تذكرتُ أنني رأيتُ مقصًا ومشرطًا في حاملةِ الأقلام.
وبمجردِ أن لمستهما أطرافُ أصابعي، سحبتهما بحذرٍ وأمسكتُ بهما بقوة.
لو كان الخصمُ زومبي متحوّلًا، فلن تُجدي هذه الأدواتُ نفعًا، لكن مجردَ وجودِ سلاحٍ في يدي منحني شعورًا طفيفًا بالأمان.
في تلك الأثناء، اختفى الصوتُ وحلَّ سكونٌ تام.
لكن من المستحيلِ أن يكون ذلك الشيءُ قد رحل؛ لا بد أنه يكتمُ أنفاسه في الخارج.
هل يفعلُ هذا لأنه يعلمُ بوجودِ أشخاصٍ في الداخل؟
الزومبي المتحولون أقوى من العاديين، ويملكون حاسةً واحدةً متطورةً للغاية، سواء كانت البصر أو السمع أو الشم.
يمكنهم تمييزُ صوتِ أنفاسِ البشر أو رائحةِ دمٍ طفيفةٍ بسهولة.
الزومبي ذوو البصرِ المتطور يملكون أعينًا حتى في مؤخرةِ رؤوسهم، ومدى رؤيتهم واسعٌ لدرجةِ أنَّ مَن يلمحونه يصعبُ عليه الهرب.
وفوق هذا، هناك مَن يتميزُ بالسرعة، أو الذكاء، أو القوة، أو حتى تغييرِ شكله.
زومبي من كل صنفٍ ولون.
هل يختبرُنا؟
لا يمكنني التصرفُ بتهورٍ طالما لا أعرفُ نوعَ المتحولِ القابعِ في الخارج.
كان التوترُ ثقيلًا لدرجةِ أن التنفسَ أصبح عبئًا.
ومع استمرارِ حالةِ المواجهة، سال عرقٌ باردٌ على وجنتيَّ ليستقرَّ عند طرفِ ذقني.
‘سأجن. ما هو هذا الشيءُ حقًا؟’
الآن، حتى أصواتُ الزومبي العاديين التي كانت تُسمعُ أحيانًا قد اختفت.
كان الهدوءُ مريبًا للغاية.
‘فكري، فكري. لا بد أن هناك ميزةً لكل نوع…’
بما أنه طرقَ الباب وحاول فتحَ المقبض، فهو يملكُ قدرًا من الذكاء.
هل هو المتحولُ المتخصصُ في الذكاء؟ لكن هذا الصمتَ يثيرُ ريبتي.
من المضحكِ أنَّ للزومبي تراتبًا طبقيًا أيضًا؛ فالزومبي العاديُّ أدنى رتبةً من المتحول.
المتحولون ينبعثُ منهم “هالة” خاصة، وحتى الزومبي الأغبياء يشعرون بها غريزيًا فيتجنبونهم قدر الإمكان.
لكن المتحولَ الذكيَّ لا يملكُ هالةً على الإطلاق؛ فهو يختبئُ بين الزومبي العاديين الذين يشبهونه في المظهر ويتصرفُ بذكاء، وينتظرُ الفرصةَ ببراعةٍ لافتراسِ البشر.
يا لخبثه! لكان التعاملُ مع الوحوشِ التي تهجمُ بحمقٍ أسهل بكثير.
على أي حال، لو كان هو، لما هرب الزومبي العاديون، ولما كان الخارجُ بهذا الهدوء.
هذا يعني أنه نوعٌ آخر.. أيُّ نوعٍ هو؟
فجأة، خطرَ ببالي خاطرٌ كالصاعقة.
‘لحظة… مستحيل، صحيح؟ هه، لا يعقلُ أن يكون هو…’
في تلك اللحظة، أصبح الهواءُ باردًا.
لم يكن مجردَ وهم؛ فقد انخفضت درجةُ الحرارةِ فجأةً لدرجةِ أن عضلاتي تشنجت وشعرتُ بوخزٍ في رئتيَّ وكأنهما تجمدتا.
‘أوه..؟ غير معقول. لا، انتظروا. لا يمكن! لكن هذا الوحش هو…!’
لم يكتمل حبلُ أفكاري.
تيبسَ جسدي من البرودةِ المنبعثةِ خلفي مباشرةً وأصبح عقلي صفحةً بيضاء.
ومع ذلك، وبفضلِ تمسكي بآخر خيوطِ عقلي، كززتُ على أسناني واستدرتُ بجسدي.
هناك، كان يقفُ زومبي انكشفت العظامُ في نصفِ وجهه، بينما تعفنَ النصفُ الآخرُ واسودَّ تمامًا.
كان ينفثُ هالةً سوداء حوله فاتحًا فكَّه البشع.
“….!”
يقولون إنَّ مَن يُصدمُ بشدةٍ لا يستطيعُ الصراخ، وهذا ما حدث؛ فلم يخرج مني صراخ، بل شهقتُ شهقةً انحبست في حلقي وسقطتُ للخلف.
وفي اللحظةِ التي رفعَ فيها يده ليقبضَ على عنقي، طعنتهُ بالمشرطِ في عينه الوحيدة.
“كراااااااك! كياااااااااا!!”
يبدو أن الضربةَ كانت قاضية؛ فقد أمسكَ الوحشُ بعينه وصرخَ بجنون.
على عكسِ نصفِ وجهه العظميّ الذي يحوي محجرًا فارغًا، كان النصفُ الآخرُ المتعفنُ يحملُ مقلةَ عين؛ وكانت تلك هي نقطةَ ضعفِ الزعيمِ المتوسط.
لكن هذا لن يدومَ طويلًا؛ فما فعلته جعلته عاجزًا عن القتالِ مؤقتًا فقط، ولم يقتله.
لقتله، يجبُ ضربه حتى تنفدَ نقاطُ حياته تمامًا، وبما أنه زعيمٌ، فنقاطُ حياته هائلةٌ ومستحيلةٌ علينا الآن.
“ليدون!”
دفعتُ الزومبي الذي كان يتلوى ألمًا وركلتهُ جانبًا، ثم ركضتُ نحو الفتى.
“يجبُ أن نهربَ الآن! هل تستطيعُ الحركة؟”
“أستطيع.. هاه..”
خرجنا من العيادة وقُدتُه بلا وجهةٍ محددة. لكن سرعان ما توقفنا؛ فحالة ليدون كانت سيئةً ولا تسمحُ له بالمشي لمسافاتٍ طويلة.
كان وجههُ غارقًا في العرقِ البارد.
اللعنة.
سيتعافى ذلك الوحشُ قريبًا. لحسنِ الحظ دمرتُ عينه، لذا لن يجدنا بسهولةٍ حتى لو اختبأنا في مكانٍ قريب.. لكن كان من الأفضلِ الابتعادُ قدرَ الإمكان.
يملكُ الزعيمُ المتوسطُ قدرتين؛ الأولى هي الانتقالُ الآني إلى أي مكانٍ يقعُ في مدى بصره.
والثانية هي الرؤيةُ النافذة، وهي القدرةُ التي يستخدمُ فيها العينَ التي دمرتُها؛ فيمكنه مسحُ أي مكانٍ بيده ليتركَ أثرًا، وإذا نظرَ بعينه يرى ما خلفه بوضوح.
وأيضاً، تلك العينُ ليست عينًا حقيقية، بل مجردُ وسيطٍ لاستخدامِ قدرته الثانية، ويمكنه الرؤيةُ حتى بدونها.
هذا الوحشُ كان بمستوى “رئيس” يستطيعُ الذهابَ لأي مكانٍ في مرحلةِ المدرسة.
ورغم أن الزعيمَ النهائيَّ شخصٌ آخر، إلا أنَّ صعوبةَ هذا الوحشِ كانت كافيةً بحد ذاتها.
“هوف.. لنرتح هنا مؤقتًا.”
فتحتُ أقربَ بابٍ ودخلنا. كانت الأضواءُ مطفأةً لكن عينيَّ اللتين اعتادتا الظلام ميزتا ملامحَ الغرفة.
تأكدتُ من خلوِّ المكانِ وأغلقتُ الباب. وجدتُ ما يشبهُ الأريكةَ وأضجعتُه عليها بحذر.
“ليدون، هل أنتَ بخير؟ هل تستطيعُ سماعي؟”
“هاه، هاه.. اختي.”
كان تنفسهُ متسارعًا وصعبًا. لم أتمكن من معرفةِ حجمِ إصابتهِ بسبب الظلام.
بيدٍ مرتجفة، مسحتُ العرقَ عن جبينه.
شعرتُ بالغصةِ لعجزي عن فعلِ ش
يءٍ آخر، لكنني كتمتُ مشاعري بقوة.
آسفة.. أنا آسفة.
لقد أُصيبَ بكل هذا ليحميَني، بينما كنتُ أنا أحاولُ التخلي عنه للنجاة.
طوال فترة اشتباكه مع الوحش، كنتُ أفكرُ في الهروب. شعرتُ بالخزي والحقارةِ من نفسي لدرجةِ أنَّ الدموعَ غمرت عينيَّ.
التعليقات لهذا الفصل " 5"