لم يعجبني أبداً أنني مضطر لتركها والذهاب، خاصة أنني سأتركها وحيدة مع رجل كهذا…
هذا الرجل، جاريد، يبدو هزيلاً لدرجة أن ضربة واحدة قد تسقطه، وبدلاً من أن يحميها إذا حدث مكروه، يبدو أنه سيكون أول من يُهزم.
لكن أخذها معي لم يكن فكرة سارة أيضاً.
من المؤكد أن تلك القاعة تضم وحشاً أقوى بكثير من الزومبي العاديين الذين رأيناهم حتى الآن.
وبدلاً من أخذها وهي مصابة إلى مكان كهذا، كان من الأفضل أن تبقى هنا في أمان مع هذا الشخص الأحمق.
“هاه….”
لا أدري إن كانت تشعر بما يدور في صدري أم لا، لكنها كانت مشغولة بالحديث مع الآخرين.
نظرتُ إليها لبرهة ثم التفتُّ نحو القاعات.
على عكس القاعات الأخرى التي كانت تضج بأصوات الزومبي وهم يضربون الأبواب بجنون، كانت القاعة الأخيرة في نهاية الممر هادئة تماماً، صمت مطبق كصمت القبور.
‘من المؤكد أن شرط إنهاء المرحلة موجود هناك….’
“شرط إنهاء المرحلة”.
كانت هذه الكلمات غريبة جداً عليّ. وكأننا لسنا في عالم حقيقي، بل داخل لعبة… أن أستخدم هذه المصطلحات في الواقع أمر يثير السخرية لدرجة الضحك المرير.
لكنني لم أستطع أخذ الأمر بخفة؛ فالمسألة تتعلق بالنجاة، لذا قضيت وقتاً طويلاً في التفكير بعمق، وسألتها لأتأكد إن كانت شكوكي في محلها.
عندما سألتها، لم تؤكد ولم تنفِ، بل اختارت الصمت والتهرب.
لكن ذلك كان كافياً بالنسبة لي، فقد فهمتُ ما يعنيه صمتها.
يبدو أنها تعرف الكثير بالفعل.
“سأذهب وأعود. استريحي أنتِ.”
بينما كنت غارقاً في تفكيري، اتخذت هي قرارها بالبقاء، ووقفت بجانب ذلك الرجل وهي تطلب مني العودة بحذر.
أجبتها باختصار لأطمئنها:
“أختي، سأذهب وأعود قريباً.”
كنت أتفحص ملامحها للمرة الأخيرة، وبدا لي أنها تريد قول شيء آخر، كانت مترددة وتتلعثم.
لكنها بدت وكأنها عدلت عن رأيها، وعندما استدرتُ للذهاب نحو القاعة، أمسكت بي فجأة وسحبتني بعيداً عن الآخرين.
“بمجرد دخولك، مزق الشاشة فوراً. يجب أن تكون هي أول شيء تفعله.”
كنت أتساءل عما تريد قوله، لكن كلامها الملتوي أصابني بالذهول.
‘الشاشة…؟’
بما أنني واثق أنها لن تعطيني نصيحة خاطئة، أومأتُ برأسي موافقاً.
“ولا تشغل نفسك بالآخرين، اذهب بأسرع ما يمكن إلى غرفة العرض وحطم الآلة. بعد ذلك سيكون الأمر سهلاً، لكن تحطيم الآلة هو الجزء الصعب.”
ثم بدأت تتحدث بسرعة فائقة وكأنها تخشى ضيق الوقت، وكانت تنظر إليّ بنظرات قلقة، كأم تراقب طفلها وهو يقترب من حافة خطر.
“لا تُصب بأذى. لا، لا بأس إن أُصبت، فأنا سأعالجك. المهم أن تعود وأنفاسك لا تزال معك.”
لكي أهدئ من روعها، وعدتها مراراً بأنني سأكون حذراً وأعود سالماً، وبعد محاولات طويله تركتني أذهب.
‘أي نوع من الوحوش ينتظرنا هناك لدرجة أن تقلق بهذا الشكل؟’
كتمتُ القلق الذي بدأ يتسرب إلى قلبي واتجهت نحو القاعة الأخيرة.
“هل أنت قلق على هانجي؟”
“….”
تلك المرأة، سيوجن، التي لم تكن علاقتي بها قوية ولم نتبادل سوى كلمات معدودة، هي من بدأت الحديث.
لم تكن لدي رغبة في الرد، فآثرت الصمت.
“يبدو أنك تحبها كثيراً.”
“….”
“أنا أيضاً أحب هانجي.”
رغم أنني لم أجب، استمرت في الحديث وحدها، فشعرتُ بالانزعاج ونظرتُ إليها بنظرة حادة تعني: “وماذا في ذلك؟”.
“هل تكرهني؟”
“….”
بينما كنت أحاول تجاهلها والمضي قدماً، توقفتُ فجأة.
وعندما رأيتها لا تتبعني، التفتُّ إليها بضيق وقلتُ بنبرة جافة:
“بدلاً من تضييع الوقت في كلام فارغ، لننهِ الأمر بسرعة ونعود. لا أريد استنزاف طاقتي في أحاديث غير مجدية.”
“هل تكره التحدث معي إلى هذه الدرجة؟”
“ولماذا يجب أن أتبادل معكِ أحاديث تافهة؟ إذا كنتِ بحاجة لمن يتحدث معكِ، عودي أدراجك. سيكون من الأسهل لي الذهاب وحدي بدونكِ.”
“تعاملك معي يختلف تماماً عن تعاملك مع هانجي.”
“وماذا في ذلك؟ هل هناك سبب يجبرني على أن أكون لطيفاً معكِ؟”
شعرتُ أن الحديث معها هو محض تضييع للوقت، فاستدرتُ وتركتها خلفي ومشيت بمفردي.
كما قلت، الذهاب وحيداً أهون عليّ.
وبينما كنت أمشي معتقداً أنني تخلصت من هذا العبء، شعرتُ فجأة بثقل كبير يطبق عليّ من الخلف.
حاولتُ دفعها بعيداً لكن دون جدوى.
“حتى لو كنتَ رجلاً وأنا امرأة، فأنا لا أزال أقوى منك بدنياً.”
“أغـه…. ماذا تفعلين! اتركيني فوراً!”
كانت تطبق بساعدها على رقبتي بقوة وتضغط على رأسي، فصرختُ بضيق، لكنها لم تبدِ أي نية لتركي.
“هل تظن أنني لم أقابل أمثالك من قبل؟ لقد رأيتُ الكثير من الرياضيين الذين يعتقدون أنهم الأفضل ويحتقرون الجميع مثلك. حسناً، أنت مختلف قليلاً عنهم، لكن المبدأ واحد.”
“كفي عن هذا الهراء واتركيني الآن!”
“يا إلهي، لم أرد قول هذا، لكن لسانك سليط فعلاً. أنا أكبر منك سناً، وعليك أن تتحدث بأدب.”
في تلك اللحظة، اعتقدتُ حقاً أنها مجنونة.
كنت أعلم أنها كانت رياضية، لكن قوتها كانت غير منطقية… كيف يمكن أن تكون بهذه القوة؟
“أنا لا أطلب منك أن تعاملني كما تعامل هانجي. لكن بما أننا سنتنقل معاً في المستقبل، فمن المزعج أن تظل فظاً هكذا. أعلم أنك لست مرتاحاً لوجودي أنا وجاريد.”
وماذا في ذلك؟ هل تتوقع مني أن أعاملكما كرفاق؟
سخرتُ من كلامها وحاولتُ بكل قوتي إبعاد ذراعها عن رقبتي.
“لكن، من أجل هانجي، ألا يمكنك أن تكون أكثر لطفاً قليلاً؟ وإلا ستشعر هي بالارتباك والضيق وهي تقف بيننا.”
“هل هذا تهديد؟”
“مستحيل. لماذا أهددك؟ أنا فقط أطلب منك. لأنني أعرف أنك في الحقيقة فتى طيب.”
“هه، وعلى أي أساس تقولين هذا؟”
“لقد ساعدتني. رغم تذمرك، ساعدتني في المتجر…”
“فعلتُ ذلك لأن أختي هانجي طلبت مني، ليس لأنني أحبكِ.”
“وساعدتني في المستشفى أيضاً. ذلك الكلب الأسود؛ حتى لو صنعته من أجل هانجي، كان بإمكانك إلغاؤه في منتصف الطريق. ومع ذلك، لم تتجاهلني وساعدتني عندما كان الزومبي يطاردونني.”
“ذلك أيضاً كان بسببها…”
“تتذرع بهانجي لتخفي خجلك. انظر إليك الآن؛ يمكنك استخدام قدرتك تلك للإفلات مني، فلماذا لا تفعل؟”
“….”
رغم كل قوتي لم تتزحزح، وبدأ كبريائي ينجرح.
وبينما كنت أفكر جدياً في استخدام قدرتي، ارتخت يدي التي كانت تمسك بذراعها.
عندها، خففت هي قبضتها عن رقبتي وابتعدت عني.
“أعلم أنك تحب هانجي. وأعلم أنك تكره وجودنا بينكما. ليس لدي أي نية لإفساد العلاقة بينكما.”
“….”
“لا يهمني كيف تعاملني أنا، لكن هل يمكنك أن تكون أكثر لطفاً مع جاريد؟ لم يمضِ وقت طويل على لقائنا، لكني أشعر أنه يراقب الجميع بخوف ويبدو منكسراً. إذا عاملته بجفاء، سيعاني كثيراً.”
بعد أن أفلتُّ منها أخيراً، بدأتُ أرتب شعري وثيابي المبعثرة وأنا أستمع إليها بصمت.
‘سيوجن’، أليس هذا اسمها؟ حقاً، يبدو أن فضولها وتدخلها في شؤون الآخرين لا حدود لهما.
ما شأني أنا بحالة ذلك الرجل؟
“إذا كنتِ قلقة عليه لهذه الدرجة، فاهتمي به أنتِ.”
“سأفعل ذلك بالتأكيد… لكن، أنت رجل مثله، ولا بد أن هناك أشياء يفهمها الرجال فيما بينهم. كنت آمل أن تساعده في ذلك الجانب.”
“هاه…”
“أنا أحب هانجي كثيراً. تذكرني بشقيقي الاصغر. لقد ساعدتني كثيراً عندما كنت في أصعب حالاتي… ورغم أنني فقدتُ شقيقي، لا أريد أن أفقد هانجي. وينطبق الأمر عليك وعلى جاريد أيضاً.”
“….”
“قد يبدو كلامي غريباً، لكني الأكبر سناً هنا. أشعر أنكم جميعاً مثل إخوتي الصغار ويجب عليّ حمايتكم.”
مثل إخوتك؟ حمايتنا؟ يا للسخرية.
منذ متى أصبحنا إخوة؟ كدتُ أسخر منها وأخبرها أن تهتم بحماية نفسها أولاً، لكني كتمتُ ذلك.
“جاريد في حالة سيئة بسبب حصاره هنا، وهو منكسر دائماً لذا أشعر بالقلق عليه. أما هانجي، فهي تمنحنا شعوراً بالتوازن وتدعمنا جميعاً، لكني أخشى عليها لأنها تحاول تحمل كل الأعباء وحدها. أشعر أنها قد تنهار في أي لحظة.”
“….”
“والأكثر إثارة للقلق هو أنت. هناك شيء فيك… يجعلك تبدو هشاً جداً وكأنك على وشك السقوط.”
لم يعجبني كلامها.
كرهتُ أسلوبها في معاملتنا كأطفال يحتاجون للرعاية، ومحاولتها التدخل في كل تفصيلة وقيادتنا.
فقط لأنها أكبر قليلاً، تظن أن لها الحق في ذلك.
تذكرتُ فجأة اليوم الذي دخلتُ فيه المدرسة لأول مرة.
تذكرتُ رفاقي الذين كنت أعتبرهم مقربين، وما فعلوه بي، مما زاد من شعوري بالضيق.
“لو كنتُ أقوى لتمكنتُ من حمايتكم، لكن الحقيقة هي أنك أقوى مني. لذا أنا أطلب مساعدتك. أريد أن ننجو جميعاً. لا يجب أن نكون مقربين جداً، فقط أريدنا أن نثق ببعضنا قليلاً ونستند إلى بعضنا.”
“…هيا بنا بسرعة.”
خطوتُ خطوة للأمام تاركاً إياها خلفي.
“ليس لدينا وقت للوقوف والحديث هكذا. هم ينتظروننا. لا يمكننا ترك ذينك الاثنين وحدهما لفترة طويلة. لننهِ الأمر بسرعة ونعود.”
“…أجل، معك حق. لا بد أنهم ينتظرون. لننهِ العمل ونعد بسرعة.”
التعليقات لهذا الفصل " 57"