الفصل -9-
بعد أن صرختُ بكل ما أوتيت من قوة، شعرتُ براحة طفيفة، لكن لم يتغير أي شيء في الواقع.
فأولئك الأوغاد قد فروا بالفعل، ولم أعد أملك الطاقة للهرب، ناهيك عن حالة جسدي المزرية.
والأكثر رعباً هو “حارس البوابة الزومبي” الذي كان يطاردني من الخلف.
“هاه…”
شعرتُ بفراغ شديد.
لقد كافحتُ بشراسة لأعيش، وتمسكتُ بخيط الحياة اللعين بكل ما أوتيت من قوة، فلماذا أجد نفسي باستمرار في مواجهة الموت؟
هل أرسلني أحدهم إلى هذا العالم لغرض وحيد وهو قتلي، وأنا أستمر في النجاة دون أن أفهم الرسالة؟
لربما كان يرسل لي أنواعاً مختلفة من المتحولين ظناً منه أنني سأهلك، لكنني كنتُ أنجو في كل مرة مثل جرذٍ يتسلل ببراعة.
لو كان ذلك الشخص يقرأ أفكاري الآن لربما قال: “أجل، لقد فهمتِ أخيراً، لذا موتي الآن فحسب”.
هل يجب عليَّ الموت حقاً؟
“لماذا عليَّ الموت أصلاً؟ لو كنتَ تنوي قتلي، فما كان عليك إرسالي إلى عالم كهذا من البداية، أيها الأوغاد.”
ما الذنب الذي اقترفتُه لتقتلوني؟ ومن أنتم لتقرروا مصيري…
الآن، لم يعد الشعور بالظلم هو المسيطر، بل الغضب العارم.
لماذا هم حريصون جداً على افتراسي؟
نحن لا نزال في المرحلة الأولى فحسب، كان بإمكانهم جعلها تمر بسلاسة أكبر.
ما لم تكن نيتهم خبيثة وحاقدة، فكيف يوزعون المخاطر بهذا الحقد؟
زعيم متوسط، ثم زومبي متطور بحاسة الشم، والآن حارس البوابة.
كل هذا حدث في يوم واحد.
هل من المنطقي أن أقابل كل هؤلاء الوحوش منذ الفجر وحتى الثانية ظهراً فقط؟
المفترض في المرحلة الأولى أن تكون “مشهداً تمهيدياً” ليتذوق اللاعب نكهة اللعبة بهدوء.
كان يُفترض أن يمر اليوم الأول والثاني بسلام، وفي اليوم الثالث تشتعل الأحداث لنواجه متحوّلاً أو اثنين، ونطارد من قبل الزعيم المتوسط كنوع من التجربة، ولكن لماذا الآن…
“اللعنة. فقط ليتني أقابل الشخص الذي أرسلني إلى هنا.”
لن أتركه يمر بسلام.
لن ينتهي الأمر بمجرد محاسبته أو سؤاله عن ضغينته تجاهي.
سأمسكه من ياقته أولاً…
لكن حبل أفكاري انقطع.
شعرتُ بحركة خلف ظهري، فارتميتُ جانباً وتدحرجتُ على الأرض.
تشيييييك—
المكان الذي كنتُ أقف فيه منذ لحظة كان يذوب بسبب سائل غريب.
اقشعر بدني من فكرة أن جسدي كان يمكن أن يذوب هكذا بدلاً من الأرضية.
شعرتُ بحركة أخرى فوق رأسي، فنقرتُ بلساني وتفاديتها للخلف، لينسكب السائل أمامي مباشرةً ويسدَّ طريقي للأمام.
تباً..!
كان عليَّ التفادي للأمام بدلاً من الخلف.
شعرتُ باليأس لأن طريقي للأمام قد انقطع، فالتفتُّ بسرعة لأرى حارس البوابة واقفاً على بعد مسافة يحدق فيّ.
ميزة حارس البوابة هي الهجوم عن بُعد؛ لذا يقف عادةً في منتصف الجسر الرابط بين المبنى الرئيسي والملحق، وبمجرد رؤية أي شخص يقترب، يبصق الحمض ليذيبه.
نقاط حياته قليلة ويمكن قتله بضربات حرجة، لكن الخطر يكمن في الاقتراب منه أصلاً.
لهذا السبب، يهرب الجميع عادةً بمجرد أن يرش الحمض كطلقات تحذيرية.
لحسن الحظ، هو لا يطارد من يهربون، بل يفضل البقاء في مكانه.
لكن، إذا اقترب أحدهم لمسافة معينة، يصبح هدفاً دائماً له، ويطارده حتى الموت، إلا إذا وجد شخصاً آخر في طريقه فيغير هدفه.
والآن، أصبحتُ أنا ذلك “الهدف الجديد”…
“على أي حال، أولئك المجانين كيف تجرؤوا على عبور الجسر وهم يرون هذا الحمض؟”
لو كنتُ مكانهم، لرأيتُ الأرض تذوب وهربتُ فوراً دون الالتفات خلفي.
لكن أولئك الحمقى قفزوا للأمام وتجاوزوا الحارس وصولاً للمبنى الرئيسي.
لربما يستحقون التصفيق على شجاعتهم، لكنهم بالتأكيد استخدموا أحدهم كدرع بشري للعبور.
أوغاد مقززون.
لكن مشكلتي كانت أكبر.
الطريق أمامي مسدود، وحارس البوابة يقبع في الخلف.
“لو كان كاحلي سليماً، لقفزتُ فوق هذه الفجوة.”
قطبتُ حاجبي وأنا أنظر إلى الحفرة التي ذابت في الأرض لتكشف عن ممر الطابق الأول.
هل سيكون النزول للطابق الأول عبر هذه الحفرة خطيراً؟
بهذه الساق المصابة، لو فعلتُ ذلك فمن المؤكد أن كاحلي سيتحطم تماماً.
واختيار العجز عن المشي في وضع كهذا ليس سوى انتحار.
لم أجد بداً من أخذ الحامل الحديدي وحقيبتي والدخول إلى أقرب فصل دراسي.
لم يكن هناك خيار آخر؛ فالبقاء أمام الحارس يعني مطالبته بإطلاق النار عليَّ علانية.
“ماذا أفعل حقاً؟ هل يجب أن أحمل مكتباً كدرع؟”
لكن جسدي كان محطماً، وحمل مكتب ثقيل كان أمراً مستحيلاً.
وفوق ذلك، سيذوب المكتب بطلقة حمض واحدة.
‘أرجوك، عد إلى الجسر فحسب.’
ميزة أخرى لحارس البوابة هي أنه إذا غاب هدفه عن ناظريه لفترة معينة، فإنه يتخلى عن المطاردة ويعود لمكانه.
دخلتُ الفصل وغبتُ عن رؤيته، ولكن…
تشيييييك—
“اللعنة…”
يبدو أن هذا لم يكن كافياً.
ظهر ثقب في الباب الخلفي ورأيتُ وجهه.
‘تباً. كان عليه العودة، لماذا يصر على ملاحقتي؟’
ألقيتُ الحقيبة جانباً وأعدتُ إمساك الحامل الحديدي بقوة.
خوض قتال قريب ضده هو انتحار حقيقي…
إذا كانت هناك مسافة بيننا، يمكنني رؤية الحمض وهو ينطلق وتفاديه، لكن في القتال القريب، لا يوجد وقت للتفادي، ولمسة واحدة تعني الموت.
لو كنتُ أملك ردود فعل خارقة لربما تفاديتُه، لكنني لستُ ذلك الشخص.
‘أصلاً، هذا الوحش لا داعي لقتله، لماذا أنا عالقة معه؟’
لو لم يعبر أولئك الأوغاد الجسر، لما قابلتُ حارس البوابة أبداً.
شتمتُ أولئك الحثالة مرة أخرى في قلبي وراقبتُ الحارس.
دخل من الباب الخلفي، جال بنظره في الفصل، وبمجرد أن لمحني بصق الحمض.
انحنيتُ وتفاديتُ الضربة، وفي الوقت نفسه زحفتُ تحت مكتب لحماية رأسي.
لحسن الحظ، الفصل مليء بالمكاتب، وإذا تفاديتُ ببراعة فلن يصيبني.
لكن الاكتفاء بالتفادي لن يحل المشكلة، والمكاتب مهما كثرت ستنتهي.
“هوف.. فلأستجمع تركيزي.”
يجب أن أنقص نقاط حياته ولو قليلاً.
بما أنها قليلة، فالهجمات المتكررة ستقضي عليه.
راقبتُه بتركيز تام مترقبةً الفرصة.
وبعد أن تفاديتُ عدة ضربات بالتدحرج على الأرض، جاءت اللحظة.
‘الآن!’
أمسكتُ بقاعدة مكتب أمامي بكلتا يدي، ونهضتُ قاذفةً إياه نحوه ليحجب رؤيته عني.
ذاب المكتب بسرعة وأصبح عديم الفائدة، لكن هذا الوقت كان كافياً.
في اللحظة التي بصق فيها الحمض وكان يحتاج وقتاً قبل الضربة التالية، قبضتُ على الحامل الحديدي وهشمتُ رأسه بقوة.
التفت رأسه جانباً بفعل الضربة فبصق الحمض في اتجاه آخر.
رأيتُها فرصة لضربة ثانية، رفعتُ الحامل مجدداً، لكن فجأة انقطع نفسي، وشعرتُ بقوة غاشمة تدفعني للخلف، فأفلتُّ الحامل وارتطمتُ بالأرض.
“كح، كح.. أرغ!”
تباً.. هل هذا اللعين يركل أيضاً؟
أقصد، بالطبع يمكنه الركل.. اللعنة.
كنتُ مركزة جداً على تفادي الحمض لدرجة أنني أهملتُ الباقي.
وبما أنه متحوّل، فمن الطبيعي أن يكون أقوى من الزومبي العادي.
تلويتُ على الأرض وأنا أحتضن بطني من الألم الفظيع الذي سرى في جسدي.
ركلة البطن سحبت كل طاقتي ومنعتني من التنفس.
كان الألم شديداً لدرجة أنني لم أستطع فرد ظهري.
لقد فشلت.
حاولتُ ضربه فغدر بي.. وفي بطني تحديداً، أحد أضعف نقاط الجسد.
لحسن الحظ كانت معدتي فارغة، فلم يخرج سوى القليل من عصارة المعدة.
مسحتُ فمي بظهر يدي وحدقتُ فيه بحقد.
أمسك الوحش برأسه الملتوي بكلتا يديه وأعاده لمكانه ببساطة، ثم فتح فمه ليبصق الحمض مجدداً.
كززتُ على أسنانِي وحاولتُ تحريك جسدي المنهك بأي ثمن للتفادي.
“آاااااخ!”
لم أستطع تفادي الضربة تماماً، فلامس الحمض ساقي، وأذاب الجينز ليحرق جلدي.
شعرتُ وكأنني أحترق، بدأ جلدي يتقشر والدم يسيل.
كان الألم لا يُطاق.
تمنيتُ لو أقتلع ساقي.
إذا كانت مجرد لمسة فعلت هذا، فماذا لو أصابني مباشرة… لربما ذابت عظامي.
شعرتُ بالدوار من شدة الألم، ولهثتُ وأنا أستند بيدي على الأرض.
حينها، لمست أطرافي كرسياً مقلوباً.
…لقد كانت لحظة حياة أو موت.
لم يعد هناك مكان للتراجع.
‘إما أن تموت أنت، أو أموت أنا. يجب أن ينتهي هذا.’
أمسكتُ بالكرسي وبكل ما تبقى لي من قوة قذفته نحو الحارس.
وبفعل ردة الفعل، تقيأتُ عصارة المعدة مرة أخرى وأمسكتُ ببطني، لكنني لم أندم.
زحفتُ على الأرض والتقطتُ الحامل الحديدي وبدأتُ أهشم ساقه بجنون.
في كل مرة، كنتُ أرتجف من الحمض الذي يتساقط فوق رأسي، لكن لحسن الحظ لم يصبني؛ فقد بدأ الحارس يفقد تركيزه ودقة تصويبه بفعل الألم المتراكم.
وبتركيزي على ساقه الواحدة، سقط أخيراً على ركبتيه.
استغللتُ الفرصة، وعندما اقترب رأسه من الأرض، ضربته بالحامل الحديدي لأثبت رأسه بالبلاط.
ثم، ولأضمن ألا يبصق ذلك القرف مرة أخرى، غرزتُ الحامل في فمه وبكل ثقلي ضغطتُ للأسفل.
تحطم الحامل الحديدي نتيجة ذلك، لكن لم يمنّي.
استمررتُ في الضغط والضرب بقوة وكأنني أدق مسماراً، كنتُ أريد إحداث ثقب في رأسه.
وبينما كنتُ أحاول الابتعاد عنه بعد غرز الحامل، قبض الوحش الذي بدا وكأنه مات فجأة على ذراعي وسحبني نحوه.
انقلب المشهد في ثانية.
أصبح فوقي يحاول تحطيم وجهي بقبضتيه.
حاولتُ ركله في بطنه لإبعاده لكنه كان متشبثاً بي.
وبعد صراع طويل ومرير على الأرض، تمكنتُ من الإفلات منه، ونهضتُ بصعوبة لأقلب المكاتب القريبة فوقه.
… هل انتهى الأمر؟ هل مات حقاً؟
جلستُ بجانبه وأنا أنظر بشرود إلى كومة المكاتب المنهارة.
لم تكن هناك أي حركة، يبدو أنه مات فعلاً.
“هاه، نجوت.. لقد نجوت..”
بمجرد أن شعرتُ بالأمان، استلقيتُ على الأرض وانفجرتُ بالبكاء من شدة القهر.
جسدي كله يؤلمني لدرجة أنني لا أستطع تحريك إصبع، وقلبي لا يزال يخفق بعنف.
لو لم يعبر أولئك الأوغاد الجسر، لما حدث كل هذا.
وحتى لو عبروا، كان عددهم كبيراً، كيف لم يستطيعوا مواجهة وحش واحد؟
لو ضربه كل منهم ضربة واحدة لمات.
لماذا ألقوا بالحمل عليَّ؟
ما هذا الظلم؟
أجلسُ هنا لأقوم بعملية انتحارية لتنظيف القذارة التي خلفها غيري.
بكيتُ لأن حالي كان يثير الشفقة.
وبينما كنتُ أنتحب من القهر، سمعتُ فجأة صوت فتح الباب.
درررررركك–
انتفضتُ متناسيةً ألمي ونهضتُ بغريزة البقاء أنظر نحو الصوت.
لو كان زومبي، كنتُ سأتقبل قدري وأموت بسلام؛ فلم يعد لدي طاقة للقتال.
ولو كانوا الناجين الذين هربوا، كنتُ سأستجمع آخر ذرة قوة لأمسك بشعورهم وأشتمهم.
لكن الشخص الواقف هناك كان غير متوقع تماماً.
الشخص الذي فتح الباب الأمامي ودخل كان… هو.
كان واقفاً يلهث وأنفاسه متسارعة، وعيناه متسعتان من الصدمة.
“أنت..”
بمجرد رؤية وجهه، اختفى التوتر وخارت قواي.
لماذا هو هنا؟
“اختي.”
“لي
دون..”
دخل الفصل ببطء، اقترب مني واحتضنني بقوة.
“اختي.. الحمد لله. أنا سعيدٌ حقاً.”
ثم، وهو يحتضنني، بدأ يبكي بنحيب كالأطفال.
“يا.. أنت.. لماذا تبكي؟”
كان يُفترض أن أبكي أنا، لكنه بكى بحرقة أكبر مني، لدرجة أن دموعي جفت من الذهول، وخرجت مني تنهيدة ضاحكة بلا قوة.
ثم حنيتُ رأسي ودفنتُ وجهي في كتفه.
****
< انتهى الفصل >
• شكرا على حسن المتابعة •
يتبع …
°
°
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"