30
بينما كنتُ أتفقد المكان ببطء، كانت كتل اللحم تتعثر تحت قدمي باستمرار، مما جعلني أنظر للأرض أكثر من نظري للأمام.
كنتُ أشعر بالقرف من هذه الكتل التي كانت تقترب منا وتنتظر أي فرصة للهجوم إذا غفلنا عنها.
“إنها كثيرة بشكل لا يصدق.. هل ذاب لحم الوحش الرئيسي كله ولم يتبقَّ منه سوى العظام؟ لا يعقل أن تكون المرحلة الثانية قد بدأت بالفعل!”
بسبب انتشار هذه الكتل في كل مكان، شعرتُ بالقلق وأردتُ الوصول بسرعة إلى مكان الوحش الرئيسي للتأكد من حالته.
أتذكر أنه يجب أن يكون في وسط المكان تماماً..
“أختي، لا أرى أي بشر هنا. لا يوجد سوى الوحوش.. هل مات الجميع؟”
“لا أعلم، لا أرى أحداً مختبئاً هنا.”
من المؤكد أن من كانوا في الطابق الأول حاولوا الهرب فوراً، وعندما وجدوا الأبواب مغلقة، اختبأوا في زوايا قسم المواد الغذائية.
أما من كانوا في الطابق الثاني.. هل يعقل أنهم لا يزالون هناك وسط كل تلك الفوضى؟
إذا كان الأمر كذلك، فهذا يفسر خلو الطابق الأول، أو ربما أكلتهم الوحوش جميعاً.
“أوه؟ هناك شيء غريب هناك.”
قالت سيوجن وهي تشير إلى مكان ما.
نظرتُ حيث أشارت، ووجدتُ الوحش الرئيسي الذي كنتُ أبحث عنه. وبالتحديد، رأيتُ قدمه التي لا يزال عليها الكثير من اللحم.
هذا يعني أن المرحلة الثانية لم تبدأ بعد..
وبخلاف تقييمي الهادئ للموقف، كان ليدون وسيوجن ينظران للأعلى بذهول وارتباك، فهما يريان هذا الشيء لأول مرة.
“قدم..؟”
“هل يعقل أن تكون هذه قدماً؟”
كان المنظر بشعاً فعلاً؛ قدم تظهر فيها العظام والعضلات بسبب ذوبان اللحم.
لو لم أكن أعرف ما هذا مسبقاً، لكنتُ صرختُ رعباً أكثر منهما.
“هل هذا وحش أيضاً؟ إنه أشبه بالمسخ..”
في تلك اللحظة، بدأت القدم تتحرك.
ضرب الوحش الأرض بقوة فاهتز المكان، وفقدنا توازننا وتعثرنا.
والصادم أكثر هو أن قطع اللحم الملتصقة بالقدم سقطت على الأرض وبدأت تتحرك وحدها، مما جعل سيوجن تشعر بالغثيان من شدة الرعب.
عندما توقف الوحش عن الحركة، نهضتُ وأنا أشعر بالدوار وكأنني كنتُ في لعبة ملاهٍ سريعة.
“آهه.. كل هذه الكتل تخرج من هناك.. مقرف.”
كانت سيوجن تغطي فمها من الصدمة، بينما انشغل ليدون بمواجهة الكتل التي تقترب منا.
لم يبدُ مصدوماً مثلها، لكنه كان يتصبب عرقاً ويقطب جبينه، يبدو أن استخدام القدرة يرهقه.
حاولتُ الاطمئنان على سيوجن أولاً ثم الذهاب إليه، ولكن..
“احذروا!”
بسبب حركة الوحش قبل قليل، اهتز السقف وبدأت القطع تتساقط.
نظرتُ للأعلى ووجدتُ شقوقاً كبيرة حول الفتحة التي صنعها جسد الوحش.
كدنا أن نموت بسبب الحطام المتساقط.
قررتُ تغيير الخطة والهرب من هنا لإعادة تنظيم أنفسنا، ولكن..
“آآآغغ!”
بدأ الوحش يضرب الأرض بقدمه مرة أخرى.
“تباً لهذا اللعين..!”
بوم!
حدث ما كنتُ أخشاه.
انهار السقف وبدأ الحطام يتساقط بشكل أكبر.
كانت الأرض تهتز لدرجة أنني لم أستطع الوقوف بانتظام، لكنني حاولتُ الهرب بأي طريقة.
كنتُ أسقط وأنهض، وأتدحرج لتفادي القطع الساقطة، حتى وصلتُ بصعوبة إلى سيوجن وأمسكتُ بذراعها.
“استيقظي! يجب أن نهرب الآن!”
“شكراً..”
لم تكمل كلامها.
وبينما كنتُ أسحبها للنهوض، سقطت قطعة كبيرة بجانبنا ففقدتُ توازني وسقطت، وسقطت سيوجن معي.
فجأة شعرتُ بظل يغطينا من الأعلى، وبشكل غريزي دفعتُ نفسي وتدحرجتُ مع سيوجن جانباً.
عندما رأيتُ الحطام يسقط في المكان الذي كنا فيه قبل لحظة، شعرتُ ببرودة تسري في جسدي.
كدنا نموت فعلاً. لم يكن هناك وقت للصدمة، حاولتُ استجماع قواي للهرب من هناك.
“تباً..”
لقد نجونا بأعجوبة.
كان عليّ تفادي الحطام المتساقط من جهة، وكتل اللحم الزاحفة على الأرض من جهة أخرى.
كاد عقلي أن يتوقف من شدة الضغط.
استندتُ إلى الحائط وأخذتُ أنفاساً متسارعة لأهدأ.
ولكن.. تباً.
لقد افترقنا.
بسبب الفوضى والهرب، ضاع ليدون عنا.
استطعتُ إنقاذ سيوجن لأنها كانت قريبة مني، لكن ليدون..
لا يعقل أن يكون قد مات؟
بدون قدرته، لن أستطيع إنهاء هذه المرحلة أبداً..
“أنا آسفة.. لقد أُصبتِ بسببي..”
“لا بأس، بل أنتِ من ساعدتِني.”
رغم أنني أُصبتُ قليلاً وأنا أحاول إنقاذها في البداية، إلا أنها هي من قادتني للخروج من تلك الفوضى.
بعد أن استعادت وعيها، بدأت تقودني بمهارة وتتحرك بخفة لتفادي الحطام والوحوش حتى وصلنا إلى هنا.
قدراتها الجسدية ممتازة حقاً.
“أنتِ أيضاً مصابة يا سيوجن، نحتاج للعلاج.. آه، الأدوية معه..”
بحثتُ في جيوبي عن مطهر أو ضمادات، لكنني تذكرتُ متأخرة أنني وضعتُ كل الأدوية والطعام داخل “ظلال” ليدون.
تمنيتُ لو احتفظتُ ببعضها معي، لكن الندم لا ينفع الآن.
“هل سيكون ليدون بخير؟ إنه وحيد الآن..”
“…سيكون بخير، هو يملك مهارات قوية.”
قلتُ ذلك لأقنع نفسي، فلا بد أن يكون بخير.
حاولتُ تصفية ذهني والتركيز على الموقف الحالي.
نظرتُ حولي لأعرف أين نحن، فقد تبعتُ سيوجن دون تفكير..
“هناك شخص هناك!”
صاحت سيوجن فجأة وسحبتني.
نظرتُ حيث أشارت، ورأيتُ شخصاً يجمع الطعام الساقط على الأرض.
عندما رآنا ذلك الشخص، بدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة ثم ركض هارباً.
كنتُ سأتركه يذهب، لكن سيوجن انطلقت خلفه فجأة.
“سيوجن؟! إلى أين؟”
يا للهول، لماذا تلحق به؟
ناديتُها كثيراً لكنها لم ترد.
إذا ضاعت هي الأخرى فسنفترق نحن الثلاثة تماماً، لذا لم يكن أمامي خيار سوى الركض خلفها.
عندما لحقتُ بها أخيراً، ارتبكتُ مما رأيت.
“اتركيني! اتركيني!”
“أنت.. لقد كنتَ بجانب أخي في ذلك الوقت!”
“عن ماذا تتحدثين أيتها المجنونة؟!”
“كان يمكنك مساعدته! لماذا تركته وحده وهربت؟ لماذا؟!”
“تباً لكِ، اتركيني! ولماذا أساعده أصلاً؟”
“ماذا؟”
“لقد دفعته نحو الوحوش لأنجو أنا!”
كانت سيوجن تمسك بتلابيب الرجل وتضغط عليه بغضب.
“ماذا تقول؟”
“كنا مصابين كلانا ولم يكن هناك حل آخر، هل نموت سوياً؟ كان يجب أن ينجو واحد منا على الأقل!”
“ولهذا ضحيتَ بأخي..”
“لقد كان ينزف، وكان من الطبيعي أن تجتمع الوحوش حوله.”
“أنت أيضاً كنتَ تنزف!”
“هو كان ينزف أكثر! كانت إصابته أخطر! وبما أنه لن يستطيع الهرب على أي حال، فمن الأفضل أن يضحي بنفسه ليعيش غيره.”
يا له من كلام حقير!
هو من مزق جرح الأخ في الأصل.
الآن عرفتُ من هو هذا الشخص، وعرفتُ لماذا ركضت سيوجن خلفه.
“حتى لو كان الأمر كذلك.. كيف استطعت فعل هذا؟!”
“آه، كفى! إلى متى ستظلين هكذا بسبب شخص مات وانتهى؟ اتركيني الآن..”
“ما كل هذا الضجيج؟”
في تلك اللحظة، خرج شخص من خلف ساتر مصنوع من الرفوف.
أدركتُ أننا في قسم المواد الغذائية، ويبدو أننا دخلنا بعمق.
هل هذا هو المكان الذي يختبئ فيه الناجون من الطابق الأول؟
فجأة، ظهرت علامات الفرح على وجه الرجل الذي تمسكه سيوجن.
“سـ-ساعدوني! هناك امرأة مجنونة تهاجمني..”
“أنت.. آه، أنت الشخص الذي يجمع الطعام؟”
“نعم نعم! لقد أحضرتُ الطعام هنا..”
كانت هناك سلة مليئة بالمؤن تحت قدميه.
“لقد قلتم إنكم ستسمحون لي بالبقاء معكم إذا أحضرتُ الطعام..”
“نعم، قلنا ذلك.. ولكن..”
نظر الرجل إلينا بضيق وقال: “لماذا أحضرتَ هذه المجنونة معك؟ لقد اتفقنا أن نستقبلك وحدك.”
“لم أحضرها عمداً، لقد لحقت بي فجأة..”
“كان عليك حل المشكلة بنفسك، لماذا تجرها إلى هنا؟”
“أنا.. أنا آسف..”
“يا هذا، انسَ الأمر. ارحل من هنا، لا نحتاج لشخص لا يستطيع تنفيذ مهمة بسيطة كهذه.”
“ماذا؟ ولكن..!”
حاول الرجل الاعتراض، لكنه صمت عندما أشهر الآخر سكيناً في وجهه.
كنتُ أراقب هذا الموقف الغريب وأشعر بالاشمئزاز.
أردتُ أخذ سيوجن والرحيل فوراً، فقتال شخص يحمل سكيناً دون وجود ليدون معنا هو أمر خطر، خاصة وأن هناك الكثير من الناس خلف هذا الساتر.
“ولكن.. من تكونين أنتِ؟ وجهكِ غير مألوف.”
نظرتُ إليه بارتباك، لم أتوقع أن يوجه لي الكلام.
كان ينظر إليّ من الأعلى والأسفل بنظرات مقززة جعلتني أشعر بالقرف.
“لا بأس باستقبالكِ أنتِ وحدكِ، بخلاف هؤلاء..”
“مـ-ماذا تقول؟ إذا كان الأمر كذلك، فاستقبلوني أنا!”
“أخرس أنت. إذا كنا سنستقبل أحداً يستهلك طعامنا، فهذه المرأة أفضل منك بكثير.”
قالت سيوجن بغضب: “هانجي لن تذهب مع حثالة مثلكم، أيها القاذورات.”
“يا مجنونة، اتركيني أولاً ثم تكلمي!”
“الجميع متشابهون، حثالة لا يفكرون إلا في أنفسهم!”
آهغ.. رأسي يؤلمني. ما هذا الوضع الفوضوي؟
واحد يشهر سكيناً، وواحد يصرخ، وسيوجن مشتعلة
برغبة الانتقام..
“سيوجن، اتركي الرجل أولاً وتعالي هنا..” (هانجي)
“تباً، ما كل هذا الإزعاج في الخارج؟”
“أين ذهب الشخص الذي خرج ليتفقد الوضع؟ لماذا تأخر؟”
بدأ الناس يخرجون من خلف الساتر ليزيدوا الموقف تعقيداً.
أمام هذا المشهد الفوضوي، توقفتُ عن التفكير تماماً.
التعليقات لهذا الفصل " 30"