***
“سيّدي الشاب؟”
كان ذلك عندما توهَّم كارل أنه لمَحَ دوتشيف.
حالما تلامست أعينهما، بدأ الشاب يلوذ بالفرار من الفناء.
أسرع كارل خلفه أيضًا.
“سيّدي الشاب!!”
واصل مطاردته بلا هوادة.
ركض دوتشيف بخفة عبر الأزقة المتشابكة، مُختفيًا عن الأنظار سريعًا.
على عكس دوتشيف الذي اعتاد تسريح شعره بأناقة إلى الأعلى، كان هذا الشخص أمامه أشعثَ الرأس غيرَ مهذَّب، لكنه كبيرُ خدمٍ رافق دوتشيف منذ نعومة أظفاره.
فكيف له ألا يعرفه؟!
“سيّدي الشاب دوتشيف!”
فحتى عندما نُودي باسمه، لم يلتفت خلفه قط.
بل والأكثر من ذلك، كانت خطواته سريعة بشكل لا يُصدَّق.
“آه…!”
تظاهر كارل بالانهيار، لكن الشاب بدا وكأنه اغتنم هذه الفرصة واختفى سريعًا في الظلام.
“من قسوة قلبه، هذا سيدنا الشاب بلا شك.”
حالما تأكد أنّه دوتشيف، غمره اليأس.
“هذه كارثة، كارثة حقيقية.”
تسرب صوتٌ أجَشُّ بين شفتيه.
كان هذا أسوأ السيناريوهات حقًا.
قالت هالارا إنها حامل.
بل إنها علَّقت لافتة تمنع الرجال من دخول المنزل بسبب الطفل.
والرجل الوحيد الذي كان يتردد على ذلك المنزل لم يكن سوى الشاب دوتشيف!
حتى ذلك الشاب النزيه تنكَّر في ملابس عامة الناس لئلا يُعرَف، وكان هناك يُقشِّر البطاطس.
“هل سيّدي الشاب دوتشيف حقًا… هو الأب؟”
أيمكن حقًا أن تكون هالّارا حاملًا بطفل دوتشيف؟
أيعني هذا أنَّ شابًا من دمٍ عامي سَيُولَد في هذه العائلة؟
وليس عن طريق زواج شرعي، بل بين رجل وامرأة غير متزوجين.
وفوق هذا، هو فعلٌ اقترفه شابٌ سمعته كسمعة وغدٍ كامل الأوصاف.
“يا للهول.”
ستتدمر الأسرة الآن تمامًا.
تأمل كارلوس في يأس طويلًا.
لم يعد إلى قصر عائلة بلوديماري إلا بعد أن غربت الشمس وحلَّ الليل.
وفي اليوم التالي، ظلَّ مُثقلًا بالهموم نفسها.
“كيف لي أن أُبلِغ عن هذا الأمر؟”
ربما تنهار من الصدمة.
فماذا سيحدث لـ”بلوديماري” بعد ذلك…
وماذا سيحدث لمصيري أنا…
“لوس…”
ستنفصل رقبتي عن جسدي…!
“كارلوس!”
أو سأُقلى في زيتٍ حامٍ…!
“كبير الخدم!”
“أ-أنقذوني، أستأمنكم الله على حياتي!”
ضاع في تخيلاتٍ أنه يُسحَب إلى جحيمٍ هائل، فانهار أرضًا وتكوَّم على نفسه.
وبينما هو جاثم هناك مُغمض العينين بإحكام من الرعب، سمع صوت امرأة.
“ما الذي أصابكَ اليوم طوال النهار؟”
وكان صوتَ ملك الموت الذي أراد تجنبه أكثر من أي شيء آخر.
عندما فتح عينيه بحذر، رأى أظافر فرانشيسكا الحمراء تقترب منه.
كارل، الذي تخيل الأسوأ، انتهى به الأمر إلى زلة لسان.
“سيّدتي، إذا فكرتِ في الأمر، هذا ليس خطأي أنا حقًا أيضًا!”
“ماذا؟ ماذا تعني… هل وقعت حادثة أخرى؟”
كانت عيناه قد بلغت نصفَ نوبةِ جنونٍ بالفعل.
“ما-ما الذي ارتكبته أنا من خطأ؟ إذا فكرتِ في الأمر، أليس ابنكِ هو من اقترف الإثم، يا سيّدتي؟”
كفأرٍ محاصَر يكشر عن أنيابه في وجه قطة.
“أي هراءٍ هذا غير المحترم؟ اشرح لي كي أفهم.”
“أ-أ-أ-أ-أ-ابنكِ الشاب دوتشيف!”
أخذ كارل، الذي اعتراه الخوف والرعب، يهذي بكل ما يخطر بباله.
لا فائدة من التجميل على أي حال.
ما حدث قد حدث.
لقد كان ميتًا.
بالإضافة إلى سيّده الشاب دوتشيف.
“دوتشيف؟”
عندما ورد اسم ابنها – وهو نقطة الألم لديها – تصلَّب وجه فرانشيسكا.
من وجهة نظرها، كان هناك سبب واحد فقط يجعل كارل يتصرف بهذا الشكل.
“لا تقل لي إن الأمر يتعلق بتلك المرأة التي جاءت المرة الماضية؟ التي قالت إنها حامل بطفل دوتشيف”
انخفض صوتها فورًا إلى نبرة منخفضة، خشية أن يسمعها أحد.
ارتجف كارل تحت نظرتها الحادّة كالسيف.
“هذا صحيح.”
“كارلوس، سأسامحك عن وقاحتك السابقة بسخاء. لكن من الآن فصاعدًا، يجب أن تُجيب على أسئلتي بشكل صحيح. هل تفهم ما أقول؟”
تعني أنه يجب ألا يرتكب أي أخطاء لفظية.
“بالطبع.”
“إذاً أعطني تقريرًا مناسبًا. قف منتصبًا. أي تصرفٍ مشينٍ هذا أمام الخدم؟”
عند توبيخها الحاد، استقام كارل فورًا.
حتى في هذه الحالة، كان هذا التصرف نموذجيًا جدًا لفرانشيسكا.
لكن هذه الأفكار مرت بعقله للحظات فقط.
“ذهبتُ إلى منزل تلك المرأة العامّية.”
ثم تابع كلامه.
“كانت هناك لافتة أمام منزل المرأة تقول إن الرجال ممنوعون من الدخول.”
“يا لها من لافتة مناسبة.”
بمثل هذا المظهر، كان من الطبيعي أن يتهافت عليها الرجال، أليس كذلك؟
يالها من سخرية قدر مثيرة للمتاعب.
“أثار فضولي لماذا علَّقت فجأة هذه اللافتة، لذا سألت جارتها… واحزري ماذا، تلك المرأة حامل!”
عند كلماته التي تفوَّه بها بصعوبة، ضاقت عينا فرانشيسكا.
“حامل؟ أهذا صحيح؟”
“نعم. لم يكن لتلك الجارة أي سبب لتكذب عليّ وأيضًا، امرأة كانت تعيش على حساب الرجال ثم ترفض الزوار الرجال فجأة، هذا أيضًا بسبب الجنين في رحمها.”
شبَّكت فرانشيسكا ذراعيها وبدأت تفكر.
رفض الزوار الرجال فجأة كان مريبًا حقًا.
كأنها قطعت على نفسها مصدر رزقها.
ولكن كان ذلك بسبب حملها؟
“قالت الجارة إنها مؤخرًا تذهب إلى السوق وتشتري حاجتها وتطبخ طعامها بنفسها، مدخنة ذلك المنزل، التي لم يكن يخرج منها دخان أبدًا وكانت كالديكور، أصبح الدخان يتصاعد منها كل يوم!”
وبينما كان يتحدث، سخِنت مشاعر كارل أيضًا.
تلك الشخصية تغيرت تمامًا.
كان هذا حملًا بلا شك.
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه.
حان الوقت الآن لمناقشة النقطة الأساسية الحقيقية.
“و… رأيتُ سيّدي الشاب دوتشيف في ذلك المنزل.”
“دوتشيف…؟”
ظهرت تصدعات على وجه فرانشيسكا الذي حافظ على هدوئه حتى الآن.
“كان شعره منسدلًا ويرتدي ملابس رثة، لكنه كان سيدنا الشاب بالتأكيد!”
“هذا الولد كان في منزل تلك المرأة حتى وهو متنكّر؟!”
“نعم. هذا صحيح.”
أجاب كارل بصوت مرتعش.
“لحظة… لماذا كان دوتشيف.”
حتى لو كانت حامل، ظنت أنه سيكون طفل رجل آخر، لكن إذا كان دوتشيف هناك، فالقصة تتغير.
تمايل جسد فرانشيسكا.
حالما شعرت بالدوار، بدأت الأسئلة الطويلة الأمد تتكشف شيئًا فشيئًا.
“الآن بفكر، دوتشيف يخرج كثيرًا مؤخرًا. ويحمل بعض الأمتعة المجهولة أيضًا.”
سبب تركها له وشأنه رغم علمها بأن دوتشيف يخرج كثيرًا في الخفاء كان بسبب الحادثة بين دوتشيف ونيكولاي.
منذ وقت ليس ببعيد، مات كلب الصيد العزيز لدى الابن الأكبر نيكولاي.
ظن نيكولاي أن دوتشيف هو من فعلها وضغط عليه، بينما ردَّ عليه دوتشيف بأنه ليس فعله.
رفع الاثنان أصواتهما وتشاجرا.
بعد ذلك، توقف دوتشيف عن الظهور حتى في وجبات العائلة وبدأ يتجول خارج المنزل.
عندما كان نيكولاي يخرج في أعمال العائلة، كان يبقى في المنزل نوعًا ما، ولكن بمجرد عودة نيكولاي إلى القصر، كان يخرج فورًا ولا يعود إلا عند الفجر.
عرفت فرانشيسكا كل هذا من خلال الخدم، ولكن بما أن ابنيها كانا يتذمران على بعضهما بمجرد تلامس أعينهما، قررت الانتظار والمراقبة في الوقت الحالي.
ولكن…
“تقول إنه… أقام له بيتًا؟”
أخيرًا تسبب ابنها عديم النفع بحادثة حقيقية.
بينما ترنحت فرانشيسكا، عاجزة عن تجاوز الصدمة، أسرع كارلوس لدعمها.
“تماسكي، يا سيدتي!”
“لا. مهما كان دوتشيف شقيًا، إنه ليس ذلك النوع من الأولاد.”
أنكرت ذلك.
مهما تسبب من مشاكل بتجواله، فكان على الأكثر يسرق أشياءً من السوق أو يتشاجر.
كانت لديها فكرة غامضة عن سبب تصرف دوتشيف هكذا.
بين الابن الأكبر الذي اعترف به مبكرًا كفارس لامع والأصغر الذي لُقِّب بعبقري القرن، وُلِد دوتشيف بموهبة عادية فقط وكان دائمًا عبئًا على العائلة.
لذا لا بد أنه كان يتجول خارجًا متوسِّدًا انتباه عائلته.
ومع ذلك، آمنت فرانشيسكا بأن دوتشيف كان فتى يعرف كيف يحافظ على الحدود المناسبة.
آمنت أنه ليس ذلك النوع من الأولاد الذين يرتكبون خطأ لا يمكن إصلاحه، وأنه ليس بهذا القدر من التفاهة وعديم النفع.
“سيّدتي!”
“لا أستطيع تصديق ذلك حتى أراه بعيني.”
أرادت أن تثق به لمرة أخيرة.
***
في القرية الصغيرة بإقليم بلوديماري، مع بداية غروب الشمس تمامًا.
“هذا مصنوع من البطاطس!؟”
صرخت ميشيل، التي تناولت قضمة بحذر من فطيرة البطاطس الساخنة، مندهشة.
“مـا رأيكِ؟”
“لحظة، لحظة!”
حشرت ميشيل الفطيرة في فمها على عجل.
“أوه، ساخن!”
“كلي بتمهل. يوجد الكثير.”
ناولتها كوب ماء بابتسامة راضية.
“هل ناسب ذوقكِ؟”
“أمممم! لذيذ جدًا!”
“فقط كلي الآن.”
بمجرد النظر إلى عينيها المتسعتين، عرفت شعورها.
آخر مرة أثارت ضجة قائلة إنها لا تستطيع أكل فطائر الفلفل الحار التي صنعتها بالفلفل الذي اشتريته من السوق، لكن لحسن الحظ أن فطائر البطاطس هذه نالت إعجابها.
“امضغي جيدًا. وكلي كثيرًا. لا زال لدي الكثير من البطاطس.”
قرقرة، صوت بلع
“أنت صنعتِ هذا من البطاطس؟”
أخيرًا ابتلعت ميشيل كل ما في فمها وتحدثت بشكل سليم.
ومع ذلك، كانت شوكتها لا تزال تتناول الفطائر.
“لا أصدق. كيف أخرجتِ هذا الطعم اللذيذ؟ فطيرة؟ عصيدة؟ بماذا يجب أن أسمي هذا؟ المهم، أنت صنعتِ هذا بالبطاطس فقط! قولي الحقيقة. أضفتِ شيئًا آخر غير البطاطس، أليس كذلك؟”
“لا. هذا صُنع ببطاطس فقط ورشة ملح.”
“حقًا؟”
عندما أومأت برأسها بفخر، ذهبت ميشيل إلى عجينة البطاطس وشمَّتها.
“مذهل، مذهل. وطعمه جيد أيضًا.”
“القوام أيضًا رائع، أليس كذلك؟”
“أجل. كيف استخلصتِ هذه الوصفة؟”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"