بعد أن كُشفت تلك الحقيقة الصادمة وتغيرت الأجواء تماماً، وقفتُ من مكاني محاولةً تلطيف الموقف.
“بالمناسبة، لم نتفقد جميع القاعات بعد، أليس كذلك؟ بقيت واحدة.”
“آه، صحيح. بقيت واحدة أخيرة.”
“لنذهب ونتفقدها إذاً.”
“بقيت واحدة؟”
سأل جاريد باستغراب.
“أنت لا تعلم يا جاريد، كنا نتفقد المكان لأننا نبحث عن شيء ما. وبالمصادفة وجدناك هناك. على أي حال، بقيت غرفة واحدة لم نتأكد منها بعد.”
“آه…”
بمجرد ذكر قاعة السينما، أظلم وجه جاريد.
من الواضح أن ذكريات حصاره هناك بدأت تهاجمه.
“ابقَ هنا واسترح، سنذهب نحن ونعود.”
“لا، سآتي معكم. لا يمكنني البقاء هنا وحدي.”
لكن تعابير وجهه كانت تناقض كلامه تماماً؛ كان من الجليّ أنه يجبر نفسه على المرافقة.
بسبب طبيعة شخصيته وضعف تقديره لذاته، يبدو أنه اعتاد مراعاة مشاعر الآخرين ومسايرتهم، لذا يحاول ملاحقتنا.
لكن لا داعي لذلك فعلاً.
فبرغم تظاهره بالقوة، إلا أن الصدمة النفسية التي تلقاها أثناء حصاره لا بد أنها كانت شديدة.
‘في مثل هذه الحالات، من الأفضل ألا يبقى المرء وحيداً.. هل من الأفضل أن يذهب اثنان للقاعة ويبقى الثالث معه؟’
إذاً، الصورة المثالية هي أن يذهب ليدون وسيوجن، وأبقى أنا مع جاريد. أنا لا أملك قدرات قتالية، لذا لن أكون مفيدة هناك. بقائي هنا أفضل.
لكن ما يقلقني هو أنهما لا يعرفان شيئاً عن “الزومبي الأساسي”.
أنا لا أقاتل، لكني أعرف نقاط ضعفه جيداً، وبوجودي يمكنني تلميح لهما بالثغرات ومساعدتهما.
اممم.. ماذا أفعل؟
أعتقد أن هذين الاثنين سيبليان بلاءً حسناً حتى بدوني..
بعد تفكير طويل، حسمتُ أمري وقلت لهما:
“ما رأيك أن تبقى معي هنا يا جاريد؟ ليدون، هل تذهب أنت وأختي سيوجن وتعودان؟ على أي حال، أنا مصابة ومعصمي يؤلمني ولن أستطيع القتال جيداً. لن أكون مفيدة هناك، لذا سأنتظر مع جاريد. هل تمانعان؟”
“بالتأكيد. جاريد لا يزال مشوشاً، وبقاء شخص معه أفضل من بقائه وحيداً. سنذهب نحن الاثنين. على الأرجح ستكون القاعة مشابهة للبقية.” (سيوجن)
“رغم ذلك لا تستهينا بالأمر. المستقبل دائماً ما يخبئ المفاجآت.” (هانجي)
رغم تحذيري المستمر لهما، إلا أن القلق لم يبارح قلبي.
‘هل كان من الأفضل أن أذهب؟ يمكنني أن أطلب من جاريد البقاء وحده للحظات.. لكن الخصم هو الزومبي الأساسي، وإرسالهما وحدهما.. لكن حال معصمي لا تسمح لي بالقتال معهما على أي حال..’
بدأ التوتر ينهشني خوفاً من حدوث مكروه.
فربما تغير الزومبي الأساسي عن النسخة التي أعرفها في اللعبة، تماماً كما حدث في المستشفى.
“سنذهب ونعود، استريحي أنتِ.”
“أختي، سنعود قريباً.”
راقبتُ ظهرهما وهما يبتعدان، لكنني لم أتحمل، فناديتُ ليدون في اللحظة الأخيرة.
“انتظر لحظة، تعال هنا.”
أخذته إلى مكان بعيد قليلاً لكي لا يسمعنا الآخرون، وقلت له الكلمات التي كنت أكتمها:
“بمجرد دخولك، مزق الشاشة فوراً. يجب أن تكون هي أول شيء تفعله.”
“الشاشة؟ حسناً، فهمت.”
“ولا تشغل نفسك بالآخرين، اذهب بأسرع ما يمكن إلى غرفة العرض وحطم الآلة. بعد ذلك سيكون الأمر سهلاً، لكن تحطيم الآلة هو الجزء الصعب.”
“فهمت.”
“لا تُصب بأذى. لا، لا بأس إن أُصبت، فأنا سأعالجك. المهم أن تعود وأنفاسك لا تزال معك.”
من شدة القلق، أخبرته بكل ما خطر ببالي.
لم يسأل ليدون أي سؤال، بل أومأ برأسه بهدوء، ثم مسح على رأسي وأخبرني ألا أقلق.
بعد أن أرسلتهما لمواجهة الزومبي الأساسي، عدت وجلست مكاني.
“كان يجب أن تذهبي معهما. تبدين قلقة جداً. كان بإمكاني البقاء وحدي، فالأمر لن يستغرق طويلاً.” (جاريد)
“لا بأس. حتى لو ذهبتُ، سأكون عبئاً عليهما فقط.” (هانجي)
“… قلتِ إنكِ مصابة. هل الإصابة بليغة؟”
“ليست بليغة جداً، لكني لن أستطيع استخدام أحد معصمي لفترة.”
رفعتُ كمي الأيسر وأريته الضمادة.
كانت التورمات قد خفت عن الأمس، لكنني واثقة أن تحت هذه الضمادة كدمات سوداء قاتمة.
“أليست هذه إصابة بليغة؟ لا بد أنها تؤلم.. كيف حدث هذا؟”
“أثناء القتال مع الزومبي. كان خصماً قوياً جداً وعانيت كثيراً للإيقاع به.”
“ألم تشعري بالخوف؟”
“بالطبع خفت. لكن لا خيار أمامي، وإلا سأموت.”
هذا صحيح.
إذا لم نقتل ذلك الوحش، لن نتمكن من العودة للمنزل، وسأضطر للعيش في هذا العالم المرعب للأبد، ومن المؤكد أنني سأموت ميتة شنيعة قبل أواني.
“كيف تشعرين وأنتِ تقاتلين الزومبي؟” (جاريد)
“هاه؟ كيف أشعر؟”
“أجدكِ مذهلة. اعني انتم تقاتلون وتخاطرون بحياتكم.. أنا جبان جداً ولا أستطيع فعل ذلك.”
“في البداية لم أكن أستطيع أيضاً. لكن من أجل النجاة، ومن أجل حماية نفسي، تحركتُ رغماً عني. بمجرد أن تفعلها مرة، تصبح المرات التالية أسهل. الجزء الصعب هو تلك المرة الأولى فقط.” (هانجي)
“كان اسمه ليدون، صح؟” (جاريد)
“أجل، لماذا تسأل عنه؟”
“هل تتواعدان؟”
“…ماذا؟”
كنا نتحدث عن الزومبي، فما علاقة ليدون بالموضوع فجأة؟ وفوق ذلك، تواعد؟!
“لا، أبداً! لماذا تسأل هذا فجأة؟”
“لأنكما تبدوان مقربين جداً.”
“آه، هذا لأن.. هو أول شخص قابلته. التقينا في المدرسة.”
“مدرسة.. يبدو أنكما صديقان منذ الطفولة إذاً.”
“ليس بهذا المعنى.. لم يمضِ على لقائي به سوى بضعة أيام. ما حدث هو أن الزومبي ظهروا، فهربتُ ودخلتُ إلى مبنى قريب، وكان ذلك المبنى هو المدرسة، وهناك التقينا.”
“رغم ذلك، تبدوان مقربين جداً.”
“حسناً، عندما نتجاوز الموت معاً عدة مرات، لا بد أن نصبح مقربين.”
علاوة على ذلك، هو بطل القصة، ومن الطبيعي أن يشعر بالقرب مني لأني قضيتُ معه وقتاً طويلاً.
“وقلتِ إنكِ قابلتِ الأخت سيوجن في المتجر؟”
“أجل. ذهبتُ لمتجر كبير قريب من أجل الطعام، وهناك التقينا بالصدفة وبدأنا نتجول معاً.”
“أنتِ تملكين مهارة اجتماعية عالية إذاً؟”
مهارة اجتماعية؟ أنا؟!
كانت هذه المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الوصف.
لطالما قيل عني إنني انطوائية وأجد صعوبة في التعامل مع الغرباء.
لم أتخيل أبداً أن توصف مهاراتي بالاجتماعية.
“مستحيل. أنا أجد صعوبة بالغة في التعامل مع الغرباء.”
“لا يبدو ذلك، فأنتِ لم تجدي صعوبة في التعامل معي. والأخت سيوجن قالت إنكِ أنتِ من اقتربتِ منها أولاً.”
“آه، ذلك لأن..”
‘لأنكم شخصيات في لعبة!’ لكن لا يمكنني قول ذلك له.
اممم.. ماذا أقول؟
بما أنني لا أستطيع قول الحقيقة، كان عليّ اختراع كذبة مقنعة، لكن لم يخطر ببالي شيء.
“أنا أحسدكِ.”
“ماذا؟”
“لا شيء. على أي حال..”
بينما كنت أحاول عصر مخي للرد، قال شيئاً لم أسمعه جيداً.
سألتُه ثانية لكنه قال إنه لا شيء وغير الموضوع.
شعرت بالريبة لكنني قررت تجاوز الأمر.
「تهانينا. لقد أنهيتم المرحلة 4: السينما.」
أخيراً، ظهرت الرسالة المنتظرة أمام عيني، فاستطعتُ التنفس براحة.
بينما كنت أتحدث معه، كان عقلي مشغولاً بالقلق عليهما.
لدرجة أنني كنت قد قررتُ الذهاب إليهما وحدي وترك جاريد هنا إذا تأخرت الرسالة أكثر.
لحسن الحظ، ظهرت الرسالة قبل أن أتحرك، وتبدد قلقي.
آمل ألا يكونا قد تضررا كثيراً.
“هانجي؟”
“أوه.. أوه؟ آسفة، كنت شاردة قليلاً. ماذا قلت؟”
“لا شيء.”
فجأة تغير الجو الهادئ وأصبح ثقيلاً، فظننت أنني فعلت شيئاً خاطئاً ونظرتُ إليه.
لكنه كان ينظر في اتجاه آخر.
وعندما هممتُ بمحادثته، رأيتهما يعودان من بعيد.
بدا عليهما أنهما بخير، فوقفتُ بلهفة.
“لقد تأخرتما قليلاً. هل حدث شيء؟”
“في الواقع، تلك القاعة كانت مختلفة عن البقية. بمجرد دخولنا، لم نرَ أي زومبي! لكن الفيلم كان يُعرض، وفجأة خرجت وحوش من الشاشة.”
حتى الآن، الأحداث تطابق ما أعرفه.
“وبعد ذلك؟”
“خضنا قتالاً عنيفاً معهم لفترة. حاول ليدون الدخول لغرفة العرض لتحطيم الآلة، لكن وحشاً غريباً ظهر ومنعه.. لذا استغرق الأمر بعض الوقت.”
“فهمت. الحمد لله أنكما بخير ولا تبدو عليكما إصابات. ومع ذلك، سأعالجكما للاحتياط. أرني يدكِ.”
“أنا بخير، اذهبي إلى ليدون. يبدو أنه تضرر قليلاً.”
“ماذا؟! أصيب؟!”
التفتُّ بسرعة نحو ليدون أتفحصه.
وبينما أبحث عن موضع إصابته، رأيت أثراً طفيفاً من الدماء على زاوية فمه.
اتسعت عيناي وركضتُ نحوه أسأله عما حدث.
“أختي سيوجن تقول إنك أصبت، أين الإصابة؟ هناك دم على فمك، هل تقيأت دماً؟”
“ليس لهذا الحد.. ولكن، لو كنتُ قد تقيأت دماً، هل كنتِ ستقبلينني؟”
“ماذا؟ من أين خرج هذا الكلام فجأة؟”
“تقيؤ الدم يعني إصابة داخلية. وبما أنكِ لا تستطيعين لمس الجرح بيدك، فعليكِ تقبيلي لكي..”
“كفى، فهمت. يبدو أنك بخير ما دمت تتفوه بهذا الكلام.”
وضعتُ يدي على فمه لأوقفه عن الكلام.
ظننتُ أنه سيهدأ لفترة، لكنه بدأ هراءه مجدداً.
تنهدتُ بعمق.
في تلك اللحظة، شعرتُ بشيء دافئ ورطب على كفي، فسحبتُ يدي عن فمه بسرعة.
“هاهه! ماذا تفعل! لماذا لعقت يدي!”
“بما أنكِ لم تقبليني، فعلتُ هذا على الأقل.”
يا إلهي، هذا الفتى لا يطاق!
بقيتُ فاغرة فاهي من الصدمة.
بدا أن منظري المذهول أضحكه، فضحك بخ
فة وأمسك بيدي.
فتح كفي التي كنت أقبضها ووضع فيها شيئاً، ثم أغلق أصابعي عليه مجدداً.
“خذي هذا. أليس هذا ما تحتاجين إليه يا أختي؟”
“ما الذي أعطيتني..”
فتحتُ كفي لأرى ما وضعه، فإذ بي أرى حجرًا برتقاليًا مشعًا.
التعليقات لهذا الفصل " 56"