
«لم يكن يفتقر إلى خصوم؛ حتى صعاليك أزقّة يوستيبا كانوا يتداولون اسمه.»
يبدو أن الكونت آرثر كان عَلَمًا بارزًا من الصّعب تجاهله في زمانه، لا عجب؛ فقد كان ساحر البلاط الإمبراطوري.
قال كيليان بنبرةٍ أقرب إلى التقرير منها إلى حَكايا دارجة:
«ربما يقرّبكِ ذلك من الصورة إن علمتِ أن الناس كانوا يلقّبونه بالساحر المجنون. المشكلة أنه نفخ نبوءاته في بلدٍ هشّ، كان يتداعى أصلًا بعد سقوط الإمبراطور.»
«لكن نهاية العالم وقعت فعلًا… كما قال، أليس كذلك؟»
«بلى، ومع ذلك، لم يؤمن به أحد حينها.»
اكتفى بهزّ كتفيه، وارتشف من الماء كمن يغسل فمه من ذكرى قديمة.
«وأنت؟ ألم تصدّقه؟»
«أنا؟ بالطبع حسبته ضربًا من الهذيان.»
«جرأةٌ منك أن تقول هذا أمام ابنته.»
«أأزعجكِ كلامي؟»
«لا… ليس إلى هذا الحد.»
يا للمفارقة، أكان والد يورينا مجنونًا، أم قدّيسًا سبق زمانه؟
ثم أردف بعد لحظة:
«كنت أمزح، في الحقيقة، رأيتُ في كلماته احتمالًا ضئيلًا؛ فبعض نبوءاته… قد أصابت.»
«مثل ماذا؟»
لم يُجب.
أطبق الصمت على المكان، وحدّق إليّ نظرةً بلا عنوان، ضاقت لها أنفاسي.
«هل كنتَ تعرف أبي؟»
«رأيته مرة.»
كلمة واحدة، أغلقت عليّ الباب كله.
كان جليًّا أنه لا ينوي المضيّ في الحوار أبعد، رغبتُ في انتزاع المزيد من فمه، لكنني كبحت فضولي في آخر لحظة.
وأكملنا ما تبقّى من الغراتان في صمتٍ أثقل من الطعام ذاته.
وحين فرغتُ من شرب الماء وتنهدتُ بشبع، نهض كيليان على الفور، جمع الصحون، ثم استدار نحو المغسلة وشرع في غسلها. هل ينوي حقًا الإقامة هنا كخادم؟
جلستُ أراقبه بصمت.
حتى الجلي أدّاه بإتقانٍ يثير الريبة، ثم التفت إليّ وقد ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة في عينيه. «كنتِ تنتظرينني؟»
«كلا، كنت أراقبك.» أجبتُ ببرودٍ متعمّد.
رفع حاجبًا واحدًا، ومسح ذقنه بإيماءة مدروسة، ثم قال: «الغيرة المبكرة مزعجة.»
«ألا تحبّ النساء المتعلّقات؟»
«على العكس، أعشقهنّ حدّ الجنون.»
…وها هو يعود إلى طبيعته.
انسحبتُ من المطبخ، وتعثّرت القطة خلفي بخطواتها الصغيرة، بينما تبعنا كيليان على مهل.
«أيّ غرفة سأستخدمها بدءًا من اليوم؟» سأل وهو يصعد الدرج.
«البيت يعجّ بالغرف الفارغة، اختر ما تشاء.»
«إذن… الغرفة المجاورة لغرفتكِ.» «……؟»
«ما الأمر؟ أأفرطتُ قليلًا من أول يوم؟»
«كلا، فقط…»
أومأتُ بتردّد.
مرّت بخاطري صورته وهو يبتسم ابتسامةً فاتنة، متوعّدًا بزياراتٍ ليلية—مع علمي التام أنه لا يعنيها على محمل الجد— ومع ذلك… شعرتُ بالارتباك.
التعليقات لهذا الفصل " 7"