شعرتُ أنني نمتُ نوماً عميقاً، لكن اتضح أنني لم أنم سوى القليل.
نزلتُ من أحضان دوتشيف.
هل أنا من تتوهم، أم أن وجهه بدا شاحباً حقاً؟
ربما أصبح يندم على قوله إنه سيتزوجي.
“اذهب!”
فكّرت: قد يتراجع عن كلمته ويقول: “كان الأمر كذا أو كذا”، لذا أسرعتُ بالهروب إلى داخل الجناح.
“سيدتي الصغيرة، أنتِ جائعة؟ سمعتُ أنكِ لم تتناولي الغداء.”
ما إن عدتُ حتى أسرعت ماي وأحضرت المعكرونة.
“يا للروعة! ماي صاحبة الذوق الرفيع!”
استيقظتُ من قيلولتي وأنا أشعر بجوع شديد لم يكن موجوداً من قبل.
“اقترب موعد العشاء لذا أحضرتُ لكِ العشاء.”
“العشاء؟”
ما هذا الكلام؟
عندما خرجتُ من المكتبة كان الوقت قد تجاوز الظهيرة بقليل.
ولكن بنظرتي من النافذة على كلامها، إذا بالشمس تميل نحو المغيب.
“هاه؟ كيف صار الوقت هكذا؟”
متى مرّ الوقت؟
كنتُ أعتقد أن الساعة لم تتجاوز الواحدة بعدُ ظناً مني.
“ذلك لأن السيدة الصغيرة غفت في أحضان سيدي الشاب.”
“ماذا؟ على الأكثر لم أغفُ سوى عشرين دقيقة!”
القصر كبير، لكن المسافة بين المبنى الرئيسي والجناح لا تستغرق سوى ذلك القدر.
ودوتشيف تحديداً سريع الخطى بطول ساقيه.
“عشرين دقيقة؟ لا، أظنها ساعتان.”
“ساعتان…؟”
“كان المنظر جميلاً جداً يا سيدتي.”
قهقهة.
انفجرت ماي ضاحكة بخجل.
“سيدي الشاب قوي جداً أيضاً! لا أدري كم مرة طاف بالجناح وهو يحمل السيدة الصغيرة! أظن أن جميع خدم الجناح رأوه!”
“لحظة لحظة هل تقولين حقاً أن الأمير كان يحملني ويتجول بي؟”
“عرضتُ أن أوصلكِ إلى الغرفة، لكنه قال ألا نلمسكِ لأنكِ تبدين متعبة.”
يا إلهي.
هذا انتقام.
هذا انتقامه لأني ناديته “يا عزيزي” وسط فرسان الساحة.
لكن فكرة حمله لي طوال ساعتين…
يبدو أنه كان يتدرب بجدية حقاً.
الحمد لله يبدو أنه لا تظهر عليه بوادر العودة ليكون الشقي المستهتر.
“أوهوهو، أنا سعيدة جداً.”
“أرجوكِ ماي، توقفي عن مضايقتي.”
“حاضر يا سيدتي كلي قبل أن يبرد الطعام هذه المعكرونة صنعها رئيس الطهاة باستخدام معكرونة جديدة استوردها، مستلهماً المعكرونة التي أعددتها في المرة الماضية.”
شرحت ماي بلطف وهي تضع الطعام على الطاولة.
يبدو أن هيوستن تأثر كثيراً بطعم المعكرونة التي أعددتها بصلصة (الجابتشاي) في المرة السابقة، وظل فضوله تجاه ذلك الطعم يلح عليه فترة طويلة.
أعطيته الوصفة، فيظهر أنه أجرى عليها بعض التجارب والأبحاث.
أمسكتُ بالمعكرونة وأنا أمسك ببطني الجائع وأدخلتها إلى فمي.
“لذيذة!”
حتى لو كنتُ أكلتُ بطاطا مسلوقة لكانت لذيذة، لكن هذه المعكرونة كانت في قمة الروعة.
أحقاً لأنها وصفتي؟
أم لأن مهارة هيوستن أضفت عليها رونقاً خاصاً؟
لم تكن المعكرونة مقطعة كالعادة، بل باستخدام معكرونة ذات قوام مطاطي، أصبح الطعم أفضل بكثير.
أظن أن صنع (النودلز الكورية) ممكن أيضاً.
بفضل شغف هيوستن بالبحث والتجربة، يبدو أن إنتاج (النودلز الكورية) ليس ببعيد.
وعندها، ستتضاعف الأطباق الكورية التي يمكنني صنعها.
وبينما كنتُ أمسح وجهي بعد أن التهمت المعكرونة وكأنني أشربها، وأربت على بطني الممتلئ،
“السيدة الكبيرة تطلب رؤيتكِ يا سيدتي الصغيرة.”
أخيراً، أتى ما لا بد منه آتٍ.
‘لا بد أنها سمعت بخبر زواجي.’
مسحتُ فمي على عجل.
لعل الأكثر اندهاشاً هي فرانشيسكا.
لقد أدخلتني لأكون امرأة تحب ابنها الذي هو بمثابة إصبعها الموجع، وإذا بي أطلب إقامة حفل زواج.
‘لا بد أنها مصدومة.’
لا بد أنها كانت مستعدة لطردي في أي لحظة.
ومؤخراً، صار دوتشيف يكثر من التدريب ولا ينشغل بأمور أخرى، فلعلي صرت مكروهة لديها أكثر فأكثر.
آه، لا يهم.
هذا كله لمصلحة هذه العائلة، أليس كذلك؟
فتحتُ باب غرفة الاستقبال حيث كانت فرانشيسكا تنتظرني.
كانت جالسة بهدوء أمام الطاولة.
“لقد جئت.”
أُغلق الباب وعمّ الصمت.
صمت غريب، لكنه مرّ بذاكرتي كلوحة مألوفة فجأة.
«خذي هذا المال وابتعدي عن ابني!»
مشهد شائع في المسلسلات.
لكن لو كان الأمر كذلك، لطردتني منذ اليوم الأول الذي جئت فيه إلى العائلة.
شعرتُ بأنني جئتُ من بعيد جداً لأتوقع مثل هذه المهازل.
تـُـك.
سقطت ربطة قماش ثقيلة على الطاولة.
لم يكن ظرفاً، بل ربطة قماش.
“هل هذا مال؟”
“أجل.”
تخلّيتُ فوراً عن توقعي بأنها قد توافق على الزواج.
أكان ما قالته عن زيارتي لاحتساء الشاي لمجرد المجاملة؟
قلتُ في نفسي: قد تكون كذلك، فهي سيدة نبيلة.
هي اعتادت على استخدام العامة، ولم تعتاد على اتخاذهم أصدقاء.
حاولتُ أن أتفهمها، فهي تراني امرأة غير كافية لابنها على الإطلاق.
“أخبرني دوتشيف بما حدث. قال إنكما ستُقيما حفل زواج، أليس كذلك؟”
كان بوسعي توقع السطر التالي من الحوار.
“سيدتي. قبل أن تكملي، هل تسمحين لي بقول كلمة؟”
“ليس لديَّ متسع من الوقت.”
آه، إنها ترسم حدوداً هكذا.
هذا يؤلمني قليلاً.
“أنتِ أول من طلبتِ إقامة حفل الزواج، أليس كذلك؟”
“آه، نعم.”
“أما تذكرين أنني قلتُ لكِ عندما أدخلتني إلى هذه العائلة أول مرة، أننا سنقيم لكِ حفل زواج متى ما توفرت الإمكانية؟”
“بالطبع.”
لكن أن أطلب الزواج بهذه العجالة… أتسخرين مني؟
هل لأنني عاملتكِ بلطف، أصبحتِ تستخفين بهذه العائلة أيضاً؟
هل تعتقدين أنكِ بمجرد تقشيركِ بصلة، أصبحتِ في مستواي؟
…لو كانت ستفعل هذا، لوجب أن أخبرها بحقيقة الأمر.
يجب أن يتم الزواج، لذا لا بد من إخبارها.
“أنا أيضاً لا يسرني أن يحدث الأمر هكذا.”
حسناً، ظننتُ أنها ربما تحاول أن تبلغني الأمر بلطف، دون أن تصبّ الماء البارد على رأسي.
دق دق-
“سيدتي، وصلت الضيفة.”
ضيفة؟
“وصلت في الوقت المناسب.”
دخل مع رئيس الخدم كارل سيدة في منتصف العمر، ترتدي ملابس فاخرة وتحمل عدة حقائب ممتلئة.
“آنسة كوكو ديور، أهلاً بكِ.”
استقبلتها فرانشيسكا بوجه بشوش.
تساءلتُ عن سبب مجيء ضيفة فجأة.
“المال جاهز لدينا مهما كانت التكلفة أسرعي وصنعي فستان زفاف لهذه الفتاة.”
أخذت فرانشيسكا ربطة المال وأعطتها إياها.
هذا المال… ألم يكن من المفترض أن تعطيه لي أنا؟
***
لم تكن فرانشيسكا قد استدعت سوى مديرة مشغل أزياء مشهورة بمهارتها في العاصمة.
“مدام، أرجو أن تتفضلي بالإشراف عليها دعوني أقدمها لكم أولاً. هذه زوجة ابني، هالارا.”
“يا إلهي! إذاً ها هي أول زوجة ابن في عائلة بلوديماري! إنه لشرف عظيم لي أن أشارككم هذه المناسبة.”
فتحت المدام ذات القوام الممتلئ ذراعيها، وكأنها تفتح ذيل طاووس، لتكشف عن أقمشة فاخرة رائعة.
وانتهى بي الأمر مغمورة في أحضانها.
“آه، أهلًا بكِ. أنا هالارا سيهيب. تشرفت بمعرفتك.”
على الرغم من أنني سلمتُ عليها، إلا أنني لم أستوعب الموقف بعد.
“سمعتُ أنكِ كنتِ في العاصمة، شكراً جزيلاً لمجيئكِ بهذه السرعة.”
اقتربت فرانشيسكا مني بوجه متأثر، مما أتاح لي الفرصة للخروج من أحضان المدام.
“في الحقيقة، انتهى موسم الحفلات الاجتماعية، وكنتُ في إجازة في فيلتي القريبة من هنا، لذا أتيتُ حالاً ولكن حتى لو كان الموسم قائماً، لو تلقيت دعوة من الدوقة الكبرى لكنت أتيت راكضة.”
“شكراً لكِ. حسنًا، أرجو أن تتفضلي اصنعي لها فستاناً يُظهرها في أجمل حلة.”
أكدت المدام عزمها وهي تشرع مع مساعداتها في فتح الحقائب الثقيلة.
وانتهزتُ هذه الفرصة لأسأل فرانشيسكا:
“سيدتي، لدي كلام أود قوله.”
كنتُ في الواقع سأخبرها بأن حفل الزواج ما هو إلا خدعة بالتعاون مع نيكولاي للإيقاع بالخائن.
لكن فرانشيسكا سبقتني بخطوة.
“أخبرني نيكولاي قال إن هناك سمكة صغيرة تختبئ في العائلة”
إذاً، لقد علمتِ بالأمر.
“نعم. لذا لا داعي لتكبد عناء كبير في هذه المناسبة. يكفي فقط أن تتعرف عليّ أفراد العائلة.”
المال الذي أعطته فرانشيسكا للمدام، لم تفتحه لكن من المؤكد أنه كان مبلغاً ضخماً.
كان قصدي ألا داعي لإنفاق هذا المال.
“لا. يجب أن نعدّ لها إعداداً جيداً وبأبهة وحفاوة بالغتين.”
لكن عينيها كانتا تحكمان عزماً وإصراراً.
“كنتُ أعتقد أنكِ لم تكوني مرتاحة لي، ولذا لم تسمحي بإقامة حفل الزواج طوال هذه المدة…”
“صحيح. لهذا السبب أدخلتكِ إلى العائلة، ولم نُقم لكِ حفل زواج.”
التقطت فرانشيسكا أنفاسها ثم تابعت:
“بصراحة، كنتُ أعتقد أن إقامة حفل الزواج سيكون مبالغاً فيه كنتُ أخشى نظرات الناس أيضاً. أن يكون للعائلة الدوقية زوجة ابن من عامة الناس، إنه لأمر يغضب الدوقات الراحلات ويسقطهن صرعى لو علمن به فنحن لم ندخل إلى العائلة عبر الأجيال سوى بنات من عائلات مختارة بعناية، تلقين تعليماً صارماً.”
التعليقات لهذا الفصل " 57"