طأطأت سيوجن رأسها وهي تحاول تمالك أعصابها، بينما وقفتُ أنا أمامها أتصبب عرقاً وأراقب رد فعلها بحذر، وأنا أدعو سراً أن تنتهي هذه اللحظة بسرعة.
“…بعد أن هدأ الوضع في الداخل وارتاح الجميع، ظهرت مشكلة أخرى. لم يكن أخي الوحيد الذي تعرض للعض.. كان هناك آخرون. والمفارقة أن بعضهم كان أول من صرخ في وجه أخي وطرده، رغم أنهم كانوا معضوضين مثله! لقد طردوا أخي وحده.”
“….”
“لقد كرهتُهم بشدة. أخي مات وسط الوحوش وهو يتألم، أما هم فقد تحولوا إلى وحوش وماتوا دون ألم.. أنا أكرههم، وأريد قتلهم جميعاً!”
“….”
“أكره كل شيء! أشعر بالقرف لدرجة الرغبة في التقيؤ!”
في النهاية، بدأت سيوجن تصرخ وهي تشد شعر رأسها بيأس.
“أريد الانتقام بأي طريقة، أريد قتلهم! لكن عددهم كبير جداً. إذا تهورتُ وهجمتُ، سأموت أنا قبل أن أنتقم. هاه هاه.. والموت يخيفني أيضاً. أنا أكره نفسي، أكره كل شيء!”
“لحظة يا سيوجن. اهدئي..”
“آآآه-!”
صرخت بقوة وكأنها تفرغ كل ما كتمته طوال الفترة الماضية، وبينما كنتُ أقترب منها بسرعة لتهدئتها، انقطع صراخها فجأة وسقطت في مكانها مثل دمية انقطعت خيوطها.
يبدو أنها فقدت وعيها من شدة البكاء والتعب.
ساعدني ليدون في نقلها إلى السرير، ثم جلستُ أنا على الأرض منهكة.
“لم أتوقع أن يكون الأمر مُتعباً إلى هذا الحد..”
“أختي، هل أنتِ بخير؟”
“… أشعر فقط أن طاقتي استُنزفت. وأنت، هل أنت بخير؟”
“بصراحة، لقد ارتبكتُ قليلاً مما حدث.”
“أنا آسفة.”
“لماذا تعتذرين يا أختي؟”
“لأنني من أجبرتك على المجيء إلى هنا. وأنت أصلاً لم تكن ترحب بوجود سيوجن معنا، وفعلتَ ذلك لأجلي..”
كنتُ محطمة تماماً.
لا أعرف ما الذي حدث فجأة، فسيوجن في اللعبة لم تكن عاطفية بهذا الشكل.. ربما الصدمة كانت أكبر مما تخيلت.
“أنا لا أحب هذه المرأة، أشعر أنها ستأخذكِ مني.”
“تأخذني؟ أنا لستُ غرضاً يُسرق.”
“لكنني أتفهمها.. أفهم لماذا تتصرف هكذا.”
نظرتُ إليه بفضول أنتظر سماع ما سيقوله.
“أختي، هل سبق لكِ وأن فقدتِ شخصاً عزيزاً؟”
“…أنا؟”
شخص عزيز؟ في الواقع لا.
عائلتي بخير في عالمي الحقيقي، ولم يمت أحد من أصدقائي المقربين.
“لا، لم يحدث.”
“أما أنا فقد فقدتُ الكثيرين.. لذا أفهم تماماً حجم هذا الحزن.”
قال ذلك وهو ينظر في عيني بنبرة هادئة.
“….”
“….”
أشحتُ بنظري عنه ببطء.
لماذا يفتح مثل هذه المواضيع الثقيلة الآن؟
شعرتُ بضيق في صدري بسبب هذا الجو الكئيب.
[تم استيفاء الشروط. يتم الآن فتح المرحلة.]
[المرحلة الثانية: السوق المركزي]
[نبارك لكم الدخول إلى المرحلة الثانية!]
“أوه؟”
اتسعت عيناي عندما ظهرت الشاشة الزرقاء أمامي فجأة.
هل بدأت الآن؟ لم نجمع المؤن بعد!
“أختي.. هل ظهرت لكِ هذه الشاشة أيضاً؟”
سأل ليدون وهو يشير إلى الفراغ. يبدو أن نافذة النظام ظهرت له أيضاً.
“نعم..”
“المرحلة الثانية.. ماذا يعني ‘تم استيفاء الشروط’؟”
“لا أعرف بالضبط، لكن الشيء الوحيد المؤكد هو أنه لن يكون أمراً جيداً.”
هناك مراحل تبدأ بمجرد الدخول إليها مثل المرحلة الأولى، وهناك “مراحل مشروطة” تفتح عند توفر ظروف معينة. وشروط هذه المرحلة لم تكن واضحة تماماً.
وفقاً لما قاله مطورو اللعبة، فإن هذه المرحلة تفتح عندما تتجاوز المشاعر السلبية مثل الأنانية والجشع حداً معيناً.
لا أفهم لماذا صمموها بهذه الطريقة الغامضة، فمن الصعب توقع وقت بدئها إذا بقينا هادئين.
لذا، إذا أراد اللاعب تسريع القصة، كان عليه إثارة فوضى كبيرة. مثل إطلاق الوحوش أو جعل الناس يتقاتلون على الطعام.
كانت خطتي هي نهب مخازن الطعام لاستفزازهم، وبذلك أضرب عصفورين بحجر واحد: أحصل على الطعام، وأفتح المرحلة، وأنتقم لسيوجن.. بل ثلاثة عصافير.
لكن المرحلة فُتحت أبكر مما توقعت.
كنتُ أتمنى أن تفتح بعد جمع الطعام.
الآن سيهرب الناس في كل اتجاه وستعم الفوضى، والوحوش ستنتشر.. متى سأجد وقتاً لجمع المؤن؟
وحتى لو جمعتُها، فمن المؤكد أنها ستكون تالفة بسبب التدافع.
“…!”
فجأة، بدأت الأرض تهتز. بل سُمع دوي انفجار هائل وكأن الأرض تنشق.
“ما هذا فجأة.. هل هو زلزال؟”
“…ليت الأمر كان مجرد زلزال.”
تباً. لو كنتُ أعلم لما نزلتُ إلى القبو. لماذا حدث هذا ونحن هنا بالذات؟
الوحش الرئيسي في هذه المرحلة يظهر من تحت الأرض.
حرفياً، يخترق الأسمنت ويقتحم القبو، ثم يواصل صعوده محطماً أسقف الطابقين الأول والثاني وهو يزداد حجماً. بصراحة، يصعب تسميته “زومبي”، إنه “وحش” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
“هل يجب أن نخرج لنرى ما يحدث؟”
“لا، لنتريث قليلاً. الخروج الآن خطر لأننا لا نعرف الوضع في الخارج.”
كان من المزعج أننا في القبو حيث تصلنا كل الاهتزازات، لكن لا خيار أمامنا.
إذا خرجنا الآن، سنصطدم بالناس المذعورين من الوحش الكبير.
وفوق ذلك، بمجرد بدء المرحلة، تظهر حواجز غير مرئية على النوافذ والأبواب تمنع الخروج من المبنى.
تخيلوا كيف سيجن جنون الناس هناك! لم أرغب أبداً في التواجد بينهم.
في تلك اللحظة، استيقظت سيوجن. يبدو أن الضجيج هو ما أيقظها.
“ما هذا.. ما هذه الأصوات؟”
“لا نعرف أيضاً، بدأ الأمر فجأة..”
بدت سيوجن مشتتة الذهن بسبب استيقاظها المفاجئ، وانكمشت على نفسها بخوف من الاهتزازات القوية.
“هل أنتِ بخير؟”
“أنا بخير. لكن.. أنا آسفة. أفقد أعصابي دائماً عندما أتذكر أخي. أعرف أنه لا ينبغي لي ذلك، لكنني لا أستطيع السيطرة على نفسي..”
“تقبل الموت ليس سهلاً، خاصة إذا كان شخصاً قريباً جداً. رد فعلكِ طبيعي، فلا داعي للاعتذار.”
“…شكراً لكِ. ولكن، ألا تعتقدين أن كارثة حدثت في الخارج بسبب كل هذه الضوضاء؟ الأرض والجدران تهتز.. هل سينهار المبنى؟”
كانت تراقب المحيط بقلق.
بالفعل، من لا يعرف السبب سيظن أن المبنى ينهار.
وفي الحقيقة، هو ينهار فعلاً لأن الأسقف تتحطم، لكن المبنى لن يسقط بالكامل، هكذا جرت الأمور في اللعبة.
ليس من المنطقي أن ينهار المكان قبل إنهاء المرحلة.
“مستحيل. لا أظن أن المبنى سينهار تماماً.”
قلتُ ذلك وأنا أحاول إقناع نفسي أيضاً، فالاهتزازات كانت مرعبة.
بمنطق الواقع، إذا تحطمت الأسقف والأرضيات، سيفقد المبنى توازنه وقد يسقط تماماً.
وإذا حدث ذلك، فسندفن أحياءً في هذا القبو. وحتى لو حاولنا الهرب، فالحواجز الشفافة تمنعنا.
البقاء هنا هو الحل الأفضل، لكن قلق من حولي بدأ ينتقل إليّ.
“….”
أصابتني نوبة صداع حادة بسبب الضجيج والاهتزازات التي لا تتوقف.
زاد على ذلك تعبي من التعامل مع سيوجن وقلقي من انهيار المبنى.. كان الوضع كارثياً.
تنهدتُ بعمق وحاولتُ إغماض عينيّ لأهدأ قليلاً.
أخذتُ نفساً عميقاً، وشعرتُ حينها بِيَدٍ تمسك يدي.
“أختي، هل أنتِ بخير؟ هل تشعرين بالألم؟”
“آه..”
فتحتُ عينيّ لأجد ليدون ينظر إليّ بقلق.
رؤية وجهه جعلتني أشعر ببعض الطمأنينة.
“أنا بخير، مجرد صداع بسبب الضجيج حولنا.”
“هل يؤلمكِ كثيراً؟ هل تودين الاستناد إليّ؟”
“ليس لهذا الحد، لا تقلق، أنا بخير حقاً.”
رغم ذلك، أجبرني على الاستناد إلى كتفه وبدأ يربتُ على ظهري ويهمس لي بأن كل شيء سيكون بخير.
لم أتمكن من منع نفسي من الابتسام؛ لم يكن بحاجة لفعل كل هذا، لكن تصرفه كان لطيفاً، فاستس
لمتُ واستندتُ إليه وأغمضتُ عينيّ.
انتظرنا هكذا حتى يهدأ الوضع.
وبعد فترة، توقفت الانفجارات والاهتزازات، ولم نعد نسمع سوى صرخات الناس البعيدة والخافتة.
التعليقات لهذا الفصل " 28"