ما إن فتحت عيني صباحاً حتى دوّى خبرٌ مدوٍ كالصاعقة.
“جيتي هربت؟”
يبدو أن جيبي لاذت بالفرار منذ الأمس.
لكن لم يعرف أحدٌ على وجه الدقة سبب ذلك.
“أتراها بسبب حادثة الأمس؟”
كانت مَاي هي من نقلت لي الخبر.
“لا أعتقد ذلك.”
لو كانت ستفرّ لارتكابها ذنب التطاول عليّ أمام الخدم، لفعلتها من قبل. لكنها، بدلاً من الفرار، كانت تنتظرني في غرفتي.
‘لقد بدت غريبة بعد سقوطها أمس. تراها ارتطم رأسها بشيء؟’
فإن لم يكن الأمر كذلك، فخروجها المفاجئ كان مريباً.
“في الحقيقة، يا سيدتي، قبل أن تدخلي الأمس، اقترحت علينا جيبي أن نطردك. قالت: أيعقل أن تكون عاميةٌ هي السيدة الصغرى؟ أليس هذا ظلماً لنا؟”
“حقاً?”
لم أكن بمفاجأة.
“وليس واحداً أو اثنان من سمع ذلك. حتى رئيس الطهاة هدّد بإخبار السيدة الكبرى، فلا بد أنها خافت وفرّت هاربة.”
إذاً، هي نفسها من اقترحت طردي، ثم تأتي لتقف بوقاحة أمامي.
لا أعلم السبب تحديداً، لكن رحيلها لا بد أنه كان بعد لقائنا في غرفتي.
‘كانت تعرج، فكيف تستطيع الفرار بتلك الحال؟’
“آه.”
على أي حال، فتاة ظلت تقض مضجعي حتى النهاية.
“من الآن فصاعداً، أنا من ستخدمكِ يا سيدتي.”
“أنتِ يا مَاي؟”
“نعم.”
ومن وسط هذا، بزغ نبأ سار.
يُقال: ذهب الحمار وجاءت المرسيدس!
“كم أنا سعيدة بكِ يا مَاي!”
نهضتُ مسرعة وأمسكت بيد مَاي وأخذتُ أهزها فرحاً
شعرتُ وكأن الآلام التي كانت تنغص عليّ منذ قليل قد زالت.
“أتبتهجين حقاً لهذا الحد؟”
“نعم! طبعاً.”
“وأنا أيضاً سعيدة.”
عندما ابتسمتُ لها بوجه مشرق، ردت مَاي الابتسامة.
“لا تتكلفي معي كثيراً، وتعامليني كـسيدتي أو مولاتي بذلك الجمود.”
كنت أرغب بقلبي أن أقول لها ألا تستخدم صيغة الاحترام أيضاً، لكن لعله سيكون أمراً محرجاً لها.
“لستُ متكلفة. لكني سأناديكِ بـسيدتي.”
“حسناً. لكن بالمقابل، سأعدّ لكِ شيئاً لذيذاً كمكافأة على مجيئكِ اليوم.”
نهضت وأنا أشمر عن ساعدي.
شعرت بالأسف لأنني خدعت الجميع بالأمس، وامتناناً لأنهم قبلوني رغم ذلك، فأردت أن أرد لهم الجميل.
“سيدتي، لا داعي للطهي الآن. هذا عملنا نحن.”
ارتدت مَاي نظرة حيرة.
“لستُ بصدد إعداد الطعام لثلاث وجبات. سأطبخ فقط حين أرغب، وللشخص الذي أريده.”
“نقدر لكِ لطف قلبكِ، لكن لديكِ ما يجب فعله اليوم.”
“ما يجب فعله؟ لا تقولي إنه درس في قواعد الإتيكيت!”
ماذا لو قالت نعم؟
لا أريد أن أتسبب بمتاعب لمَي بسببي.
بينما كنت أفكر، فتحت مَاي باب الغرفة وجرت وراءها شماعة ملابس تتدلى منها ثياب مصطفّة.
لم تكن مجرد ثياب، بل فساتين فخمة وباهظة الثمن للوهلة الأولى.
ملابس فتيات النبلاء في الروايات الرومانسية، مبهرة لدرجة تدير الرأس.
“من أين كل هذه الثياب؟”
“السيدة الكبرى أمرت بخياطة هذه الثياب لكِ يا سيدتي جربيها أولاً، ثم سنقوم بتعديلها على مقاسكِ”
“السيدة الكبرى أرسلتها؟”
“نعم. فأنتِ الآن السيدة الصغرى لعائلة بلوديماري أيضاً.”
قد يكتفي المرء بفستان أو اثنين، لكن هنا ما يبدو عشرين فستاناً.
أعرف أنه لا ينبغي قبول مثل هذه الهدايا…
‘لكني حين أراها، أشعر أنني أميرة وأنظر إليها بإعجاب شديد.’
أأغمض عيني هذه المرة فقط وأقبلها؟
***
“أوهو هو.”
ما إن ارتديت الفستان الجميل حتى انطلقت الأنغام من أنفي تلقائياً.
لا أدري ألجمال الفستان أم لجمال من يرتديه؟
لكن صورتي في المرآة وأنا أرتدي الفستان القرمزي كانت الكمال بعينه.
بعدها، توجهت فوراً إلى المطبخ وشمرت عن ساعديّ.
“حسبكِ الآن…!”
حاولت مَاي ثنيي عن أمري متوسلةً.
“سيدتي، قلتِ إن ظهركِ يؤلمكِ. وقلتِ إن جيتي دفعتكِ الأمس وجسمكِ ليس على ما يرام! كان الأولى بنا استدعاء طبيب لا أن تقفي لتطبخي!”
“لا عليكِ! سأرتاح بعد قليل.”
“أرجوكِ، دعينِي أنا أقوم بذلك.”
حتى هيوستن حاول منعي وأنا أمسك بالمغرفة، لكن الأوان قد فات.
“اكتملت الوجبة الخماسية.”
في غمضة عين، أتممتُ إعداد خمسة أطباق.
“أوه، لم أطبخ منذ مدة، فلم تكن سرعتي على ما يرام.”
“…لكنكِ أعددتِ خمسة أطباق في ساعة ونصف؟”
نظر هيوستن إلى الساعة في المطبخ وهو يلهث من الذهول.
“كيف وجدتها؟ أعددت أطباقاً على الطريقة الغربية، وقد استغرقت وقتاً لأنني لم أعتد عليها.”
أطباق اليوم كانت سلطة، باستا، وريزوتو بالفطر.
ليست أطباقاً أتناولها عادة، لكنني أعددتها بأسلوبي الخاص.
“لم يسبق لي أن رأيت طريقة تحضير باستا كهذه. أي نوع من الباستا هي؟”
سأل وهو ينظر إلى الباستا ذات اللون الذهبي المصفر.
“إنها باستا الجابتشي.”
“باستا الجابتشي…؟”
كنت أرغب في الأصل بصنع “جابتشي” (نودلز الخضار الكورية)، لكن لم يتوفر النودلز الكوري، فسلقت معكرونة الباستا جيداً وأضفتُ إليها الخضار واللحم وتوابل الجابتشي.
الحمد لله أنه كان يوجد ثوم على الأقل في هذا العالم.
“تذوقها. لقد أعددت للجميع أيضاً.”
“متى أتيحت لكِ الفرصة…؟!”
“بينما كنت يا رئيس الطهاة تحضر مكونات السلطة.”
ها هي ذي!
كمية كبيرة من باستا الجابتشي مكدسة في وعاء كبير خلفي.
“يا إلهي! أأعددتِ كل هذه الكمية؟”
“الجابتشي الأصلي يُؤكل بحفنات ليكون ألذ.”
هذه الكمية لا تساوي حتى نصف ما اعتدت تحضيره من جابتشي.
“لقد أعددتها امتناناً لكم جميعاً، فأتمنى أن تنال إعجابكم.”
“شكراً جزيلاً. سيسعد بها الخدم بالتأكيد.”
“أخبروني برأيكم لاحقاً. وهذه أيضاً، تناولوها معها.”
ثم قدمتُ كومة الملفوف التي كانت إلى جانبي.
“ما هذه؟”
“كيمتشي. أعددته بالملفوف… إنه نوع من المخللات المتبلة بمعجون الفلفل الحار”
بما أن الكرنب الصيني (النابا) غير متوفر هنا، جربت صنع الكيمتشي بالملفوف الأبيض.
“كيمتشي…؟”
لم يسمع الاسم من قبل أيضاً، فأمال هيوستن رأسه متسائلاً.
“أوه، رائحته حريفة. ما هذا الشيء الأحمر؟”
“إنه الفلفل الأحمر الحار. كان مكدساً بكثرة في المخزن!”
بل كان مجففاً تماماً، ومثالي لطحنه وجعله مسحوق فلفل حار.
“هل استخدمتيه؟ لقد كان متروكاً هناك لأننا لا نستعمله حتى كدواء!”
صرخ هيوستن مذهولاً.
“لماذا؟ ألا يأكل الناس الفلفل هنا؟”
“تقريباً لا يتناوله أحد. طعمه قوي جداً ولاذع فقط. لذلك بعد وقت قصير من إحضاره، جففناه وخزناه.”
لا عجب أنه كان أرخص نوع في السوق.
حتى أنني زرعته في الفناء.
“لكن أليس الفلفل الأسود مفقوداً؟ قلتِ إنهم لا يستطيعون تناوله رغم أنه حار أيضاً؟”
سمعتُ أن الفلفل الأسود كان من التوابل الباهظة الثمن والنادرة في الماضي.
دهش هيوستن مجدداً.
“هل يُقارن بذلك النادر الثمين؟ للفلفل الأسود حرارة لطيفة تحتل الفم. همم… لقد تذوقته من زمن بعيد، لذا لا أذكره جيداً.”
آه، مفهوم.
كلاهما حار لكنهما مختلفان، أليس كذلك؟
ارتفعت زوايا فمي تلقائياً.
“هل يمكنني استخدام كل الفلفل الموجود في المخزن؟”
هذا يعني أنه بإمكاني أن أطهو المأكولات الكورية (الهانشيك) بحرية في هذا العالم الذي يخلو من الأطباق غير الدسمة!
التعليقات لهذا الفصل " 35"