بعد انفصالي عنها، كنتُ أسير عائدة في الطريق الذي جئتُ منه بصمت، لكنني توقفتُ قليلاً عندما رأيتُ برك الدماء على الأرض وكتل اللحم التي ازداد حجمها وكأنها ابتلعت شيئاً ما.
عضضتُ شفتي لأكتم رغبتي في التقيؤ، ثم أشحتُ بنظري وتابعتُ المشي متجاوزة تلك المناظر البشعة.
“….”
لم يمضِ وقت طويل حتى توقفتُ مرة أخرى، وترددتُ ثم التفتُّ خلفي.
لم أستطع إخراج صورتها من رأسي؛ فكرتُ في سيوجن ولم تغادر ذهني أبداً.
بصراحة، لم أكن أعرف إن كان ما أفعله صحيحاً، وشعرتُ بضيق شديد لأنني تركتها تواجه ذلك المصير وحدها.
“آه.. تباً.. ماذا أفعل الآن؟”
هل كان قراري بتركها والذهاب للبحث عن ليدون هو الخيار الصحيح؟
كان هذا يعني أنني أتفرج عليها وهي تموت.
“لا بأس، ما الذي سيتغير لو لحقتُ بها؟ سنموت كلانا فقط.”
من الأفضل أن يعيش شخص واحد بدلاً من أن يموت اثنان، لذا..
‘تباً. هذا بالضبط نفس الكلام الذي قاله ذلك النذل الذي مات قبل قليل.’
شعرتُ بالقرف من نفسي عندما أدركتُ أن أفكاري تشبه أعذار ذلك الشخص الحقير.
“…نعم. في النهاية، أنا لا أختلف عنه. البشر جميعاً متشابهون، أنانيون ولا يهتمون إلا بحياتهم.”
في الحقيقة، كان قلبي يميل لتركها.
ليدون أفضل منها؛ فهو هادئ ويسمع الكلام، أما هي فكانت تتصرف بعاطفية وتذهب للموت بقدميها.
كما أن قدراتها لا تقارن بقدرات ليدون، فالمقاتل الجسدي وجوده ثانوي مقارنة بالمهاجم القوي.
هكذا حاولتُ إقناع نفسي بأن تركها والبحث عنه هو القرار المنطقي.
ومع ذلك، بقيتُ واقفة في مكاني أشعر بالتردد والندم.
“يا إلهي، هذه مغامرة. أنا لا أحب المخاطرة بشيء مؤكد من أجل شيء غير مؤكد..!”
كانت المشكلة هي حياة ليدون؛ لا أعرف إن كان حياً أم ميتاً.
لو تركتُ سيوجن وذهبتُ لأجده ثم اكتشفتُ أنه مات، فستتعقد الأمور تماماً.
وبحلول ذلك الوقت، ستكون سيوجن قد ماتت هي الأخرى، وهذا يعني أن فرصتي في النجاة ستتلاشى تماماً.
خوفي من وقوع هذا السيناريو الكارثي جعل خطواتي ثقيلة.
أليس من الأفضل أن أبقى مع سيوجن الحية بدلاً من البحث عن شخص لا أعرف مصيره؟
ربما يمكنني إقناعها بالتراجع أو التفكير في خطة أفضل تنقذ حياتها.
كنتُ مستعدة حتى للركوع والتوسل إليها لو لزم الأمر.
كل هذه الصراعات نبعت من شخصيتي التي تفضل الأمان على المغامرة.
“آه، تباً! لا أعرف!”
كاد رأسي أن ينفجر من كثرة التفكير، فبعثرتُ شعري بغضب وتنهدتُ بعمق.
“حسناً، سأذهب للبحث عن ليدون. التفكير في هذا الأمر كان غباءً منذ البداية. سيوجن مجرد مساعدة، أما البطل فهو ليدون. لا مجال للمقارنة.”
حسمتُ أمري أخيراً، واستدرتُ بحزم نحو الاتجاه الذي افترقتُ فيه عن ليدون.
ليس هذا وقت التردد.
يجب أن أجده بسرعة قبل أن يفقد صوابه بسبب استهلاك قدرته بشكل مبالغ فيه.
ومع هذا التفكير، أصبحت خطواتي أخف وأنا أتقدم للأمام.
أظن أن المكان كان هنا..
عدتُ إلى حيث توجد قدم الوحش الرئيسي، وبحثتُ حولي عن ليدون لعلّه لا يزال هنا.
لم أجده، لكنني رأيتُ منظراً مرعباً لم أرغب في رؤيته.
“غير معقول.. هل وصل الأمر لهذا الحد بهذه السرعة؟”
كان هناك لحم يذوب على قدم الوحش قبل قليل، لكن الآن اختفى اللحم تماماً وظهرت العظام البيضاء الناصعة في أكثر من نصف القدم.
وإذا كانت القدم هكذا، فلا بد أن جسده ورأسه في حالة أسوأ.
“تباً! إذا انتقل للمرحلة الثانية فسنموت جميعاً!”
زاد قلقي على ليدون مع تدهور الوضع بهذا الشكل الكارثي.
لا يمكنني السماح ببدء المرحلة الثانية، يجب إنهاء الأمر قبل ذلك بأي ثمن.
كنتُ أبحث حولي بارتباك، ثم بدأت قدم الوحش تتحرك لتهز المكان مرة أخرى، فتحركتُ بسرعة لأتجنب الحطام.
كان جسدي ثقيلاً ولا يستجيب لي كما أريد بسبب التوتر.
وبقوة الإرادة وحدها، نجحتُ في الابتعاد عن مرمى الحطام الساقط، ووقفتُ أراقب قدم الوحش وهي تضرب الأرض.
ومع كل ضربة، كانت قطع اللحم تتساقط بغزارة، فغطيتُ فمي بسرعة لأمنع نفسي من التقيؤ.
كان المنظر بشعاً للغاية، وعقلي مشغول بكيفية التصرف إذا بدأت المرحلة الثانية.
‘ليدون.. أين أنت؟ يجب أن أجدك بسرعة.. بسرعة..’
يبدو أن أمنيتي قد استُجيبت، فقد ظهر أثره أمامي أخيراً.
“هذا هو..!”
من بين الغبار المتصاعد بسبب الحطام، رأيتُ طائراً أسود يحلق.
كان الطائر يتفادى القطع الساقطة بمهارة ويطير بهدوء في الهواء، وكان منظره غريباً في هذا المكان.
لا شك أنه طائر مصنوع من الظلال، وهذا يعني أن ليدون قريب من هنا.
“ليدون! ليدون!”
ناديتُ باسمه بأعلى صوتي.
حاولتُ الصراخ بكل قوتي، لكنني قلقتُ من أن يضيع صوتي وسط الضجيج المحيط.
وعندما هممتُ بالنداء مرة أخرى، تلاقت عيناي مع عين الطائر الأسود الذي كان ينظر إليّ مباشرة.
شعرتُ بالراحة عندما رأيته يطير نحوي، فبحثتُ حولي مجدداً؛ طيرانه نحوي يعني أنه سمعني، وهو قريب حتماً..
“آه..!”
عندما اقترب الطائر، مددتُ يدي، فهبط عليها بلطف.
عضَّ يدي بمنقاره عضّة خفيفة وكأنه يمازحني، ثم نزل إلى الأرض واختفى داخل ظلي.
وفجأة، تحرك ظلي وخرج منه نمر ظلال عوضاً عن الطائر.
أمسك النمر بطرف ملابسي وبدأ يسحبني وكأنه يطلب مني اتباعه، فلحقتُ به وأنا واثقة أنه سيقودني إليه.
“أوه! لحظة..!”
“أختي..”
منذ أن التقينا، تشبث بي ليدون وكأننا كنا مفترقين لسنوات.
كنتُ سعيدة برؤيته أيضاً، لكن عناقه القوي جعل تلك السعادة تختفي بسرعة.
“لا أستطيع.. التنفس..!”
“كنتُ خائفاً من فقدانكِ مرة أخرى. أنا سعيد لأنكِ بخير.”
“بل سأموت بسببك أنت الآن!”
كدتُ أنجو من الوحوش لأموت مخنوقة هنا؟!
رغم الفوضى، كنتُ أتفحص حالته بدقة.
ولحسن الحظ، لم يبدُ عليه أنه مصاب بجروح خطيرة.
“هل أنت مصاب في أي مكان؟ هل حدث لك شيء وأنت وحدك؟”
“هل تعرفين كم كان الأمر صعباً بدونه؟ كدتُ أجن من القلق. لن أسمح بحدوث هذا ثانية، سأعانقكِ طوال الوقت، أو ربما أربطكِ بحبل لكي لا تضيعي؟”
“يبدو أنك لم تُصب بأذى.”
عندما سمعتُ كلامه التافه، تأكدتُ أنه بخير.
حتى حالته العقلية كانت “مجنونة” كالمعتاد.
“توقف عن هذا الكلام الفارغ واتركني الآن. ليس لدينا وقت.”
“كلام فارغ؟ أنا جاد تماماً. هاه؟”
“توقف عن هذا الهراء. من هو المجنون الذي يربط إنساناً بحبل؟ هل أنا كلب؟ هل تريد وضع طوق حول عنقي؟”
سخرتُ منه بذهول بسبب فكرته الغريبة، لكن بدلاً من أن يتراجع، اتسعت عيناه وسأل بجدية:
“هل تسمحين لي بذلك؟”
“بالطبع لا، أيها المجنون.”
عندما رأيتُ أنه أخذ كلامي بجدية، اختفت رغبتي في الضحك وكدتُ أن أشتمه.
أصحح كلامي: حالته العقلية ليست طبيعية أبداً، يبدو أن كثرة استخدام القدرة قد أثرت على عقله فعلاً.
“لماذا! أنتِ من قلتي ذلك أولاً.”
“متى قلتُ إن ذلك مسموح!”
أصحح مرة أخرى: لقد فقد عقله تماماً. أصبح الآن يسمع ما يريد سماعه فقط.
“إذاً، ما رأيكِ لو وضعتُ الطوق حول عنقي أنا؟ وأنتِ من يمسك بالحبل، بشرط ألا تتركيه أبداً.”
“انسَ الأمر. لا أريد شيئاً كهذا!”
بدأتُ أتساءل بجدية عن طريقة تفكيره.
في السابق قال إنه يريد عضي، وعندما رفضتُ طلب مني أن أعضه أنا.
والآن يريدني أن أمسكه بحبل كأنه حيوان أليف.
هل يمكن لإنسان طبيعي أن يفكر بهذه الطريقة؟
“بالمناسبة، عنقكِ جميل جداً، وأظن أن أي شيء سيبدو رائعاً عليكِ.. إذا كنتِ تكرهين الطوق، فما رأيكِ بـ ‘عقد
زينة ملاصق’ ؟”
“…كان خطئي أنا. لم يكن يجب أن أفتح هذا الموضوع أبداً.. لساني هو السبب.”
أرجوك، اصرف نظرك عن عنقي تماماً!
صرختُ في داخلي بآهات مكتومة بينما كنتُ أتلقى نظراته العميقة والمحرجة.
التعليقات لهذا الفصل " 32"