5
عند وصولنا إلى ورشة الحدادة، استحوذت سيوفٌ طويلةٌ معلقةٌ على الحائط من بعيد على ناظري.
‘هل يبيعون سكاكين مطبخ في مكان كهذا؟’
قررت أن أمر عليهم، بغية التسوق فحسب، وكذا لأستوضح بعض الأمور.
لكن…
“أوه.”
رأيته هناك.
“ذلك المرتزق من ذلك اليوم؟”
ذلك الرجل ذو الشعر القرمزي المنسدل، والذي كان يمسح سيفاً بحركة يدٍ متئدةٍ.
“لوسمحت.”
لقد حان الوقت أخيراً لأسترد ثمن التفاحات.
عند الاقتراب منه، بدا المرتزق كأنه لوحة مرسومة.
تلك الخصل الطويلة من الشعر لا تزال تحجب عينيه.
ذلك الأنف الطويلة المرتفعة.
قطرات العرق المتلألئة تحت دفء أشعة الشمس.
وحتى تلك اليدان الكبيرتان وهما تهذبان السيف.
لو نظرت إلى وجهه الأملس الناعم الخالي من العيوب، لظننت أنه لم يعرف معاناة قط، لكن يديه كانتا مليئتين بالندوب.
‘لماذا رفع كميه ليجعلني أتراخى في عزمي؟’
من الطبيعي أن يكون المرتزق مليئاً بالجروح، ولكني كدت أشعر بالشفقة عليه وأخفض ثمن التفاحات من تلقاء نفسي.
آسفة، لكن وضعي حرجٌ أنا أيضاً.
ذلك المرتزق على الأرجح يكسب مالاً وفيراً على أي حال.
أما أنا، إذا لم أستطع إدارة تجارتي فوراً، فسأواجه خطر الجوع.
طنق طنق طنق
رفعت صوتي مرة أخرى، متجاوزاً صوت مطرقة الحداد الصاخب.
“لوسمحت.”
سواء اقتربت منه أم لا، استمر هو في التركيز بصمت على مهمة تلميع سيفه.
يبدو سيفاً عتيقاً، فما الذي يجعله ثميناً لهذا الحد؟
“أيها السيد الذي يلمع السيف هناك.”
أضفت بعض القوة إلى صوتي.
بهذا الحد، أليس من الواضح أنك تتجاهلني عمداً؟
ضغط
أنا آسفة، لكني وطأت على حذائه العسكري.
بما أنه كان ينظر إلى الأرض، فلا بد أنه رأى أن قدمه دُست.
“……ماذا تريدين؟”
أصدر صوتاً أجشاً.
لقد رفع رأسه أخيراً.
“أتذكرني، أليس كذلك؟”
كنت مستعدةً للمطالبة بالمال حتى لو قال إنه لا يتذكر.
لكنه أومأ برأسه موافقةً بصوتٍ بالغ الخفوت.
“……حسناً، يسعدني أنك تتذكر.”
هل يتذكر حقاً؟
أصبت بالارتباك لأنني توقعت ألا يتذكر، لكنني حاولت التظاهر بعدم التأثر ومددت يدي.
تظهر علامة استفهام على وجهه.
“المال.”
“هل عليّ دينٌ لك؟”
“إنه دينٌ بكل تأكيد.”
ثمن التفاحات التي أفسدتها.
بما أنني دفعت عنه، فهو مدينٌ لي.
“يبدو أنه ليس ديناً.”
أوه؟
انظر إليه.
“بل هو دين!”
كنت على وشك أن أخاصمه، لكنه نهض من مكانه.
ولكن يا لطول ساقيه! كان وجهه مرتفعاً للغاية فوق رأسي.
“لماذا، لماذا تنهض فجأة؟”
هل تظن أني سأجفل إذا حاولت إرهاقي بطولك وجسمك؟
قد أبدو من الخارج فتاةً شابةً رقيقةً وجميلة، لكن في داخلي، هناك كنّةٌ صلبةٌ تمكنت من تخليل 3000 حبة كرنب وحدها في عز الشتاء! لا تستخف بي!
“لماذا تدوسين على قدمي؟”
“آه، أنا آسفة. لأنك تتجاهل كلامي بشدة، ففكرت أن هذا قد يجعلك تنظر إلي. إذا أردت أن تدوس، فـدُس على قدمي.”
انزلقـَت، ومددت قدمي أمامه.
كانت يداي و قدماي صغيرتين بقدر قامتي القصيرة.
علاوة على ذلك، بجانب حذائه العسكري السميك، بدت قدماي كما لو كانتا نصف قدم.
“حقاً، أيمكنني الدوس عليهما؟”
“نعم، إذا كنت تشعر بالإزعاج.”
“لن تبقى قدماك على حالهما.”
همس بتلك النبرة الجادة.
عادةً، في مثل هذه الحالة، يقول الشخص “حسناً” ويتجاوز الأمر، لكن يبدو أن هذا الرجل جادٌ في عزمه على الدوس بحق.
“أحقاً تريد الدوس؟!”
“أنتِ من طلبتِ ذلك.”
“ما أعنيه هو! أن هذا مجرد أسلوب في الكلام عادةً، عندما يقول أحدهم هذا، إما أن يتظاهر بالدوس ثم يتوقف، أو يقول لا بأس ويتجاوز الأمر!”
“….عادةً يكون الأمر هكذا؟”
“بالتأكيد.”
عندما أجبتُ وأنا أشعر ببعض الانفعال، أمال رأسه بجانب.
“من يحدد معيار ‘عادةً’ هذا؟”
“ماذا؟”
“قد يكون هناك من يرغب في الدوس حقاً؟ العالم مليء بأنواع مختلفة من الناس.”
أهو شخص تفتقر شخصيته تماماً إلى المهارات الاجتماعية؟
ربما.
نظراً لأن ندوبه عميقة وكثيرة، يبدو أنه يعمل مرتزقاً منذ زمن طويل.
من الواضح أن تنقله بين ساحات القتال أفقدته مهاراته الاجتماعية.
ولهذا كنت أشعر بالتراخي تجاهه.
“….إذا كنت لا تريد الدوس حقاً، فلا تقل ذلك من الأصل.”
أخفيت قدمي بحذر تحت ذيل فستاني الطويل.
“بخلاف ذلك، أتذكر أن عليك دفع قطعتين فضيتين، أليس كذلك؟”
“قطعتان فضيتان؟”
“نعم. ثمن تفاحتين دينتَ بهما عند متجر الخضار الذي في الأمام.”
“ما هذا الهراء؟”
انطلقت كلمات جافة، ربما لأنه من النوع الحساس تجاه المال.
“ألا تتذكر؟ في المرة الماضية، هربت وأنت تحمل التفاح. قلت إن تلك التي اخترتها ليست بحالة جيدة، فاقترحتُ عليك أخرى جيدة.”
عندما شرحت له تفاصيل الحادثة بتدقيق، بدا وكأن ذاكرة الرجل المرتزق استعادت الأمر ففتح فمه.
“إذا تذكرت الآن. إذاً ادفع. قطعتان فضيتان. إنه مبلغ كبير جداً بالنسبة لعم متجر الخضار. قال إنه حتى لو عمل طوال اليوم، فإن صافي ربحه لا يصل إلى هذا المبلغ.”
“إذاً أليس المدين هو ذلك التاجر، وليس أنتِ؟”
“بما أنني دفعت نيابة عنك، فهو دينٌ لي.”
“أنتِ من دفعتِ؟”
أمال رأسه جانباً.
انزاحت خصلات الشعر التي تحجب عينيه قليلاً. لمحت عينيه تتسعان قليلاً ثم اختفتا.
“ولماذا؟”
“لأن العم أيضاً يعيش على ما يكسبه يومياً. بالإضافة إلى ذلك، لو لم أخبرك عن حالة التفاح، لما تحطمت بهذا الشكل.”
“……آه.”
ما هذا، إنها إجابة قصيرة.
لا أدري إن كان يعني أنه سيدفع أم لا، لكن عند النظر بدقة، بدا مظهره متواضعاً للغاية.
“لكن… أليس المقطعتان الفضيان كبيرين بالنسبة لك أيضاً؟”
“……”
صمته يشير إلى أن كبرياءه قد جُرح، فلا يستطيع الإجابة.
“بدلاً من دفع القطعتين الفضيتين، ادفع دينك بمجهودك.”
“….بجسدي؟”
بدا أن زاوية فمه ارتعشت قليلاً.
أنا، على العكس، شددتُ زاوية فمي إلى أعلى في ابتسامة ماكرة.
“من الآن فصاعداً، سيكون عليك مساعدتي بما يعادل قيمة القطعتين الفضيتين.”
أنا أيضاً أحرج من أخذ نقوده.
بغض النظر عن كونه حطم التفاح بلا اكتراث.
بدلاً من ذلك، قررت الاستفادة منه، فهو يمتلك بنية جسدية أقوى مني بكثير.
“الأمر أسهل مما تتخيل.”
مددت له سلة البطاطس.
على أي حال، مقارنةً بعمل المرتزقة، فهذا سهلٌ للغاية.
***
في أثناء لقاء هالارا مع ذلك المرتزق الغريب، كان الخادم كارلوس ممسكاً بذراع ميشيل، جارة هالارا، وحرك شفتيه لعدة دقائق.
لقد أمسك بها على عجل، إذ شعر أنه لا يمكنه تفويت الفرصة، لكن كارل لم يعرف البتة كيف يبدأ الحديث.
ماذا لو تحدث بتهور وعارضته الطرف الآخر ورفضت التعاون؟
أثناء تفكيره في هذا الأمر، نظرت إليه ميشيل، التي تعبت من الانتظار، بنظرةٍ مشككة.
“ماذا تريد؟”
“ف-فقط دقيقة. دقيقة واحدة فقط.”
“قلت قبل قليل ‘دقيقة واحدة’ أيضاً. لقد مرت عشر دقائق على الأقل الآن!”
هزت ميشيل ذراعها بسرعة، متحررة من قبضته.
سقط كارل على الأرض يتدحرج بلا حول ولا قوة تحت وطأة يدها القوية المدربة على استخدام الفأس.
“إذا لم يكن لديك ما تقوله، فسأذهب.”
عند سماع ذلك، نهض كارل كأنه دمية “الفُلْقَة” (لعبة أطفال).
“لدي أسئلة أريد طرحها عن جارتك!”
لقد فتح فمه أخيراً.
“جارتي؟ تقصد هالارا؟”
“نعم!”
عند إجابته بصوتٍ عالٍ، ضمت ميشيل ذراعيها ونظرت إليه من رأسه إلى قدميه.
أول ما يظهر هو حذاء لامعٌ كأنه ملمع للتو، وملابس تبدو باهظة الثمن.
للوهلة الأولى، يبدو كشخص من عائلة ميسورة، أو كخادم رفيع المستوى يعمل في منزل نبيل.
“ما الذي تريد معرفته؟”
“ذاك…… عن هالارا.”
تلكأ كارل في مناداتها ثم ناداها باسمها.
لأنه شعر أنه إذا قال “تلك الفتاة” أو “الفتاة التي تعيش في هذا البيت”، فقد لا تجيبه ميشيل بإجابة صحيحة.
“هالارا؟ يبدو أن بينكما قرابة ما.”
“آه، نعرف بعضنا بعضاً منذ فترة….”
“أي نوع من العلاقة؟”
“إنها علاقة معقدة قليلاً للشرح.”
خدش كارل رأسه، غير قادر على اختلاق كذبة.
لأنه لا يعرف مدى قرب ميشيل من هالارا، فقد يشك فيه إذا ادعى أنه قريبٌ بعيدٌ أو ما شابه.
“أوه؟”
ضاقت عينا ميشيل.
كانت نظراتها مليئةً بالشك.
لذا حوّل كارل نظره بسرعة.
“ذاك… ما هذه اللافتة؟”
لنسأل عن ذلك أولاً!
“كما ترى تماماً؟ لقد رسموا صورة عليها حتى يستطيع أمثالي من الأميين قراءتها، ألا تفهمونها؟”
“لا، لا! أستطيع قراءتها! لا أقصد ذلك، بل أتساءل عن معناها.”
جرحت كبرياءه بسبب موقف ميشيل المتهكم، لكن كارل كظم غيظه لأنه بحاجة إلى الحصول على ما يريده.
“كما قلت، كما ترى تماماً. أنت تدرك كم هي هالارا جميلة دون أن أقول إنها لافتة تحذيرية للرجال الذين يتوافدون يومياً، ألا يأتوا إليها من فضلهم.”
“ولكن لماذا فجأة؟”
ارتفع صوت كارل.
ولكن عندما عبست ميشيل وجهها، ارتعب فوراً.
“لا… أقصد، أنها لم تمنع الرجال الذين يأتون ويذهبون طوال الوقت، فلماذا تمنعهم فجأة؟”
همم.
نظرت ميشيل إلى كارل مرة أخرى.
‘يبدو أن هذا الرجل أيضاً من معجبي هالارا.’
ملابس تبدو ميسورة.
صوته القلق مع كل سؤال.
تلك الرغبة الملحة في الحصول على إجابة، رغم أنها تتعمد الرد بفظاظة.
لقد حسمت الأمر.
‘يبدو ناضجاً أيضاً، كيف وقع في حب هالارا؟’
في الحقيقة، لقد رأت ميشيل كثيراً من هذا النوع من الرجال.
حتى الرجال الذين يتسكعون حول منزل هالارا كانوا على نفس الشاكلة.
في العادة، كانت ستتجاهل الأمر، لكنها مؤخراً أصبحت قريبةً جداً من هالارا، فلم تعد تشعر بأن الأمر لا يعنيها.
‘أشعر بالذنب لأنني أتناول طعامها باستمرار هذه الأيام، يجب أن أرد لها الجميل!’
بما أنها تفاخرت أمام هالارا للتو، فقد حان الوقت لتظهر نتيجة حقيقية.
“هالارا لن تقابل رجلاً بعد الآن.”
“ماذا؟ لماذا؟ هل لها حبيب؟”
“إمم، ليس ذلك.”
هزت ميشيل رأسها.
لأن الكذب بوجود حبيب سيُكتشف سريعاً……
“سأعلمك وحدك.”
“ماذا؟ ما، ماذا تقصدين؟”
“هالارا حامل.”
بدلاً من ذلك، نشرت مبيداً قوياً للتخلص من المعجبين.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 5"