هكذا كان حال العامّة في هذا المكان، حياةٌ قد تتهدّم وتنهار في غمضة عين.
لربّما تعلّقت هالارا برجلٍ قويٍّ لمجرّد البقاء على قيد الحياة.
ترى، لماذا خطر ببالي ذلك المرتزق في وقتٍ كهذا؟
للوهلةِ الأولى، خطر ببالي أنّه سيكون من الجميل أن يكون هناك أحدٌ إلى جانبي، لكنّي سرعان ما طردتُ الفكرة.
ثمّ تسلّلتُ بهدوءٍ من الباب الخلفي وركضتُ باتّجاه السوق.
***
في هذه الأثناء، في ساحة تدريب بلوديماري الهادئة.
“سيّدي الشاب! سيّدي الشاب!”
أسرع جنديٌّ راكضًا.
كان هيلبورن، الابن الأصغر لهذه العائلة، منهمكًا في تمرين العقلة، يلهث بشدّة، بشعره الأحمر وعينين ثاقبتين.
“اِذهب من هنا، ألا ترى أنّني أتدرب؟”
هيلبورن، المتدلّي من الشجرة، رفسَ برجليه ليطرده. الجنديّ الذي تفادى الركلات وتلقّى ضربةً واحدةً، أطلق تأوهًا وصرخ بصوتٍ باكٍ.
“إنّه خبرٌ مهمّ حقًا!”
“خبرٌ مهم؟ وإلّا؟”
“لا أعرف. إن لم تُرد سماعه، فلا تسمع!”
عند تلك الكلمات، نزل هيلبورن بسرعة وأمسك برقبة الجنديّ بخفّة، سائلًا.
“سأقتلك، حقًا.”
“رائحتك عرق!”
“ما هذا الخبر المهم؟”
“سيّدنا الشاب دوتشيف سيتزوّج.”
اعترف الجنديّ فورًا.
“ماذا؟ أيّ زواج هذا؟ إنه سيتزوّج؟”
“لا يبدو زواجًا رسميًا. آه، أرجوك إخفّض صوتك قليلًا لا يزال سرًّا. بالكاد تنصّتّ عليه بنفسي.”
“ماذا تقصد! هل هذا صحيح؟”
“الطرف الآخر امرأةٌ من العامّة هذا كلّ ما أعرفه الآن. والدوقة أيضًا وافقت، لذا ستلتحق بالعائلة قريبًا.”
انهارت ملامح وجه هيلبورن بسرعة.
“حقًا…؟ ومن العامّة أيضًا؟”
“نعم.”
“تقصد زواج حب؟”
“آه، على الأرجح؟”
طَق.
بدا وكأنّ صوت انكسار عقل هيلبورن كان يُسمع.
على الرغم من إخباره بأنّه سرّ، ألقى هيلبورن سيفه وركض نحو القصر.
***
هيلبورن بلوديماري.
الابن الثالث لأسرة دوق بلوديماري، عائلة المبارزة الشهيرة، كان عبقريًا قد لا يظهر إلا مرةً كل مئة سنة حتى ضمن العائلة.
دوتشيف كان فارسًا من نجمةٍ واحدة.
هيلبورن كان من ثماني نجمات.
مزاجاهما كانا مختلفين تمام الاختلاف كتلك الفجوة.
بسبب شخصيته المتسرّعة، وعقله الجاهل، ونزوعه للتصرف بجسده أولًا عندما يركز على شيء، لم يظهر هيلبورن بعد بشكل لائق في المجتمع الراقي.
رغم أنّه طغى عليه شهرة دوتشيف كشارد علني، إلا أنّه هو الآخر كان كلبًا عقورًا.
داس هيلبورن بقوة في الممرّ بخطواتٍ ثقيلة.
شعره الأحمر الذي كان يتحوّل إلى قرمزيّ حين يلمسه الضوء، تمايل.
كان هيلبورن مصدومًا. لم تخرج إلا الشتائم من فمه.
“مجنون! هذا الوغد اللعين.”
ماذا؟
إذاً، كلّ هذا التسكّع خارج المنزل كان ليفعل أشياء كهذه؟
‘لم يكن فقط يشرب ويسقط مغشيًّا عليه، بل كان يحمل النساء ويسكرهنّ ويتسكّع؟’
اختلط الاشمئزاز والغثيان وتصاعدا من الأعماق.
“آه.”
رغم أنّه كان عارًا على العائلة، لم يتخيّل أبدًا أنّه سيسبّب حادثةً بهذا الحجم.
دوتشيف كان أسوأ الأسوأ.
“فقط دعني أقابله سأحطّم تلك الصفيحة من وجهه”
انطلق هيلبورن للبحث عن دوتشيف بعينين محمّرتين.
لكن الأماكن التي كان بإمكان هيلبورن، الذي لم يكن ذكيًا مثل نيكولاي، التفكير فيها كانت بسيطة.
ساحة تدريب القصر، أو الإسطبلات التي كان دوتشيف يتردّد عليها غالبًا.
إن لم تكن هذه، خطّط للذهاب إلى منزل تلك المرأة العامّية.
فتح هيلبورن أوّلًا باب غرفة دوتشيف بعنف، ناويًا البحث عن أدلة حول مكان وجود دوتشيف.
“اللعنة!”
يا للصدمة!
لكنه لم يحتج إلى البحث، إذ تمكّن من مقابلة دوتشيف. وبسخافة، في غرفته.
“الغرفة، ما الذي أتى بك إلى غرفتك لمرة واحدة!”
عضّ على لسانه.
اللعنة.
“اللعنة. أيها الوغد!”
كان دوتشيف يغيّر ملابسه في غرفته.
سواء صرخ هيلبورن أم لا، لم يتحرك قيد أنملة.
بشكل مزعج.
“لا بدّ أنّ أذنيك مسدودتان، تمامًا.”
اقترب هيلبورن من دوتشيف بخطوات سريعة وأمسكه من ياقته.
اعتقد أنّه يستطيع صرعه فورًا، لكن لسببٍ ما، لم يسقط كالمعتاد وثبت على الأرض.
“أوه!”
وضع هيلبورن قوّة في يديه.
اندفع الدم وتدفّقت القوّة في ذراعيه فورًا.
عندها فقط تحرّك دوتشيف قليلًا.
“هيلبورن، توقّف.”
بينما نادى باسمه، على خلاف العادة.
“لا تنادِ باسمي. إنه مقرف.”
“بيورن.”
“هل جننت؟”
هيلبورن الذي أصابته قشعريرة فجأة، ارتجف.
بسبب ذلك، ترك ياقة دوتشيف، لكن تصرّف دوتشيف المتغيّر كان أكثر إزعاجًا من ذلك.
شَمّ شَمّ.
“لا تفوح منك رائحة خمر، هل أنت مجنون حقًا؟”
“لماذا. أمّي أحيانًا تناديك هكذا.”
“هل أنت مثل أمّي؟!”
“نحن نفس العائلة. أنت أخي الوحيد والصغير فقط.”
ضحك دوتشيف بخفّة.
وجه هيلبورن شحب تدريجيًا.
رغم أنّ لديه مئات الشتائم ليقذفها في وجه دوتشيف في طريقه إلى هنا، إلّا أن ذهنه أصبح خاليًا أمام تصرّف دوتشيف الغريب.
‘تمالك نفسك. أولًا، الزواج، تلك القصّة!’
نظراته، وقد استعاد تماسكه بصعوبة، اتجهت نحو الملابس التي كان دوتشيف يمسك بها.
ملابس قديمة لا يرتديها إلا مرتزقةٌ فقراءٌ من الطبقة الدنيا.
‘إذاً، كان يرتدي مثل هذه الملابس بل ويتنكّر لمقابلة تلك المرأة؟’
علاوة على ذلك، قيل إن تلك المرأة كانت حسناء مشهورة في القرية.
‘اللعنة. هذا الوغد يتزوج زواج حب؟ و بجميلة؟ كان الأحرى به أن يُجرَّد من ملابسه ويُطرد من العائلة!’
زواج الحب.
كان شيئًا طالما حلم به هيلبورن.
في غرفته، رواية الحب الشهيرة 【مصير جولييت وروميو】 كانت عالقة هناك، باليةً من كثرة قراءتها.
بالطبع، مزّق الغلاف وأخفاها بحذر خشية أن يراها أحد العائلة.
أن تكون له علاقة رومانسية مع شخص يحبه، وأن يتزوج حبيبته، ويعيش في سعادة دائمة.
كان هذا حلم هيلبورن القديم.
لكنه في نفس الوقت كان حلمًا قد لا يتحقق أبدًا.
مثل هذه الرومانسية يجب أن تبقى مجرد حلم لمن وُلدوا في هذه العائلة.
لكنه لم يستطع أن يدع دوتشيف يسرق تلك الفرصة.
‘هذا الوغد. كيف يجرؤ مثلك على الاستمتاع بذلك!’
“هل تريد الموت مطرودًا من قبل والدك؟ هل فقدت عقلك تمامًا؟”
قطّب هيلبورن وجهه وانفجر في وجه دوتشيف.
“كيف تجلب العار فقط للعائلة؟ ومازلت تريد التمسك بالعائلة؟”
“نعم. يجب أن تعيش العائلة معًا.”
أجاب دوتشيف وكأنه من البديهيات.
ها!
“وغد وقح. تظن أني سأمرّر ذلك؟”
لكن رغم زمجرة هيلبورن القاتلة، مازال دوتشيف يحدّق في أخيه الأصغر وكأنّه ينظر لطفل لطيف.
ثم قبض على كتفه.
“إن كنت تغار، فقط قل إنك تغار، هيلبورن. سأعرّفك على أحدهم أيّما وقت تطلب.”
ثم اختفى فجأة.
“اللعنة!!”
أطلق هيلبورن الشتائم بحريّة.
حتى أنه تقيّأ جافًا عدة مرات من ذلك التصرّف الذي يحاول فجأة لعب دور الأخ الأكبر الحنون.
“آه، أيها المجنون اللعين!”
لا بد أنه فقد عقله.
أو ربما، تلك المرأة التي من المفترض أنه يقابلها؟
بما أنها من العامّة، قد تحاول إغواء نبّيلٍ تافهٍ فاسقٍ من أجل الثراء السريع.
“صحيح، لهذا وافقت أمي… سيُسحقون عندما يأتون.”
وذلك الغضب لم يكن موجّهًا لدوتشيف المجنون، بل للمرأة التي سيجلبها، هالارا.
“سأطرد كليهما تمامًا.”
***
غافلةً عن أنّ غضب هيلبورن موجّهٌ نحوها، كانت هالارا تتجوّل في السوق في وقت متأخر من المساء.
كانت تخاف أن تقتحم فرانسيسكا المنزل إن عادت إليه.
علاوة على ذلك، التفكير بالرجل الذي أتى إلى منزلها جعلها خائفة.
أيّة حياة عاشتها هالارا حتى يطاردها الرجال حتى في الفجر؟
‘القصة الأصلية والقدر ليسا شيئًا يمكنك ببساطة الهروب منه.’
لم يُقل مصطلح ‘الهروب من القصة الأصلية’ عبثًا.
“لا بأس أن أكون فقيرة، ولا حاجة لي بارتداء الفساتين أو أي شيء.”
أكثر من ذلك، كل ما أرادته هو أن تأكل جيدًا وتعيش بشكل جيد بمفردها.
قَرْقَرَة.
سواء كان ذلك لأنها تناولت العشاء على عجل أو لأن توترها خفّ، كانت جائعة.
عليّ شراء شيءٍ لآكله اليوم!
باختلاق عذرٍ لعدم العودة للمنزل، اشتريت أسياخ دجاج من السوق ودخلت زقاقًا ضيّقًا.
الزقاق الضيّق الذي بالكاد تصل إليه الشمس كان حالك الظلام، لكن ذلك وضع بالي في راحة في الواقع.
إذا بقيت هنا، لن يأتي أحد للبحث عني.
سأضطر للاحتماء هنا حتى تعود السيدة ميشيل.
كنتُ على وشك أخذ قضمة كبيرة من الدجاج.
[هل نضربها؟]
ماذا؟
هل هناك بلطجية في مكانٍ ما؟
أنا مازلت وحدي في الزقاق رغمًا عني.
[الآن فرصتنا… هل نلفّ ذلك المعصم النحيل؟]
أين في العالم أحدٌ يصدر هذا الصوت الخشن؟
كان زقاقًا ضيّقًا لا يسع سوى شخص واحد، لذا لو كان هناك مختبئ، لبان الأمر فورًا.
لكن لم يكن هناك شيء سوى بقايا بعض الصناديق المكسورة قريبًا.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 13"