أنهيتُ وجبتي حتى امتلأت بطني تمامًا، ثم أخذتُ أثرثر مع دوتشيف حول ما جرى.
من اقتحام لودفين للقصر منذ الصباح الباكر، ومطالبه الوقحة، إلى كيفية استغلاله إياي ذريعةً لفرض نفسه علينا.
ولم أتوانَ عن سَبِّ أهل زوجي بحرية، وهو ما لم أكن لأفعله بحضور نيكولاي وفرانشيسكا.
“…أين عمّي؟”
كنتُ أتوقّع بعضَ التعاطف البسيط، لكن وجه دوتشيف بدا أكثرَ جديةً مما توقعت.
فقد انتهى من طعامه، لكنه ما زال يقبض على سكينه بإحكام.
“سأذهب لمقابلته”.
“وما الذي ستفعله؟”
“سأطرده”.
“كلا، لا داعي لفعل ذلك”.
ذُعِرتُ عندما رأيته يتمسك بالسكين وينهض، فأشرتُ بيدي رافضةً بشدة.
“أتريدينني أن أبقى مكتوف اليدين وأنتِ تُعاملين بهذه المهانة؟”
“هذا ليس بجديدٍ ليومٍ أو يومين”.
“كفاكِ صبرًا من الآن فصاعدًا. أنا هنا معك”.
قالها بصوتٍ مكتوم.
وعندما رأيته يشمر عن ساعديه لأنني أُهِنتُ، امتلأ قلبي بالدفء.
لطالما خضتُ غمار الحياة وحدي، إذ لم يكن لي في هذا العالم من ينصرني، لكن معه شعرتُ أنني أستطيع أن أستند قليلًا.
“أتعلمُ طباع لودفين؟ لن يترك الأمر ببساطة”.
“وأنا أيضًا لن أتركه ببساطة”.
سمعتُ نبرة غضب حقيقية في صوته، فابتسمتُ بخفة.
“في الحقيقة، كنتُ لن أذكر هذا الأمر”.
“قولي لي كل شيء. مهما كان، لن يغير ذلك شيئًا في الوضع الحالي”.
“في الحقيقة…”
تردّدتُ لحظة، ثم نظرتُ إليه وهو ينتظر كلامي بلهفة، وأخذتُ أتحدث بتؤدة:
“لودفين غادر بالفعل إلى العاصمة”.
“غادر؟”
“نعم، قال إن هناك أمرًا عاجلًا استدعاه، فصعد إلى العاصمة مسرعًا”.
أما لودفين، فقد تصدّيتُ له منذ البداية.
فهو أسهل خصم واجهته.
والآن على الأرجح أنه يحتر رأسه محاولًا كيف يحوّل معلوماته عن إمبراطور الشمال إلى ذهب.
“وماذا عن مبنى والدتي الذي تحدثتِ عنه؟ ألم يأخذه؟”
“بالطبع لا. لم أكن لأعطيه إياه بهذه السهولة”.
“هل أخذ شيئًا آخر؟”
سأل دوتشيف بوجهٍ متعجب، فقد كان يعرف جيدًا طباع لودفين.
“أعطيته وعاءً من الكيمتشي”.
فقد أخذ لودفين الكيمتشي حتى في خضم عجلته. وعندما أخبرته أن ثمن الوعاء عشرون ذهبية، قال لي:”أهكذا تأخذين المال من أهلك؟”
“وهل أخذ غير ذلك؟”
“لا”.
“حقًا؟”
“ربما أعجبه الكيمتشي؟”
“هذا محتمل”.
أقرَّ بذلك سريعًا، فانفجرتُ ضاحكةً من وجهه الجاد، وارتخت أعصابي المتوترة تمامًا.
“أمزح معك. لقد بعتُ له معلومةً واحدة. أليس لودفين تاجر معلومات؟ لقد أعطيته معلومةً تفوق قيمة المبنى بمراحل، فانصرف”.
اعترفتُ له بصراحة، فلستُ في مقام إخفاء شيءٍ عنه الآن.
“أقنعته بالعودة بمقابل معلومة؟ لا أظن أن معلومةً عادية ستُحركه”.
تلفتُّ حولي سريعًا، ثم همستُ في أذنه:
“لأن إمبراطور الشمال ليس في الحقيقة الابن الشرعي للإمبراطور”.
ثم لاحظتُ تعابير وجهه.
لقد كنتُ أتوقع أن يغضب، إذ كيف عرفتُ هذه المعلومة المستحيلة، وإن لم تكن صحيحة، فإن لودفين سيطالب بأكثر، فكيف أقدم على هذه المجازفة؟
“ومِن أين حصلتِ على هذه المعلومة؟”
وكما توقعت، سأل عن مصدر المعلومة، وكان جاهزًا:
“جونيل أخبرني”.
فهو يعرف جونيل، لكنه لا يستطيع رؤيته.
لا عذر أبلغ من هذا. نظر إليَّ بصمت، ثم سأل بحذر:
“هل تتواصلين مع الروح كثيرًا؟”
“أتحدث معه دائمًا عندما أكون وحدي. فهو كثير الثرثرة جدًا. لذلك كدت أن ينكشف أمري أمام ماي عدة مرات، فهي تظنني أتحدث مع نفسي كثيرًا!”
“فهمت”.
تمتم.
“كما أنه يخبرني بالكثير من المعلومات حتى السيوف النادرة التي أُرسِلت إلى فرساننا، كانت بدليل منه، بل أخبرني بكيفية إصلاح السيوف النادرة التالفة”.
“أيعني هذا أن الروح هو من أمركِ بإعطائي بارهاسما؟”
“نعم”.
في الحقيقة، أنا من أعطيته بارهاسما لأنني قرأتُ العمل الأصلي، لكن لم يكن أمامي سوى هذه الإجابة.
“إذاً، إعطاء تلك المعلومة لعمّي كان بأمر منه أيضًا؟”
“هذا كان قراري أنا. رأيتُ أن من مصلحتنا أن يحتفظ لودفين بتلك المعلومة”.
“لماذا؟”
“في الحقيقة، سمعتُ أن مصدر هذه المعلومة هو الكنيسة المقدسة. والخائن مورغان ينتمي إليها. فلا داعي لحمايتهم”.
في الوقت الحالي، أكثر الأطراف المرجحة لتدمير بلوديماري هي الكنيسة المقدسة.
وإذا استغل لودفين معلوماته حول الإمبراطور، فالنتيجة محسومة.
“تغيير الإمبراطور واكتشاف حقيقة الكنيسة مسألة وقت لا غير”.
قال دوتشيف.
“أجل، حينها ستصبح السيرافيم تحت رقابة واسعة، وسيكون ذلك فرصة لاقتلاع بقايا الخونة غير مورغان أيضًا”.
“هالارا”.
ناداني بصوتٍ منخفض.
وبدا على وجهه أنه يريد قول شيء آخر.
“ما الذي كنتَ تريد قوله لي قبل قليل؟ أخبرني الآن”
لم أتمالك نفسي وسألته.
“لا شيء”.
“لا شيء؟”.
“بل كان هناك شيء، لكن مهما كان الأمر، فقد أصبح لا يهم الآن”.
ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجه دوتشيف الوسيم.
فقد كان يبدو متوترًا قبل قليل، أما الآن فراحته تلوح على محياه.
***
طرح عليَّ دوتشيف سؤالًا غريبًا ثم غادر.
سألني لماذا رفضت الذهاب إلى الطبيب حينما شعرت بآلام في بطني في المرة الماضية.
“بالطبع كنتُ أخشى أن ينكشف أمري”.
أنا وهو يعرف حقيقتي، فظننت أنه سيدرك السبب. لكنه لم يفعل، فقد ابتسم ساخرًا ثم قال إنه سيبحث عن طبيب موثوق لأنني قد أمرض فعلًا.
“لقد كان غريبًا حقًا اليوم”.
تجولتُ في الحديقة لأهضم طعامي، وأنا أتذكر تصرفات دوتشيف.
لم يكن مختلفًا عن المعتاد عندما رأيته في الغرفة، لكنه بدا غريبًا منذ أن جلسنا على مائدة العشاء.
هل تحدث مع ماي بشيء؟
فقد أرسلني إلى المائدة وحدي، ولم يتبعاني.
“لكن أين ذهبت ماي؟”
ما زالت ماي لم تعد إلى المائدة رغم مرور وقت طويل على انتهاء العشاء. ولم أرها في الغرفة أيضًا.
خشيتُ أن تكون قد تبعتي، فبدأتُ أتفحص الحديقة، وهناك صادفتُ شخصًا غير متوقع.
“آه، نيكولاي!”.
ظننتُ أنني لن أصادفه في الحديقة.
لكنه سمعني وأدار رأسه.
هاها.
ابتسمتُ بتكلف وانحنيتُ برأسي، وكأنني أقول: ليمضِ كل منا في طريقه.
لكن نيكولاي أسرع نحوي.
“هييي!”.
عندما رأيته يقترب بوجه مخيف، تراجعتُ خطواتٍ إلى الوراء دون أن أشعر.
فجأة، عبس نيكولاي أمامي باستياء.
“يبدو أن وجهي يزعجكِ”.
أردتُ أن أقول: “إنه أنت”، لكني أشرتُ بيدي بكل قواي نافيةً.
حينها توقف نظره عند ذراعي.
“هذا مقبول”.
كان السوار الذهبي الذي أهدانيه لا يزال على ذراعي.
لقد نسيتُ خلعه فقط… لكن، على أي حال، هذا جيد.
“لم أستطع التخلص منه، لذا سأرتديه اليوم فقط، ثم سأحتفظ به كتذكار ثمين”.
“لماذا؟ ارتديه حتى يبلى”.
“كلا، فأنا كثيرة النسيان وقد أفقده. لذا من الأفضل أن أحتفظ به…”
“إن فقدتِه، سأشتري لكِ آخر”.
“ماذا؟”.
هل سيفعلها مجددًا؟
“قلتُ لكِ: ارتديه”.
“حسنًا…”.
لم يسعني إلا الموافقة.
بل بدأتُ أخطط في ذهني لأني سأتظاهر بفقدانه يومًا ما لأحصل على سوار جديد.
“ماذا قلتِ لعمي؟”.
سأل نيكولاي عن الأمر السابق.
لابد أن استغراب لودفين الذي انصرف بسلام بعد كل تلك الفوضى، أثار فضوله.
“لأنه عم دوتشيف، قلتُ له بعض الكلام الحسن”.
“هراء”.
تصلب وجه نيكولاي.
“إن كان يصعب عليك تصديق ذلك، فاسأل لودفين بنفسك”.
“إذاً، لن تخبريني”.
“يبدو أن لودفين لم يخبرك أيضًا، فلا يمكنني أن أسبقه”.
فمن المستحيل أن لودفين أخبره.
وهذا ما أتاح لي ذريعة مريحة.
“ها!”.
“قيل إن التنهد يسلب الحظ”.
“يبدو أن هذا صحيح”.
لكن ما بي؟!
هكذا قال نيكولاي بضحكة خافتة.
وارتفع العبوس الدائم عن وجهه.
عندما ارتخت ملامحه المتجهّمة، بدا وجهه مختلفًا تمامًا، وكدت أُطلق شهقة إعجاب، فقد أصبح يشبه دوتشيف كثيرًا.
“ألن تجيبيني عن هذا السؤال أيضًا؟”
“أي سؤال؟”
“الطلب. ما وعدتُك به مقابل القبض على الخائن”.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 95"