الفصل -3-
ماذا أفعل الآن؟
لقد أفلتُّ من أسوأ موقفٍ ممكن، لكن الوضع الحالي ليس جيدًا تمامًا أيضًا.
في البداية، كان من المفترض أن يتبع البطل أولئك الناجين.
أما أنا، فمجرد غريبةٍ رآها للمرة الأولى، وفوق ذلك قمتُ بتغيير موقفي فجأةً بشكلٍ مريب، مما يجعلني غير جديرةٍ بالثقة.
من الطبيعي أن يتجنبني أي شخصٍ سويّ، أليس كذلك؟
*المترجمة مارفا: الشخص السويّ، هو الشخص الطبيعي نفسيًا واجتماعيًا، الذي يتمتع بدرجة جيدة من الاتزان العقلي والعاطفي، ويتعامل مع نفسه ومع الآخرين بشكل صحي.
تبعته وسط صمتٍ محرِجٍ وأنا أراقبُ ردود أفعاله.
آه، هذا يحرقُ الأعصاب. تمنيتُ لو قال أي شيءٍ بدلًا من هذا الصمت… إنه أمرٌ خانقٌ للغاية.
“معذرةً.. هل كنتِ هناك منذ البداية؟”
“… نعم؟”
أَسحبُ كلامي. الصمتُ كان أفضل بكثير.
ماذا يعني بـ “منذ البداية”؟ وما هو الشيء الذي يقصده؟
نظرتُ إليه وأنا أميلُ برأسي بحيرةٍ من كلامه المفاجئ وغير المفهوم.
حينها، نظر إليّ بنظراتٍ حزينةٍ وعميقة، واكتفى بالابتسام.
لكن لسببٍ ما، بدت تلك النظراتُ مليئةً بطاقة مشحونه.
لماذا ينظر إليّ هكذا؟ ما خطبه…
“… لا شيء. بعيدًا عن ذلك، يمكنكِ التحدثُ معي بأريحية. دون رسميات.”
“آه، ذاك… أنا آسفةٌ لأنني كنتُ مشتتةً وفاقدةً لأعصابي منذ قليل.. اعتذر.”
“لا، بل على العكس، هذا مريحٌ لي أكثر.. آه، على ذكرِ ذلك، لم نُعرّف أنفسنا بعد، أليس كذلك؟ أنا «ليدون»، وعمري 20 عامًا.”
“… أنا «هانجي»، وعمري 21 عامًا.”
قلتُ اسمي وعمري بتعبيرٍ فاتر. وحينها، وكأنه كان ينتظرُ هذه اللحظة، بدأ يناديني بـ “نونا*” (*أختي الكبيرة) ويقتربُ مني بودّ.
“يمكنني مناداتُكِ بـ «أختي»، صح؟ بما أنني الأصغر، يمكنكِ التحدثُ معي دون كلفة.”
“… الفرقُ بيننا سنةٌ واحدةٌ فقط، لنتحدث كلينا دون رسميات.”
“أنا بخيرٍ هكذا، فقد اعتدتُ على هذا الأسلوب.”
هذا غريب. هناك شيءٌ غريبٌ حقًا.
نظرتُ إليه بعينينِ يملؤهما الشك.
قد يكون مجرد وهم، لكنني شعرتُ وكأنه يعرفني.
علاوةً على ذلك، بدا مختلفًا قليلًا عما كان عليه عندما رأيتُه لأول مرة.
كيف أصفُ ذلك… بدا أكثر استرخاءً؟ وكأنه يتعاملُ معي بألفةٍ زائدة…
“أنا أدرسُ في هذه المدرسة، لذا أعرفُ جغرافيتها جيدًا. بما أن الوضع في الخارج سيئ، ويبدو أننا سنضطرُ للبقاءِ هنا لبضعة أيام، سأرشدكِ إلى مكانٍ يصلحُ للإقامة.”
قال ذلك وقادني بطبيعيةٍ إلى مكانٍ ما.
ورغم شكوكي، تبعتُه حيثما قادني.
الآن، وفي هذه المرحلة المبكرة، لا يوجد زومبي يتجولون في الممراتِ مراعاةً للبطل الذي خرج للتو من “التدريب”، لكن بعد فترةٍ وجيزة، ستصبحُ المدرسةُ تعجُّ بهم. لذا، وبدلًا من إضاعة الوقت في الوقوفِ في الممرات، كان من الضروري إيجاد مكانٍ آمنٍ كما قال.
المكانُ الذي وصلنا إليه بتباعِ البطل كان عيادة المدرسة. وبالتأكيد، العيادةُ مكانٌ جيدٌ في هذه الظروف لأن بها أسِرّة وأدوية. المشكلةُ الوحيدة هي عدمُ وجود طعام.
دخل قبلي وأخذ يتلفتُ حوله وكأنه يبحثُ عن شيءٍ ما، ثم التفتَ إليّ بوجهٍ يملؤه الارتياح.
“ادخلي. لحسنِ الحظ لا يوجد أحدٌ هنا.”
لماذا يكون عدمُ وجود أحدٍ أمرًا يدعو للارتياح؟
لو كان يقصدُ الزومبي لفهمتُ الأمر، لكنني شعرتُ أنه يقصدُ شيئًا آخر.
عندما نكون في موقفٍ عصيب، أليس من الأفضل أن نكون مع شخصٍ آخر بدلًا من البقاء وحيدين؟
من الطبيعي الشعورُ بالأمان وسط المجموعة، لكنه على العكس، بدا وكأنه يرغبُ في الابتعادِ عن الحشود والبقاءِ بمفرده.
وكأنه قد مرَّ بتجربةٍ سيئةٍ أثناء العمل الجماعي…
ربما أبالغُ في تحليلي.
قد يكون ببساطةٍ من النوع الذي يفضلُ الوحدة.
يمكنني التفكيرُ هكذا، ولكن…
حسب معرفتي، البطلُ ليس كذلك.
في البداية كان يتجولُ مع مجموعة الناجين، وكان يحبُّ الناس لدرجة الموت 5 مرات وهو يحاولُ إنقاذهم.
لذا، فإن تصرفه بهذه الطريقة يعني…
هل عاد بالزمن حقًا؟ ولكن متى حدث ذلك؟
دخلتُ العيادةَ بهدوءٍ وأغلقتُ البابَ وضغطتُ على القفل.
تك–
سُمع صوتُ القفلِ بوضوحٍ في الغرفةِ الساكنة.
وقفتُ وظهري للباب وسألتُه:
“ألن تسألني؟”
“نعم؟ عن ماذا؟”
“منذ قليل، قلتُ إنني سأذهبُ بمفردي وغادرتُ، ثم عدتُ مجددًا. ألن تسألني لماذا فعلتُ ذلك؟”
“آه… صحيح. لقد حدث ذلك فعلاً… هل يمكنني أن أسأل لماذا؟”
“وإذا قلتُ لك لا، فهل لن تسأل؟”
“نعم. إذا لم تكوني ترغبين في الحديث، فلا بأس.”
عند سماع ذلك، خفضتُ نظري وأغمضتُ عينيّ.
اللعنة، لقد تأكدتُ الآن.
هذا الفتى قد عاد بالزمن.
بعد أن نلتُ يقيني، كتمتُ تنهيدتي، ثم فتحتُ عينيّ ورفعتُ رأسي.
لماذا أنا بخير؟
عودتُه تعني بالضرورة أنه قد مات مرةً واحدةً على الأقل.
ومن المفترض أن يكون قد بدأ مجددًا من “نقطة الحفظ”، لكنني لم أشعر بأي شيءٍ غريبٍ حتى الآن.
لم أشعر بأي لحظةٍ غير طبيعيةٍ أو محرجة.
في البداية، شعرتُ بالارتياح لأن العالم لم يتوقف بموت البطل… لكن حقيقةَ أنه عاد بالزمن دون علمي كانت تثيرُ قلقاً في نفسي.
متى مات، ومتى عاد؟ وكيف يسيرُ هذا العالمُ بحق الخالق…؟
بدأ رأسي يؤلمني فجأة.
تصرفاته الحالية تؤكدُ أنه يعرفني، وإلا لما كان هناك سببٌ لعدم سؤاله عن تصرفاتي المريبة.
“….”
نظرتُ إليه بصمت، فبادلني النظراتِ هو الآخر دون كلمة.
بدا وكأنه ينتظرُ إجابتي.
من ناحيةٍ أخرى، يراودني شكٌ آخر.
أنا من المستحيل أن أتجولَ مع مجموعة الناجين حتى لو مُتُّ. لذا فإن فرصةَ معرفته لي لن تظهر إلا بعد موته 5 مراتٍ على الأقل…
سحقًا، لا أفهمُ شيئًا.
رغبتُ في سؤاله مباشرةً وتبريد غليلي: ‘لقد عدتَ بالزمن، أليس كذلك؟ متى؟ وكم مرة فعلتَ ذلك؟’.
لكنني لم أستطع. ليس لأنني لا أستطيع السؤال، بل لأنني لن أحصل على إجابة.
البطلُ لا يمكنه إخبارُ الآخرين بحقيقة عودته بالزمن.
في اللعبة، اخترتُ ذات مرة خيارَ إخبارِ الآخرين، فمات البطلُ فور اختياره.
ومنذ ذلك الحين، عرفتُ أنه لا يستطيع البوح بهذا السر.
على الأرجح، لو كان حدسي صحيحًا، فإن هذا الفتى الذي أمامي قد جرب الموت مرةً بسبب إفشاء السر.
على أي حال، أنا لستُ مريضةً نفسيةً ولا أريدُ رؤيةَ شخصٍ يموتُ أمام عينيّ.
وفوق ذلك، فإن ما سيحدثُ بعد موت البطل أمام عينيّ يمثلُ مشكلةً بحد ذاته.
قررتُ ألا أفكر في عودته وليحدث ما يحدث.
لستُ متأكدةً إن كان انضمامي إليه الآن قرارًا صائبًا، ولكن…
بما أنني تأكدتُ أن العالم لا يتوقف، وبما أننا كنا سنتجول معًا في النهاية، فالأمرُ ليس سيئًا تمامًا.
“حقًا؟ إذًا فلنتجاوز هذا الأمر. لكن هذا المكان، رغم كونه جيدًا للنوم أو العلاج، إلا أنه يفتقرُ للطعام، لذا لا يمكننا البقاء هنا طويلاً. وفوق ذلك، لا يوجد حمام.”
“الحمامُ موجودٌ بجانبنا تمامًا لذا لا بأس. المشكلةُ هي الطعام… المتجرُ بعيدٌ قليلًا عن العيادة و…”
“وماذا عن الكافتيريا؟”
“المسافةُ تشبه المسافة إلى المتجر، لكنها أقربُ قليلًا.”
“حقًا؟”
لم يكن المتجر خيارًا جيدًا.
فهو المكان الذي سيحتله الناجون قريبًا، كما أنه سيجذبُ أكبر عددٍ من الزومبي.
لابد أنه يعرفُ ذلك أيضًا لذا أظهر رد الفعل ذاك.
معظم الطعام في الكافتيريا يحتاج إلى طبخ، لذا من الصعب الاستفادةُ منه، لكنني أتذكرُ أنه يمكننا الحصول على بعض الخبز والمشروبات هناك.
المشكلة هي أن الكافتيريا بعيدةٌ جدًا عن هنا.
ومن المؤكد أننا سنواجه الكثير من الزومبي في طريقنا…
برفقة البطل، ستحدثُ كل أنواع “الأحداث” الممكنة.
ما الذي كان هناك أيضًا… أظن أن نوعًا من الزومبي المتحولين كان يظهر…
“بما أن المرء لن يموت لو جاع ليومٍ واحد، فهل نرتاحُ هنا اليوم؟”
تجاوزتُه ببطء واقتربتُ من أحد الأسِرّةِ وجلستُ على طرفه.
رأيتُ غروب الشمس من بين الستائر. تسلل ضوءُ الشمسِ إلى داخل العيادة ليصبغها بلون الغسق.
عندما جئتُ من المقهى إلى المدرسة، كانت الشمسُ طالعةً بوضوح، لكن بما أننا في الشتاء، حلَّ الليلُ سريعًا.
في الليل تنعدمُ الرؤية، مما يجعلُ مواجهة الزومبي أصعب مما هي عليه في النهار.
لذا، لم يكن أمامي خيارٌ سوى الراحةِ هنا حتى تشرق الشمس.
كنتُ أرغبُ في الاستلقاء على السرير وإغماض عينيّ فورًا، لكنني أجبرتُ نفسي على النهوض وتوجهتُ نحو الأدراج حيث تُحفظ الأدوية.
سيصبحُ المكان مظلمًا في الليل.
يمكننا تشغيل الأضواء، لكن الضوء سيتسربُ إلى الممرات أو خارج المبنى.
ورغم أن معظم الزومبي يملكون حاسة بصرٍ ضعيفة ويعتمدون على الشم والسمع، إلا أن هناك كائناتٍ متحولةً تملك بصرًا لا يختلفُ عن بصر البشر، لذا لا ضير من الحذر.
فتشتُ الأدراج حتى وجدتُ شموعًا وقداحة، ووضعتها على الطاولة بجانب السرير.
“سيصبحُ المكانُ أكثر ظلامًا عندما تغيب الشمسُ تمامًا. وإذا أشعلنا الأضواء، سيتسرب الضوء للخارج، لذا لنشعل الشموع. قد يكون الأمرُ مظلمًا وغير مريح، لكنه أكثر أمانًا، أليس كذلك؟”
“هذا جيد. لا فائدة من إعلام من في الخارج بوجودنا هنا. من الأفضل أيضًا تغطية النوافذ بالستائر تمامًا.”
“أجل، لنفعل ذلك.”
بعد تغطية النوافذ بالستائر وإنهاء كافة الاستعدادات، جلستُ على طرف السرير مجددًا.
بمجرد انتهاء التحضيرات، لم يعد هناك ما أفعله، كما لم يكن لدي ما أقوله لهذا الفتى.
‘.. هل أنامُ فقط؟’
بينما كنتُ أفكرُ في تكليفه بالحراسة وطلبه منه إيقاظي بعد بضع ساعات، بدأ هو بالحديث.
“أنا أعيشُ بالقرب من هنا، لذا تخرجتُ من هذه المدرسة الثانوية. ظننتُ أنني لن أعود إلى هنا بعد التخرج، ولم أتخيل أبدًا أنني سأعودُ بهذه الطريقة.”
“آه، فهمت…”
“لقد بلغتُ العشرين للتو، كنتُ أريدُ الشرب والتنزه مع أصدقائي، وعندما تظهر نتائج القبول الجامعي، أردتُ أن أطأ قدمي في الحرم الجامعي… لكن يبدو أن هذا سيكون صعبًا الآن.”
“اه، حسنًا… الوضع هكذا الآن، لكن قد يكون أمرًا مؤقتًا، وربما يعودُ كل شيءٍ كما كان قريبًا؟”
مؤقت؟ تبا. هذه هي البداية فقط، ولن ينتظره سوى طريقٍ من النيران، لكنني كذبتُ لأنني شعرتُ بالشفقة على كتفيه المنهكين.
بعيدًا عن ذلك، لماذا يخبرني هذا الفتى بكل هذا؟
بعد ذلك، بدأ يقصُّ عليّ قصصًا عن نفسه دون أن أسأله.
في البداية، كنتُ أجيبه بشكلٍ مناسبٍ وأستمعُ إليه، لكن تدريجيًا بدأتُ أتساءلُ لماذا عليَّ فعلُ هذا.
تحولت وضعيةُ جلوسي إلى استلقاء، وأصبحت إجاباتي مقتضبة.
ومع ذلك، لم يبدُ عليه الانزعاجُ من برودي، بل استمر في الثرثرة وكأن شيئًا لم يكن.
استمعتُ لحديثه لفترةٍ طويلة، حتى بدأتُ أشعرُ أن صوته يبتعدُ تدريجيًا ثم أُغلقت عيناي.
نمتُ وصوته بمثابة تهويدةٍ لي، متمنيةً من كل قلبي أن أكون في منزلي عندما أفتح عينيّ مجددًا، وليس في هذه العيادة.
****
< انتهى الفصل >
• شكرا على حسن المتابعة •
يتبع …
°
°
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"