بعد أن طلبتُ من هيلبورن بأدب أن ينتظر، أسرعتُ بتغيير ملابسي استجابة لنداء فرانشيسكا ومضيتُ للقائها.
كانت خطتي الأصلية أن أغادر الدوقية مع هيلبورن بسلام، لكن فرانشيسكا طلبت لقائي فجأة، مما اضطرني للبقاء هنا.
منذ قليل، كان عطر شاي الرويبوس يَعبقُ برقةٍ وأناقةٍ في الأرجاء.
“أجل، شربتهُ بامتنانٍ كبير.”
“إنه شاي رائع، خالٍ من الكافيين، لذا يمكنكِ تناوله ليلاً دون قلق إن احتجتِ المزيد، فقولي لي سأحضرهُ لكِ حتى لو استدعى الأمر استجلابه من أقاصي البلاد.”
أومأتُ برأسي دون وعي مني، فلين لهجة فرانشيسكا وقد لانَ عودُها.
“أشكركِ جزيل الشكر.”
ابتسمتْ بخفر وهي ترتشف شايها.
بل إنها تناولتْ حبة معكرون من طبق الحلويات ذي الطوابق الثلاثة الذي قدمته لنا، وأخذتْ تُدندنُ لحناً مبهجاً.
شربتُ أنا الأخرى الشاي بارتباك، وقلدتُها بتناول حبة معكرون.
فامتلأ فمي بتلك الحلاوة الفخمة والمُبهرة.
على أية حال..
“بخصوص ما أردتِ التحدث فيه..”
“أتعرفين، مخلل البصل الذي صنعتِه المرة الماضية؟ لقد كان لذيذاً حقاً.”
“آه، أجل. أليس قد نضج جيداً؟”
“همم. ظننتُ أن تناوله سيكون صعباً لأنه يلسع العينين كثيراً عند تقشيره لكن الغريب أنه لم تكن فيه أي حدة على الإطلاق كان حلواً ومملحاً، وتماشى مع اللحم تماماً كما قلتِ.”
أخذتْ فرانشيسكا في الكلام كثيراً.
يبدو أنها كانت تخبئ في نفسها شيئاً بخصوص إجباري إياها على تقشير البصل.
“لا عليكِ، سأصنعها لكِ أنا من الآن فصاعداً.”
لم أرَ أحداً يبكي بمرارة مثلها منذ وقت طويل، لذا شعرتُ بالأسف تجاهها أنا أيضاً.
“لا داعي أنتِ أيضاً سيبدأ ثِقلكِ يزداد قريباً، وعليكِ الحذر.”
ماذا؟
ثقلي يزداد؟
خفضتُ نظري إلى بطني.
تساءلتُ إن كان وزني قد زاد قليلاً لأنني ارتكيتُ على قوام هالارا النحيف الممشوق وأهملتُ نفسي.
ولكن، ما زال خصرها يُقرصُ بين الأصابع، فكيف يكون قد زاد عليها الوزن؟
في تلك اللحظة، تردد صوت حماتي السابقة في أذني.
«المرأة التي تهمل نفسها بعد الزواج، يصيبها الرجل بالهجران عليكِ دائماً أن تتزيني وتتأنقي أمام زوجك، وتلبسي ثيابكِ الأنيقة حتى لو كانت غير مريحة.»
لا أدري أي قانونٍ كان يُطبَّق في بلدها، لكنها كانت تُجبرني دائماً على أن أكون مثالية.
ما بال ابنها؟!
لم يتجاوز الأربعين بعد، وقد صار خصره أربعين بوصة!
كان عليَّ أن أردَّ عليها بكل وقاحة في ذلك الوقت..!
“على فكرة، بماذا أردتِ..”
“هل زرتي الحديقة من قبل؟”
حاولتُ النهوض من مكاني لقطع شريط الذكريات المؤلم، لكن فرانشيسكا قاطعتني هذه المرة أيضاً.
“نعم، زرتها مع سيدي الشاب ذات مرة.”
“مع دوتشيف؟ دوتشيف يذهب إلى الحديقة؟ هذا مذهل حقاً.”
اتسعت عيناها.
بدا أنها تود قول شيء آخر، لكنها كظمت غيظها وأبت إلا أن تبتلع كلماتها لجهدٍ ما.
“هل هناك أمر تودين قوله لي؟”
سألتُها هذه المرة بسرعة، مستغلةً الفرصة.
قد يبدو سؤالي وقحاً بعض الشيء، لكنني حقاً أردتُ أن أعرف سبب استدعائها لي.
“آه… لا.”
“ماذا؟ إذاً لماذا طلبتِ رؤيتي..”
“ألا يحق لي أن أطلب رؤيتكِ دون سبب؟”
“ماذا؟”
كنتُ أنا المرتبكة هذه المرة.
“فقط لنتشارك كوب شاي معاً… ونتحدث قليلاً.”
“آه..”
“لأنني لم أنجب سوى الأولاد.”
هزت كتفيها بخجل، ثم أخفت وجهها خلف فنجان الشاي.
ثم تمتمت قائلة:
“صديقاتي… تزوجن جميعاً ومن الصعب رؤيتهن هذه الأيام.”
شربتْ رشفة طويلة من الشاي.
ثم رشفة أخرى أطول..
ظلت ترشف الشاي لوقت طويل.
لم أستطع الرد على كلماتها على الفور، لسبب ما.
ربما لأنني رأيتُ في فرانشيسكا، التي طالما اعتبرتها شبيهة بحماتي، صورةً مني في الماضي.
صورةً مني في تلك الأيام التي لم أجد فيها وقتاً لنفسي، مشغولةً بالتفكير في أهلي.
“اطلبي رؤيتي من وقتٍ لآخر.”
لم أستطع رفض طلبها.
“حقاً؟”
أخيراً أنزلت فنجانها.
ثم تنحنحت بصوت عالٍ وكأنها تشعر بالخجل.
“أجل.”
“حتى لو كنتِ لا ترغبين في شيء، يمكنكِ القدوم إلى الجناح الملحق لزيارتي. سأصنع لكِ شيئاً لذيذاً.”
ابتسمت فرانشيسكا حتى انحنى عيناها الواسعتان على شكل هلال.
انفرج ذلك العبوس الدائم الذي يعلو جبينها، وتجعدت زوايا عينيها بتجاعيد ناعمة.
فجأة، بدت جميلة جداً لدرجة أن فاهي انفتح من تلقاء نفسه.
“سأزوركِ بالتأكيد.”
“..أجل.”
“ولكني لا أريدكِ أن تتعبِي نفسكِ، لذا دعيني أنا أعدُّ لكِ الطعام الشهي.”
يبدو أن فرانشيسكا، مثل دوتشيف، كانت قلقة على صحتي.
لم أكن أعلم السبب، لكنني أومأتُ برأسي معتبرةً ذلك نوعاً من الاهتمام العائلي.
“هالارا، أتذكرين ذلك الكيمتشي الذي أعددتِه لي في المرة الماضية؟ هل يمكنكِ إعطائي الوصفة؟”
“إذا كنتِ ترغبين في تناوله، يمكنني أن أصنعه لكِ.”
“سأصنع كمية كبيرة جداً، لذا فقط أعطيني الوصفة. وتفضلي بتذوقه لاحقاً.”
ارتفعت نبرة صوت فرانشيسكا.
“يبدو أن الكيمتشي يناسب ذوقكِ أكثر من مخلل البصل. أليس للحار سحر خاص يفتح الشهية؟”
“في الحقيقة، دوتشيف قال إنه يفضل الملفوف (الكيمتشي) الذي صنعتِه على مخلل البصل… لذا أريد أن أصنع له المزيد.”
أضافت كلماتها بخجل.
يبدو أنها قدمت له طعامها الذي أعدته.
‘ظننتُ أنها لن تعطي دوتشيف شيئاً.’
ابتسمتُ بخفة، فقد شعرتُ بالسعادة لأن فرانشيسكا تهتم بأمر دوتشيف.
“سأساعدكِ بكل ما أستطيع، نفساً ومالاً.”
لكن بما أنها ستعد كمية كبيرة..
خطرت ببالي فكرة جيدة.
“هل يمكنني استقدام من يساعدكِ في صنع الكيمتشي؟ أعرف شخصاً ماهراً جداً في الطهي.”
سأحضر ميشيل.
***
“سسخ… أين بحق الجحيم يقع هذا المنزل؟ منزل هؤلاء الصعاليك!”
للساعة الأولى الآن، يتجول هيلبورن في السوق بعد أن غادر القلعة.
هيلبورن كان أعمى الاتجاهات.
“آه! لماذا الخريطة معقدة إلى هذا الحد؟”
في الحقيقة، كان ضياعه رومانسياً.
لأنه كان يحلم بلقاء امرأة وقصة حب أثناء توهانه في الطرقات.
لكن بدلاً من اللقاء المصيري، كان السوق الذي وصل إليه بصعوبة بالغة بعد اتباعه للخريطة مكتظاً بالناس لدرجة استحالة المرور.
دخل هيلبورن زقاقاً ضيقاً وأعاد فتح الخريطة التي أعطته إياها هالارا.
الطريق غريب.
ومع ذلك، لم يكن يعرف كيف يفرق بين الاتجاهات الأصلية.
“أنا أموت من الجوع.”
شكا بطنه الخاوي.
حقاً، كان السيف الدموي والطاقة الدموية مختلفين عن طاقة السيف العادية.
استهلاكه للطاقة كان كبيراً لأنه كان يجهد العضلات والدم في آنٍ واحد.
“بهذا المعدل، سأفقد عضلاتي الغالية…”
جالت عينا هيلبورن في السوق مجدداً.
كان السوق يبيع شتى أنواع الطعام.
اللحوم والوجبات الخفيفة منتشرة في كل مكان.
كان الناس يلتقطونها بأيديهم العارية ويأكلونها، ثم يمسحون أيديهم على سراويلهم.
ثم يتجاذبون أطراف الحديث مع أصحاب المحلات أمام الطعام، وهم يرشقون اللعاب بحماس.
“إييع.”
كان هيلبورن معتاداً على تناول الطعام مع الفرسان في ساحة التدريب، لكنه كان نبيلاً رفيعاً بالفطرة.
لم تكن لديه مناعة ضد طعام السوق الخالي من مفاهيم النظافة.
“ألا يوجد مطعم لائق هنا؟…”
بدا السوق مستحيلاً، فانسحب منه مسرعاً.
لم يعد أمامه خيار الآن سوى أكل أي شيء.
استنشق الهواء، ففاحت رائحة شهية من مكان ما.
اتخذ هيلبورن من سيفه الدموي عصاً يتكئ عليها، وحرك جسده نحو مصدر الرائحة.
رأى دخاناً يتصاعد من مدخنة منزل صغير بين الأشجار.
حتى عقل هيلبورن المصنوع من عضلات كان يدرك أنه ليس مطعماً، لكنه اعتقد أنه إذا دفع نقوداً، فسيحصل على شيء ليأكله.
كان الباب موارباً بعض الشيء.
حتى لو لم يكن مفتوحاً، كان سيفتحه بالقوة، لكنه كان أفضل حالاً.
“أنت أيها…”
كان هيلبورن يحشر جسده الضخم عبر الباب الصغير.
“ماذا؟”
صاحب المنزل، الذي كان من المفترض أن يكون منهمكاً في إعداد الطعام.
“أنقذوني، أرجوكم.”
كان ممسوكاً من قبل رجل يرتدي رداءً أبيض.
“أنا جائع.”
كان موقفاً مزعجاً.
“أيتها العجوز، أين الطعام؟”
“ماذا، تقووول…”
بقي بعض الخضار على لوح التقطيع، مما يعني أن الطعام لم يكتمل بعد.
صر هيلبورن على أسنانه.
“سسخ. أنا أموت من الجوع ولا وقت لدي لمثل هذه المضايقات.”
سحب سيفه.
بدا أن قتل هذا الوغد فحسب سيمكنه من تناول الطعام، لذا فهذا ما سيفعله.
“من الأفضل لك ألا تهاجم.”
عندها، انبعث صوت عميق وكأنه صدى من كهف من تحت الرداء الأبيض.
صوت مزعج، مألوف وغريب في آنٍ واحد، وكأنه ليس بشرياً.
أين سمعت هذا الصوت من قبل؟
لا فائدة من التفكير، فرأسه لن يعمل.
“الأولى بك أنت أن تنسحب. سيد السياف الأعظم هذا جائع جداً.”
ما أن انتهى كلامه، حتى انتشر صوت فرقعة قصير.
كانت لحظة التحام سيف هيلبورن الدموي بسيف الرجل.
تاك!
تصادمت الطاقة الحمراء المفعمة برائحة الدماء مع السيف الفضي اللامع وجهاً لوجه.
شعور مزعج وخز وتقيأ اندفع عبر السيفين الملتقيين كالارتداد.
حاجز ضوئي خافت ومطلق تسرب من سيف الخصم.
“…هااه.”
انفتح فاه.
اختفت كل ملامح الملل والضيق التي كانت على وجهه قبل لحظات، وحل محلها فضول طفل وجد لعبة جديدة، واختفى الحذر والعداء.
“…ستندم.”
تراجع الخصم إلى الوراء وأعاد قبضته على سيفه.
ارتسم الحذر بوضوح على وجهه الذي كان جامداً قبل لحظات.
لقد أدرك أن طاقة السيف الدموي كانت شاذة وغير طبيعية فوق ما يتصور.
رفع هيلبورن سيفه ببطء وتأمله وكأنه يمعن النظر في ضوئه.
كانت خيوط الدم الحمراء تتدفق وكأنها كائن حي.
وأخيراً، أغمض عينيه قليلاً وتمتم قائلاً:
“أوه… ذلك الفارس الذي رأيته على الحدود آنذاك. تفوح منك رائحة مشابهة.”
تلك الزوايا من فمه ارتفعت ببطء وكأنها تتمزق.
كانت ابتسامة ملتوية، يصعب تمييز إن كانت إعجاباً أم فرحاً.
التعليقات لهذا الفصل " 50"