“ما هذا؟ أليست هذه هي المرأة المجنونة؟ ما الذي جلبها إلى هنا؟”
“من هي؟”
“يا رجل، إنها أخت ذلك الفتى الذي مات، يقولون إنها فقدت عقلها بعد موته.”
“آه، تلك المرأة؟ ألم يقولوا إنها انهارت تماماً؟ سمعتُ أنها أثارت جلبة كبيرة وقتها.”
عندما سمعت سيوجن حوارهم، انفجرت غضباً.
تركت الرجل الذي كانت تمسك بتلابيبه واندفعت نحوهم بجنون.
ارتبكتُ بشدة وركضتُ خلفها لأمنعها.
“سيوجن! توقفي! استعيدي وعيك! هذا انتحار!”
“اتركيني! يجب أن أقتل هؤلاء الحثالة الآن..”
“سكاكين! إنهم يحملون سكاكين. إذا هجمتِ عليهم هكذا فستموتين ميتة مجانية!”
أرجوكِ استمعي إليّ!
لم أتعب كل هذا التعب لأراكِ تموتين هكذا. لو كنتُ أريد موتكِ، لما اهتممتُ بكونكِ مساعدة لي، وكنتُ سأسرق الطعام وأقتل الوحش الرئيسي وأهرب وحدي!
“أرجوكِ، اهدئي. بدلاً من هؤلاء، اذهبي واقتلي الرجل الذي كنتِ تمسكينه قبل قليل! هو القاتل الحقيقي لأخيكِ!”
“…ماذا تقولين؟”
“في الأصل، أخوكِ لم يكن مصاباً وكان بإمكانه الهرب، لكنه أُصيب وهو يساعد ذلك الرجل. ذلك النذل هو من مزق جرح أخيكِ ليجذب الوحوش بائحة الدم ويهرب هو. هو أسوأهم جميعاً، فاذهبي إليه أولاً!”
آه.. كم اشتقتُ لليدون في هذه اللحظة.
كنتُ أحاول منعها بكل قوتي لكنها كانت تسحبني معها بسبب قوتها البدنية الهائلة.
لم أكن أستطيع إيقافها وحدي أبداً، وبينما كنتُ أقول أي كلام لأهدئها، توقفت سيوجن فجأة.
أمسكت بي وسألتني إن كان كلامي حقيقياً، فصرختُ مؤكدة لها أن يترك هؤلاء وتلحق بذاك الهارب.
فجأة، تحول وجهها لملامح مرعبة ونظرت حيث هرب الرجل، ثم تركتني وركضت خلفه بسرعة.
بقيتُ وحدي فجأة، فجلستُ على الأرض من شدة التعب.. آه، لحظة، لستُ وحدي تماماً.
“هاه.. هاه..”
أجبرتُ جسدي المتعب على النهوض وذهبتُ لإحضار مضربي الذي رميتُه بعيداً وأنا أحاول منع سيوجن.
حاولتُ الابتسام وإظهار أنني لا أنوي الأذى لأهدئ الرجال الواقفين أمامي.
“آسفة على الإزعاج.. هاه هاه.. سنرحل الآن..”
“لحظة. رحيلكِ هكذا سيسبب لنا خسارة كبيرة.”
“نعم؟”
“بسبب ضجيجكما، بدأت الوحوش تتجمع هنا.”
نظرتُ حيث أشاروا، ورأيتُ كتل اللحم تزحف نحونا بالفعل.
لكن هذه الكتل لا تتأثر بالصوت، فليس من المنطقي أن يكون صراخنا هو السبب!
“عليكما تنظيف هذا المكان قبل الرحيل، وإلا سنضطر نحن لفعل ذلك. وبما أنكما تسببتما لنا بالتعب، فعليكما دفع الثمن، أليس كذلك؟”
“….”
بدأوا يهددونني بالسكاكين التي يحملونها.
كانت السكاكين حادة جداً ولامعة، وأدركتُ أن طعنة واحدة منها كفيلة بإنهاء أمري.
شعرتُ بالعرق البارد يتصبب مني.
“لقد أعجبتِنا، لذا إذا انضممتِ إلينا، فقد نسامحكِ بشكل استثنائي.”
“الجميع يحلم بالدخول إلى هنا، فاعتبري نفسكِ محظوظة.”
سمعتُ هذا الكلام التافه وشعرتُ بالاشمئزاز.
هل يظنون أنني سأنضم إليهم فعلاً؟
سأدخل لسرقة طعامهم نعم، لكن ليس الآن.
لن أدخل إلا مع ليدون، ولن أفعل ذلك وحدي أبداً.
التقطتُ مضربي ببطء، ثم رفعتُ يدي..
وبالتحديد إصبعي الأوسط في وجههم.
“لن أنضم إليكم أبداً، فكفوا عن أحلام اليقظة.”
ثم استدرتُ وركضتُ بأقصى سرعتي دون أن أنظر خلفي.
سمعتهم يصرخون خلفي لكنني تجاهلتهم، وركضتُ بكل ما أوتيت من قوة خوفاً من أن يلحقوا بي.
“كيف.. كخخ.. كيف استطعتُ الهرب من ذلك المسخ والنزول للطابق الأول..”
كنتُ أركض في الاتجاه الذي ذهبت إليه سيوجن، وأخيراً وجدتها وهي تقف فوق الرجل الذي كاد يموت من ضرباتها.
تنفستُ الصعداء.
“قالوا إنهم سيستقبلونني إذا أحضرتُ الطعام.. آخ! مؤلم، توقفي!”
ظن الرجل أن خطته نجحت، فبدأ يزيد من كلامه ليلعب على وتر تأنيب الضمير لديها.
لكن سيوجن سرعان ما رفعت يدها وعادت لضربه بقوة أكبر.
“كخخ!”
“كيف تجرؤ على قول هذا؟ هل هذا كلام يوجه لي؟ أمثالك لا يحق لهم النطق بهذه الكلمات!”
“آغغ.. هاه.. ارحميني..”
استمرت في ضربه حتى ظننتُ أنه سيموت فعلاً، وبعد فترة توقفت وهي تنهج وتنظر للرجل الملقى على الأرض.
كان وجهها مغطى بالدموع.
لم أجرؤ على التدخل في لحظة كهذه وبقيتُ أراقب من بعيد، وبصراحة كنتُ خائفة من أن تقتله.
بالنسبة لها، هو يستحق الموت، لكن بالنسبة لي، لم يكن من السهل رؤية إنسان يقتل إنساناً آخر.. فالقتل يظل فعلاً بشعاً مهما كانت المبررات.
“….”
بعد صمت طويل وهي تنظر إليه، تركت سيوجن الرجل واستدارت لترحل.
راقبتُ ظهرها وهي تبتعد، ثم اقتربتُ ببطء من الرجل الملقى.
“آغغ.. ساعديني..”
كان لا يزال يملك القوة للكلام، وهذا أول ما قاله لي.
“لماذا؟ لتفعل بي ما فعلته بذلك الفتى؟ تساعدني ثم تدفعني للوحوش لتنجو وحدك؟”
“لا.. لم يكن.. أمامي حل..”
“على أي حال، هو أراد مساعدتك وأنت لم تفعل. هربتَ وحدك وتُرك هو ليُعض.. في النهاية، نلتَ جزاءك. ليت ذلك الفتى لم يساعدك من الأساس.”
“لا.. مستحيل.. آآغ.. أرجوكِ!”
تركته ورحلتُ خلف سيوجن.
يا إلهي، لماذا تتجول وحدها هكذا؟ تعبتُ من اللحاق بها.
“….”
“سيوجن.”
لحسن الحظ لم تبتعد كثيراً، فلحقتُ بها بسرعة.
كانت تلتقط أنبوباً حديدياً طويلاً من الأرض.
من أين جاء هذا الأنبوب؟ ربما سقط مع حطام السقف.
“في النهاية، أنا قاتلة مثلهم تماماً.”
“نعم؟”
“لأنني قتلتُ إنساناً.”
“إذا كنتِ تقصدين ذلك الرجل، فهو لم يمت بعد. لا يزال حياً..”
“ليس بعد، لكنه سيموت إذا أكلته الوحوش. لقد شاركتُ في قتله بشكل غير مباشر.”
“…لا داعي للتفكير هكذا. في الأصل هو كان يجب أن يموت في ذلك اليوم، وعاش فترة أطول بفضل أخيكِ فقط..”
“هانجي، أنتِ حقاً طيبة.”
ارتبكتُ ولم أعرف بماذا أجيب على كلامها المفاجئ.
“أنتِ لطيفة جداً.. تعاملين شخصاً غريباً بكل هذا الإحسان..”
“ليس الأمر كذلك تماماً..”
“أول رياضة تعلمتُها في صغري كانت الكيندو (المبارزة بالسيوف).”
“نعم؟”
كانت تغير المواضيع بسرعة ولم أدرِ كيف أسايرها.
“أحببتُها لدرجة أنني مارستُ رياضات أخرى، لكنني لم أترك الكيندو أبداً لأنها المفضلة لدي.”
“آه، فهمت.. جيد.”
“الرياضة كانت تساعدني على إفراغ مشاعري. منذ صغري والناس يصفونني بأنني عاطفية وسريعة الانفعال، لكن الرياضة حسنت من طباعي.”
كانت هذه معلومات جديدة، لم تظهر هذه التفاصيل في اللعبة أبداً.
“قلتِ قبل قليل إن الهجوم دون سلاح خطر؟ الآن أنا بخير، هذا الأنبوب يكفي.”
“هل تنوين.. القتال به؟”
“رغم أنه يختلف عن السيف، إلا أنه سيؤدي الغرض.”
“لحظة، هل تنوين الذهاب إلى هناك وحدكِ؟”
هل جُنت؟
كيف تذهب لمكان فيه الكثير من الرجال المسلحين وحدها؟ أتريد الموت؟
“أولئك الناس هم من طردوا أخي وكانوا في المقدمة، هددوه بالأسلحة وأخرجوه.”
“أفهم رغبتكِ في الانتقام، لكن الذهاب وحدكِ خطر جداً. نحن كنا ننوي الذهاب إلى هناك على أي حال، فلنذهب معاً بعد أن نجد ليدون.. بقدرته سيكون الانتقام أسهل وأضمن.”
“لا بأس، لا ترهقي نفسكِ بمساعدتي أكثر. أعرف أنكِ قلقة على ليدون منذ البداية، يبدو أنكما مقربان جداً، فاذهبي وابحثي عنه.”
“ماذا..؟”
“وإذا كنتِ تريدين الذهاب لهناك من أجل الطعام، فسأسبقكِ وأقلب المكان رأساً على عقب. ابحثي عن ليدون ثم تعالي وخذي ما تريدين.”
“لا.. ولكن..”
لم تعطني فرصة للرد، ورحلت وحدها مرة أخرى. ما الذي حدث؟ لماذا انقلبت الأمور هكذا؟
“لحظة.. سيوجن! انتظرِي!”
ناديتُها بيأس لكنها لم تلتفت.
فكرتُ في اللحاق بها والإمساك بها، لكنني استسلمت.
نظرتُها كانت حازمة جداً، ولم يكن بإمكاني منعها بالقوة.
في المرة السابقة لم أمنعها، بل لفتُّ انتباهها لشيء آخر فقط.
“ما هذا الهراء.. ماذا سأفعل الآن؟”
تفرق الجميع.
واحد لا أعرف إن كان حياً أم ميتاً، والأخرى تذهب لتموت بإرادتها.
“ماذا أفعل الآن.. لم أتوقع أن تسير الأمور هكذا أبداً..”
هل أتبعها وأساعدها؟ ولكن كيف؟ أنا لستُ مقاتلة، ولم يسبق لي أن قاتلت بشراً.
كل ما فعلته في حياتي هو الشجار مع أخي أو شد شعر صديقاتي في المدرسة على سبيل المزاح.
في النهاية، لم أستطع فعل شيء سوى الوقوف ومشاهدة ظهرها وهو يختفي في الظلام.
التعليقات لهذا الفصل " 31"